الثلاثاء 4 أكتوبر 2022
موقع 24 الإخباري

حرب أوكرانيا إلى طريق مسدود.. ماذا سيحصل؟

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات على السواحل الجنوبية لأوكرانيا.(أف ب)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات على السواحل الجنوبية لأوكرانيا.(أف ب)
مرَّ أكثر من 150 يوماً منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، والمشهد الجلي أمامنا الآن يفيد بأنّ أيًّا من الطرفين عاجز عن تحقيق الفوز. وسيجعل ذلك القرارات الجريئة من جانب حلفاء أوكرانيا بالغة الأهمية لأي أمل في النصر، بحسب ما أفاد الكاتب الصحفي فولوديمير هوربولين في تحليل له نشرته مجلة "لسبريسو" الإيطالية.

بالنسبة لأوكرانيا، هناك كثير من العوامل الخارجية في هذه الحرب خارجة عن سيطرتها. فمواقف الصين وإيران والسعودية والإمارات وتركيا وألمانيا وفرنسا يمكن أن تكون حاسمة في التأثير على المزيد من سيناريوهات الحرب.
في 18 يوليو (تموز) الماضي، تلقّى الجيش الأوكراني أنظمة مدفعية بعيدة المدى وعالية الدقة، مما دفع القائد الأعلى للقوات المسلحة الأوكرانية إلى أن يُعلن أنه بعد احتلال مدينتي سفرودونتسك وليسيتشانسك، استطاعت القوات المسلحة الأوكرانية أن تضمن استقرار الأوضاع.

وحقيقة الأمر، يقول فولوديمير هوربولين، أنّ الطريقة المُثلى لوصف الأوضاع هي أننا وصلنا إلى طريقٍ مسدود منذ شهر يونيو (حزيران) الماضي. فالعدو لم يعد قادرًا على شن عمليات هجومية فعّالة، وليس بوسع المدافعين عن أراضيهم أن يشنوا هجوماً مُضاداً بعد.

ويضيف هوربولين "في كل يوم تقريبًا، تؤكِّد السلطات والشعب الأوكراني على اعتماد أوكرانيا غير المُحبّذ على عوامل خارجية. وهذا الاعتماد مُطلق، وجوهري للنتيجة النهائية. لعل هذه الحرب هي بداية صحوة للأمة الأوكرانية، ولعلها ستصبح نذيرًا بتطور أوكرانيا ككل".

وتابع "في الوقت ذاته، وإذ نُراقب الأحداث على أرض الواقع، يتشكل لدينا تصور مُعقَّد يصل بنا إلى طريق مسدود نوعاً ما للمرحلة الراهنة للحرب. ويبذل الكرملين تحت قيادة بوتين جهوداً خرافية لاستعادة القوة والقدرات الحربية، إذ يسعى إلى إنهاك أوكرانيا كي يحتل على الأقل مدينة كبرى واحدة".

أساليب بوتين القذرة
وأوضح التحليل أن بوتين يستهدف خاركيف، تلك المدينة الرمزية المُقدّسة التي كانت في فترة من الفترات أولَ عاصمة لجمهورية أوكرانيا السوفيتية. وإذا احتُلّت خاركيف، فسيحوِّل الرئيس الروسي جزءًا من المنطقة المُحتلّة إلى دولة "موازية"، أو ما يُسمى بـ "أوكرانيا بوتين"، من خلال القمع والتلاعب بالمعلومات والحرب النفسية.

وإلى الآن، لايزال الرئيس الروسي يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يحشد قوات احتياط. وبصرف النظر عن توجيه مناصريه في مناطق الصراع بتجنيد "كتائب من المتطوعين" والمُدانين، فهو يُقْدِم على محاولة أخرى لجرّ المرتزقة إلى الحرب. لقد قلَّلت الشركات العسكرية الخاصة التي يمولها الأثرياء المقربون من بوتين إلى حدٍ كبير من الشروط للمرشحين للعمل لديها. واستحدث بوتين أيضاً مبدأ التعبئة القسرية في المناطق المحتلة من أوكرانيا، كلما أُتيحت فرصة خداع الناس بغية تجنيدهم. فضلاً عن ذلك، يُعذِّب الروس جنودهم الذين يرفضون المُشاركة في القتال.

موارد روسيا المحدودة
وفي روسيا أيضًا، تُفتح صفوف للمتدربين والمبتدئين في الجيش على نطاق واسع. وتشير بيانات الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إلى افتتاح 500 صف عسكري للمتدربين الجدد و1000 صف للجنود المُبتدئين في الجيش الروسي في بيلغورود، على مقربة من الحدود الأوكرانية. جدير بالملاحظة، والكلام لـ فولوديمير هوربولين، أن الطلاب العسكريين يُجَنَّدون أيضاً للحرب الدائرة في روسيا، وأن جيش صغار الجنود يستقبل متطوعين تبدأ أعمارهم من 18 عاماً. ووفق التحليل، يحاول بوتين أن ينقل كراهيته الشخصية لأوكرانيا إلى الشباب الروسي كي يخلِّف وراءه عداوة تستمر لعقود مقبلة.

 أسلحة من إيران والصين

وبالنسبة للأسلحة، ففضلاً عن الآليات السوفيتية القديمة التي تُستخدم تدريجيًا في الاتحاد السوفيتي، تحاول موسكو الحصول على أسلحة من إيران ومكونات المعدات العسكرية من الصين. ولقد قام بوتين بزيارةٍ لطهران في محاولة له لتحقيق هذه الغاية. غير أن الأمريكيين الذين يراقبون إيران عن كثب لم يؤكدوا بعد استلامه تلك الأسلحة. وعلى أية حال، صار من الصعب بشكلٍ متزايد أن تشن روسيا هجومًا عسكريًّا، لأنه لتكثيف الهجوم في قطاع واحد، ستضطر قيادة الجيش إلى إضعاف قطاعات أخرى. وستكون النتائج فورية، إذ سيشن الجيش الأوكرانيّ هجمات قاسية في تلك المناطق.

ولفت التحليل النظر إلى أن القوات الأوكرانية المُسلحة بدأت، منذ أن استلمت راجمات الصواريخ ذات الإطلاق المتعدد (HIMARS MLRS)، تُدمر مخازن الذخيرة الروسية. فالضربات الفائقة الدقة للقوات الأوكرانية المُسلحة لا تحرق وحسب المخازن والمعدات العسكرية، وإنما تطال أيضًا المقار الرئيسية للقوة الضاربة لجيش العدو. ولقد زادت قوات الدفاع الأوكرانية إلى حدٍ كبير من وتيرة إضعافها لهيئة أركان الجيش الروسي. وقال المراقبون إن هناك تصاعدًا حقيقيًا في عدد القتلى بعد أسبوعين تحديدًا من استخدام راجمات الصواريخ ذات الإطلاق المُتعدد.

مخاوف من بداية النهاية لبوتين
ويقول فولوديمير هوربولين: ما زالت الحرب مُستمرة، وحتى الآن من الصعب تحديد الفائز. خلال شهر يوليو الماضي، تقدَّمت القوات الغازية في بعض الاتجاهات، غير أنها تقهقرت في اتجاهات أخرى. وفي كل يوم تقريبًا، تضرب القوات الأوكرانية المُسلحة العدو. ومع ذلك، فالجيش الأوكرانيّ ما برح ينتظر أكثر من أي وقت مضى قرارات السّاسة. وعليه، فالأرجح أن تصريح جيمس جي ستافريديس القائد الأعلى السابق لقوات التحالف التابعة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا مُبَرَّر. فهو يؤمن بأن الحرب ستتحول إلى صراع مُجمّد. ووفقًا للجنرال، فمن الممكن أن يحدث ذلك "في غضون فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر" بما أنّ المواجهة العسكرية "تعثّرت لدى الجانبين".

سيؤول الوضع كما في الحرب الكورية التي استمرت بين عامي 1950 و1953 وانتهت بهدنة بين كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية، غير أن اتفاقية سلام رسمية لم تُوقَّع رسمياً، وما زال البلدان متحاربين. ويراقب الجنرال ستافريديس الوضع ويُقيِّمه بوصفه خبيرًا عسكريًا، غير أنّ تصريحه بالنسبة للأوكرانيين يحمل في طياته أهم رسالة على الإطلاق: ألا وهي أنه لا بد للأوكرانيين الدفاع عن المصالح الأوكرانية، ولن ينجز الأمريكان ولا الإنكليز هذه المهمة.

يؤيِّد عضو الكونغرس الأمريكي آدام كينزينغز، وهو أحد أبرز أعضاء جماعات الضغط المؤيدة للمصالح الأوكرانية، تدريجياً الحاجة إلى ردة فعل أقوى على الاعتداء الروسي، وتحديدًا فرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا. ولذلك، وفقًا للخبراء، يمكن للقوات الجوية الأوكرانية الحصول على المقاتلات الأمريكية طراز إف-15 إيغل وطراز إف-16. وفي الوقت عينه، فمن الأرجح، برأي التحليل، أن تُسلِّم الولايات المتحدة أوكرانيا المقاتلة إف-16، وهي طائرة مُتعددة الأغراض قادرة على ضرب أهداف جويّة وبريّة في آنٍ واحد. والمقاتلة إف-16 أيضاً يُعتمد عليها. فهي تنطلق بسرعات عالية، وتتمتع بالقدرة على الارتقاء العمودي السريع، وبوسعها حمل أسلحة تزن 10.5 طن بحدٍ أقصى.

ولكن، أشارَ أحد الجنرالات إلى أنه ما من قرار نهائي بخصوص تدريب الطيارين الأوكرانيين في الولايات المتحدة بعد، ولو أن هذه المسألة قيد البحث حاليًا. ويبدو أن نقل المقاتلات الحربية إلى أوكرانيا سيكون عملية بعيدة الأجل، لأن «الاستحواذ» على الأجواء الأوكرانية من موسكو يمكن أن يكون بمنزلة بداية النهاية لنظام بوتين. ويخشى كثيرون في الغرب من هذه النتيجة أكثر من خوفهم من ترك الأراضي الأوكرانية بين يدي بوتين في 2022.

وعليه، فإن المشهد العام يبدو كالتالي: جميع الموضوعات البالغة الأهمية المتعلقة بالأسلحة الفتّاكة قيد النقاش حاليًا، غير أننا سنضطر إلى انتظار النتيجة، وربما انتظرنا لفترة طويلة. لقد ضُمَّت الآن أوكرانيا إلى النظام الأمني العام لحلف شمال الأطلسي لأن الحلف لا يمكنه أن يتحمل تبعات تجاهل مصالحها. ومع ذلك، فالدعم المُقدَّم لأوكرانيا فيما يتعلق بالأسلحة والعقوبات لم يتجاوز نطاق هذه المصالح الأوروبية ومصالح حلف شمال الأطلسي.

أوكرانيا: المركز الجيوسياسي للأحداث
إن أوكرانيا هي المركز الجيوسياسي للأحداث. وكثير من مجريات الأمور حاليًا في العالم يُعوِّل تحديدًا على قدرة الأوكرانيين، ومن قبلهم الجيش الأوكراني، على الإقدام على محاولة فعّالة لاحتواء حشود بوتين والإعداد لهجوم مضاد ناجح.

ومن المحتمل جداً، بحسب التحليل، أن العمليات العسكرية الناجحة في جنوب أوكرانيا، وخاصة تحرير مدينة خيرسون وطرد المحتلين الروس من الأراضي الأوكرانية وصولاً إلى البحر، مما يعني حرمان الغزاة من الممر البري المؤدي إلى شبه جزيرة القرم، يمكن أن يكون لها تأثير كبير على ميزان القوى، وتغير مسار الحرب بأكمله. ومن ناحية أخرى، فالتوغُّل المحتمل لغزو بوتين الدموي لمسافات بعيدة داخل خاركيف وزابوربجيا يمكن أن يزيد مخاوف الغرب.

قوى خارجية
واختتم هوربولين تحليله بالقول: "بالنسبة لأوكرانيا، هناك كثير من العوامل الخارجية في هذه الحرب خارجة عن سيطرتها. فمواقف الصين وإيران والسعودية والإمارات وتركيا وألمانيا وفرنسا يمكن أن تكون حاسمة في التأثير على المزيد من سيناريوهات الحرب. فأوكرانيا قادرة على الفوز في الحرب — إذا سمحت لنا هذه الدول بفعل ذلك."
T+ T T-