السبت 1 أكتوبر 2022
موقع 24 الإخباري

تولّهنا على البلاد



تعود أفواج المسافرين في هذه الأيام الى أرض الوطن، كل منهم "والهٌ" بالفصحى أو "متوله" بالدارجة إلى بيته وأصدقائه وأكل أمه ورؤية جيرانه ومجلس أصحابه والمسجد القريب من بيته، وتفاصيل حياته التي اعتاد عليها، وإن سألت العائدين عن شعورهم يصلك الرد: "تولّهنا على البلاد".

كلمة الوله لها معان كثيرة في معاجم اللغة، فإن أتت الكلمة كاسم يقال: "فلان اشتد به الوله" والمقصود هنا وصل مرحلة الحب الشديد، وإن استخدمت كفعل يقال: "ولهت الأم إلى ابنها" أي حنّت إليه.

سواء قيلت الكلمة في جملة اسمية أو فعلية فنحن نتحدث إما عن الحب أو الحنان، ولكن لماذا نتولّه على الامارات؟

الشعور بالوله ليس مقتصراً على أبناء الامارات، بل هو شعور يشترك فيه سكان الدولة بحميع أطيافهم، خصوصاً أولئك الذين اتخذوا الامارات وطناً لهم منذ سنوات عديدة، وأسباب الوله كثيرة لعل أهمها هو النظام الذي يرتكز إلى القانون، والذي أصبح جزءاً من سلوك المجتمع النابع من يقينهم بأن حقوقهم مكفولة بحكم القانون، وإدراكهم بأن مخالفة النظام ستعرضك للمساءلة بما اقترفت يداك.

الإحساس بالعدالة في المحيط الذي تعيش فيه هو سبب "تولّهنا" إلى هذه الدولة، وإن كنت شاكيا أو مشتكى عليه فلن ينتابك الخوف في محاكمنا، ولن تخشى تعرضك للظلم لاختلاف جنسك أو جنسيتك أو لونك أو ديانتك، مما يولّد شعوراً بالأمان بقيمة العدالة كجزء من طبيعة الأرض وأهلها.

ومن أسباب الوله كذلك حسن المعاملة وارتفاع مستوى الخدمات، فبعد أن تهبط طائرتك سيدقق موظف الجوازات على جواز سفرك خلال ثوانٍ ويقول لك بعدها "مرحباً بك في الإمارات"، ثم تجد من يساعدك على حمل حقائبك مقابل مبلغ معلوم بل ويعطيك وصلاً بذلك، وإذا ركبت سيارة أجرة ستجدها نظيفة ولن يجرؤ سائقها أن يقول لك إن عداد الأجرة معطل.

بعض العائدين المتولهين سيقولون لك: لم نستطع استئجار سيارة في البلد الذي زرناه، لا جهلاً منهم بالطرق والأماكن، فقد أنهت خرائط غوغل هذه المشكلة منذ سنين، فهم يشكون من طريقة القيادة ورداءة الشوارع وعدم التزام السائقين باللوائح المرورية، مما يجعل قيادة السيارة في بلد ما مغامرة، بل من الممكن أن تكون مجازفة، والأمر ليس بالسهل لمن تعوّد على البنى التحتية المتطورة والمتنوعة لوسائل النقل في الامارات، في ظل قوانين مرورية يلتزم بها الجميع.

سرعة الإنجاز هي إحدى سمات الإمارات التي تبهر المسافرين، فعندما يتطلب سفرهم إلى بعض الدول التعامل مع دوائر حكومية ومصرفية هناك، يكتشفون أن وتيرة الإنجاز في هذه الأماكن بطيئة، ربما كان السبب البيروقراطية الحكومية أو ضعف التشريعات المصرفية، بينما في الإمارات باستطاعتهم إنجاز أغلب معاملاتهم دون مغادرة منازلهم، وكلما نظرنا إلى مؤشرات قياس الخدمات الرقمية الحكومية والتجارية، نجد أنها تشير إلى تقدم ملحوظ على المستوى العالمي في هذا المجال.

كما أنه أحياناً ينتابك شعور بالملل بعد قضاء أسابيع في بلد ما فتشتاق للعودة، ربما يأتي الملل من أسباب كثيرة مثل تكرر الروتين اليومي، ويتذكر عندها المسافرون التنوع الذي يجدونه في مدن الإمارات، حيث أرقى المطاعم العالمية من شرق العالم وغربه بما يتناسب مع القدرات المالية واختلاف الأذواق، ليمتد هذا التنوع فيشمل الأنشطة السياحية والفعاليات الاقتصادية والمؤتمرات والمنتديات، وأشكالاً لا تحصى من أساليب الترفيه.

ما ذكر أعلاه هو غيض من فيض، ففي الإمارات لن يصيبك الملل، وإذا سافرت ستشتاق للعودة لتقول: "تولّهت على البلاد".

T+ T T-