السبت 1 أكتوبر 2022
موقع 24 الإخباري

خسارة روسيا للحرب في أوكرانيا.. نكسة استراتيجية للصين

الرئيسان الصيني شي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين.(أف ب)
الرئيسان الصيني شي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين.(أف ب)
في الرابع من فبراير (شباط) 2022 – أي قبل ثلاثة أسابيع من غزو روسيا لأوكرانيا – التقى فلاديمير بوتين شي جين بينغ في بكين. وأعلن الرئيسان في بيانٍ مُشترك لهما عن أن الصداقة التي تربط بين روسيا والصين "ليس لها حدود".

نظراً لأن بوتين الآن يبدو أشبه بنيكولاس الثاني منه ببطرس الأكبر، لا بد أن شي يعض أصابعه من الندم على احتواء نظيره الروسي بإخلاص شديد هكذا
وبعد مرور سبعة أشهر على هذا البيان، لعل شي يعض أصابعه من الندم على تلك الكلمات. ففي الكلمة التي ألقاها بوتين في اجتماع مجلس شنغهاي للتعاون في أوزباكستان، وعدَ بأن يتعاطى مع "الأسئلة والمخاوف" التي أثارتها الصين بشأن الحرب في أوكرانيا.

ولم يقرر بوتين ولا شي الإسهاب في الحديث عن تلك المخاوف على الملأ. غيرَ أنه ليس من الصعب أن نُخمِّنها. فقد أضعفت الحرب روسيا وضعضعتها، وزعزعت استقرار أوراسيا وعززت التحالف الغربي. وترى بكين أن هذه التطورات كلها مثيرة للقلق، وذلك بحسب ما أفاد الكاتب الصحفي جدعون راكمان، في مقال له نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.

أساس الصداقة الروسية الصينية
وفي بيان مُشترك بتاريخ 4 فبراير الماضي، كان واضحاً أنّ الأساس التي تنبني عليه الصداقة الروسية الصينية هو الكراهية المشتركة للقيادة الأمريكية العالمية. وكان من شأن انتصار روسي سريع في أوكرانيا –بعد بضعة أشهر من انسحاب أمريكا الفوضوي في أفغانستان – أن يشكل ضربة أخرى مُوجِعَة لهيبة الولايات المتحدة وقوتها. ولكان النصر الروسي صبَّ في صالح بكين؛ ولكان أيضاً مهَّدَ الطريق لهجوم صيني على تايوان.

ولكن على النقيض من ذلك، يقول الكاتب، إن "الصراع الذي طال أمده في أوكرانيا — واحتمالات هزيمة روسيا — نكسة استراتيجية كبيرة للصين". وكما جاء على لسان نايجل غولد ديفيز من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: "هناك أسباب عديدة تدعو الصين إلى الخيبة ".

روسيا أهم شريك دولي للصين
والسبب الأوضح على الإطلاق هو أن روسيا أهم شريك دولي للصين. فالبلدان ليسا حليفين رسميين، لكنهما يدعمان بعضهما في المنتديات والمحافل الدولية ويجريان مناورات عسكرية مشتركة. وكانت أول زيارة رسمية لشي بعد تنصيبه رئيساً ، هي إلى موسكو. وأشار شي إلى بوتين بأنه "أفضل صديق لديه". غير أن صديقه الآن يبدو خاسراً. وتبدو الصداقة التي تربط البلدين الآن مصدرَ حرج لبكين.

وفضلاً عن أن الحرب أوهنت أهم شريك دولي للصين، فقد أحيت التحالف الغربي، إذ تبدو القيادة الأمريكية واثقة وفعّالة مُجدداً. لقد ساعدت الأسلحة الأمريكية على تحويل مسار الصراع بين البلدين المتحاربين. واصطّفت دول جديدة للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.

تصر وسائل الإعلام الصينية على تأكيد التداعي المحتوم للغرب، وإذا بالتحالف الغربي يبدو فجأةً مُتألقاً على غير العادة، برأي الكاتب.
على الأقل يمكن أن ترتاح بكين لحقيقة أن "الجنوب العالمي" بدا محايداً، بل وأحياناً مؤيد لروسيا سراً في هذا الصراع. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن الصراع على ولاءات الدول في إفريقيا وآسيا والأمريكتين جزء مهم من منافسة الصين للولايات المتحدة.

تحوُّل في المشاعر
لكنّ المشاعر السائدة في الجنوب العالمي تشهد تحوُّلاً. ففي قمة سمرقند، عنَّفَ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بوتين على الملأ، إذ قال له إن "العصر الحالي ليس عصر حروب". وما كان من الزعيم الروسي إلا أن وعدَه قائلاً: "سنبذل قصارى جهدنا لإنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن". وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، انضمت الهند إلى 100 دولة أخرى في التصويت على السماح للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بإلقاء كلمة افتراضية، بينما انضمت ست دول فقط إلى روسيا في الاحتجاج على الكلمة. أما الصين، فأحجمت عن التصويت.

يطيب لشي على الصعيدين المحلي والدولي أن يؤكِّد على رغبته في الاستقرار. غير أنّ الحرب أجَّجَت حالة عدم الاستقرار في شتى أرجاء أوراسيا. فقد هاجمت أذربيجان أرمينيا التي تُعدُّ حليفاً لروسيا. واشتعل القتال أيضاً بين قيرغيزستان وطاجيكستان.

ويرى الكاتب أن روسيا الواهنة والمُحرجة، على حد وصفه، لم تَعُد شريكاً مفيداً للصين. وما زالت نتائج الحرب تتجلى يوماً بعد يوم. والكارثة الأكبر لبكين ستقع إذا سقطَ بوتين وحلَّت محله حكومة موالية للغرب، وهو الأمر المُستبعد، غير أنه ليس بالمستحيل، بحسب جدعون.

في ضعف روسيا منافع للصين
وأكد الكاتب أن ضَعْف روسيا يجلب في طياته بعض المنافع للصين. فموسكو الآن تعوِّل اقتصادياً بشكلٍ متزايد على بكين. وأشارَ بوتين مؤخراً إشارةً سلبية إلى صعوبة المفاوضات التجارية مع الصين بسبب اشتراطاتها.

ويذهب بعض المحللين في واشنطن إلى القول إن الحرب الأوكرانية ستُلقي بروسيا إلى الأبد في أحضان بكين، بينما ستصرف انتباه الولايات المتحدة عن التركيز بشكلٍ منفرد على مواجهة الصين.

ويجادل أصحاب هذه المدرسة الفكرية بأن نقطة التحول البالغة الأهمية في الحرب الباردة كانت انفتاح نيكسون-كيسنجر على الصين في 1971. وهم الآن يخشون أن العكس هو الذي يحدث، وأن محور الصين وروسيا يزداد قوةً وصلابة. غير أنّ هذه الحجة تتعاطى مع القوى العظمى على أنها قطع عديمة القيمة على لوح شطرنج إستراتيجي.

وأوضح الكاتب: "الواقع هو أن روسيا والصين شكلتا تحالفاً غير رسمي لأن وجهات نظرهما للعالم تحوي العديد من القواسم المشتركة. ومن غير المعقول أن تنشق إحداهما وتُقرر التحالف مع أمريكا. فأمريكا هي المشكلة التي يحاولان حلّها".

القيصر والإمبراطور
ولفت الكاتب النظر إلى أن المحور الروسي الصيني الذي قُدِّمَ في حلته الجديدة في 4 فبراير الماضي، إلى حدٍ كبير، كان صفقةً شخصية بين زعيمين قويين. فمن الواضح أن بوتين وشي يروق أسلوب الواحد منهما للآخر، وكل منهما يرى نفسه تجسيداً لأمته. إنهما كما قال ألكساندر غابويف الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي "القيصر والإمبراطور".

لكن، نظراً لأن بوتين الآن يبدو أشبه بنيكولاس الثاني منه ببطرس الأكبر، لا بد أن شي يعض أصابعه من الندم على احتواء نظيره الروسي بإخلاص شديد هكذا.
T+ T T-