الإثنين 28 نوفمبر 2022
موقع 24 الإخباري

قنوات الإرهاب الجديدة: "الفوضى هي الحل"



مخطئ من ظن يوماً
أن للثعلب ديناً

تذكرت بيت أمير الشعراء الشهير، وأنا أقرأ خبر إطلاق جماعة الإخوان الإرهابية قناتين جديدتين وتجهيزها لإطلاق قناة ثالثة، لتواصل من خلالها بث سمومها، وتزييف الحقائق وشن حملات دعائية ونشر الفوضى والفتنة وتفتيت الدول العربية.

قد يكون خُيّل لبعضهم أن التنظيم الإرهابي الذي تشرد أعضاؤه في أقاصي البلاد بعد أن لفظته الشعوب العربية قد فترت همته، وقد يقول قائل إن التنظيم الذي انقسم على نفسه فصار ثلاث جماعات متصارعة، مثل أفعى بثلاثة رؤوس، قد انشغل بمشاكله الداخلية، وقد يعتقد البعض أن التنظيم الذي طردته الدول التي آوته من قبل ومنحته دعماً مالياً وسياسياً، سيراجع نفسه وأفكاره، وقد يظن بعضهم أن التنظيم الذي بعد أن انكشفت ألاعيبه للجميع سيتراجع عنها، لكن الحقيقة أنه مثل الحية التي تغير جلدها، لكنها لا تتوقف عن بث السم، فأفكار التنظيم الإرهابي المتسمي بالإخوان المسلمين كما هي، والتجارة بالدين ديدنه، ونشر الفوضى لعبته، وتأليب الشعوب على حكوماتها مسعاه.

لكن السؤال هنا: لماذا الآن؟ لماذا عادت الجماعة الإرهابية لإطلاق قنوات فضائية جديدة، بعد إعلان أحد قادتها اعتزال العمل السياسي وانسحاب تنظيمه من أي صراع على السلطة؟

الإجابة تكون بالتأمل في اسم احدى هذه القنوات: "الشعوب"، إنهم بالفعل يستهدفون الشعوب العربية، يريدون أن يواصلوا دورهم المدفوع في "غسيل أدمغة" الشعوب وتحريضها ودفعها للاقتتال، ففي مثل هذه الأجواء تنشط الجماعات المتطرفة وفي الخرائب تكثر فئرانها وتنتعش، ومن دماء الأبرياء تشرب وترتوي.

الإجابة تكون أيضاً بمتابعة ما تبثه القناتان اللتان لم تتوقفا منذ انطلاقهما عن تشويه كل ما تقوم به الحكومات العربية، والتركيز على السلبيات الاعتيادية الموجودة في جميع دول العلم، وتضخيمها وبث الشائعات الهادفة إلى إشعال الفتن.

الإجابة تكون بقراءة اللحظة الراهنة التي يشهدها العالم، والآثار التي خلفتها الحرب الأوكرانية الروسية على العالم كله، من تضخم وارتفاع في الأسعار يضرب العالم كله، وهو ما أثّر بالتأكيد على الكثير من الدول العربية، واعتبرته الجماعة الإرهابية "فرصة سانحة" للوقيعة بين الشعوب والحكومات، للقفز على كراسي الحكم.

ولعل ما تشهده مصر من هجمة كبيرة من "الإخوان" سواء عبر لجان الذباب الإلكتروني في حسابات التواصل الاجتماعي، أو مواقعهم الإلكترونية أو قنواتهم الفضائية لهو أكبر دليل، فقد استغلت الجماعة الإرهابية الأزمة الاقتصادية التي تشهدها مصر، وهي في جوهرها أزمة مالية عالمية، وأدت لارتفاع أسعار بعض السلع وانخفاض سعر عملة الصرف، ليكثفوا حملتهم على مصر وعلى المصريين، ويدعونهم لتنظيم احتجاجات. وهم لا يفعلون ذلك خوفاً على المصريين، بل رغبة في الانتقام من الشعب الذي أزاحهم عن كرسي السلطة الذي خططوا ثمانين عاماً للوصول إليه، وسعياً منهم لجره إلى الاقتتال الداخلي، ورغبة في الإطاحة والانتقام من الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي قاد ثورة المصريين عليهم.

الإجابة قالها الإخوان الإرهابيون بأنفسهم، فقد خرج الإعلامي الإخواني الهارب رئيس إحدى تلك القنوات معتز مطر في بث مباشر وقالها علانية، إن القناة الجديدة "تعمل وفق خطة لإسقاط الأنظمة العربية"، أما القناة الثانية التي أطلقها "تيار التغيير" الإخواني والذي يعد الجناح المسلح لها، فإنها تتخذ من تاريخ تظاهرات تدعو لها الجماعة في مصر اسماً لها، أما القناة الثالثة التي يسعى الإعلامي أيمن نور، لتأسيسها، بدلاً من تلك التي أغلقت في تركيا، فتأتي بتمويل من حزب الله الذي لا تخفى مخططاته التخريبية في الدول العربية على أحد. انكشفت اللعبة إذن، ولم تعد الجماعة الإرهابية تتخفى خلف شعارها الكاذب "الإسلام هو الحل"، بل خلعت لحيتها المستعارة وأعلنت نيتها الحقيقية ورغبتها الدفينة بأن تكون "الفوضى هي المسعى والحل".

إن الرسالة التي تصلنا من إطلاق هذه القنوات، أن الجماعة الإرهابية لن تتوقف عن محاربة الشعوب العربية التي رفضتها، وأنها ستنتقل من مخدع ممول إلى آخر، بعد أن طلبت السلطات التركية ـ في سعيها للتقارب مع مصر ـ من إعلاميي التنظيم وقف أنشطتهم الإعلامية على أراضيها، وإغلاق المنصات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب التابعة لهم، بل واعتقلت بعضهم خلال الأيام الماضية.

وفي ظني أنه في مقابل هذه القنوات الإرهابية، فهناك دور كبير منوط بالإعلام الوطني العربي لمواجهة أكاذيب تنظيم الإخوان الإرهابي والتصدي لشائعاتهم، واجتثاث جذور التطرف الفكري، وكشف زيف خطاب التنظيمات الإرهابية، وإيصال رسالة الدين الإسلامي الحقيقية للشعوب عبر منصات وطنية تقدم الدين الصحيح.

من جهة أخرى، فعلى تنظيم الإخوان الإرهابي أن يدرك أن الشعوب العربية لم يعد من السهل خداعها، لأنها لم تعد كما كانت قبل عشر سنوات، لقد رأت كيف أن وعود التنظيم الإرهابي ليست إلا كلاما في الهواء، وجربت بنفسها الخراب الذي خلّفه وصوله للحكم واستوعبت الدرس، ورأت النتائج السلبية وشديدة السوء، سواء في مصر أو تونس أو ليبيا أو اليمن أو السودان، ولهذا خرجت الشعوب بنفسها ولفظت هذا التنظيم عن قناعة ويقين بعد أن اكتوت بناره.

لقد سبق وأكد سمو الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة حفظه الله أن "العالم أصبح أكثر وعياً بخطر الإرهاب والتطرف، وأكثر استعداداً للحسم في مواجهته، وأكثر إدراكاً لما يجب عليه فعله في التصدي لهذا الخطر الداهم الذي يستهدف الجميع"، وإذا كان هذا الوعي الذي تحدث عنه سموه يتطلب وجود آليات تنفيذ فاعلة للقضاء على آفة الإرهاب، فإنني أظن أيضاً أن الشعوب العربية أصبحت تملك من الخبرة الحية ومن التجارب الشخصية ما يؤهلها لأن تملك هذا الوعي، لأن ترى القناع خلف القناع خلف القناع، لأن تبصر الحية الرقطاء التي تتخفى في ثوب الناسك، لأن تعدّل بيت شوقي الشهير إلى:

مخطئ من ظن يوماً
أن "للإخوان" ديناً…

T+ T T-