الإثنين 28 نوفمبر 2022
موقع 24 الإخباري

من أبوظبي إلى الفجيرة.. الإمارات تستعيد الفلسفة



تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة جاهدة لكي تعيد للفلسفة حضورها وبهاءها وقوتها في العالم العربي، فخلال الأيام الثلاثة الماضية، ترددت أسماء كبار الفلاسفة ونوقشت أفكارهم، من العاصمة أبوظبي التي شهدت أعمال المؤتمر الدولي الفلسفي الأول الذي نظمه مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بعنوان "الأخلاق والفلسفة"، إلى الفجيرة التي شهدت فعاليات مؤتمر الفجيرة الدولي للفلسفة في دورته الثانية.

وهذا الاحتفاء الكبير بالفلسفة، لم يأت من فراغ، بل هو جزء من استراتيجية الدولة لاستئناف الحضارة وفي متنها العقل وأسئلته، كما يكشف عن وعي حقيقي بدور الفلسفة المحوري في نهضة الأمم، وفي تطور الفكر البشري، وليس خافياً على أحد الدور الذي لعبته أفكار أفلاطون وسقراط في الحضارة اليونانية، وتأثير غيرهما من الفلاسفة في نهضة حضارات أخرى. كما يجسد هذا الاحتفاء مقولة الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا إن "كل الفلاسفة عملوا على اكتشاف العالم، ولكن المهم تغييره"، فالإمارات تعيد الفلسفة إلى الفضاء العام، سبيلاً لفهم العالم، وبالتالي تغييره من أجل مستقبل أفضل للبشرية.

ضرورة عصرية
إن الفلسفة ليست رفاهية، بل هي ضرورة عصرية وفكرية لبناء الأمم، وهذا ما تعيه دولة الإمارات وهي تتخذ الخطوة تلو الأخرى لإعادة الفلسفة إلى مكانتها الطبيعية في العقل العربي، عبر نشر الوعي الفلسفي في المدارس، وتخريج أجيال جديدة من الفلاسفة والمفكرين، ودعم الباحثين والدارسين في مجالات متعددة، لكي يساهموا في نهضة العقل العربي، وهو المعنى الذي أكده الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولي عهد الفجيرة، في افتتاح المؤتمر، حين تحدث عن "دور العلوم الفلسفية في رفع الوعي الإنساني في المجتمعات البشرية وتشكيل هويتها الثقافية".

لقد اختار مؤتمر جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية أن يناقش "الأخلاق والفلسفة" بـ38 ورقة بحثية، لمشاركين من 21 جامعة، و5 مراكز وجمعيات حول العالم، أما مؤتمر الفجيرة الذي شارك فيه عشرات الفلاسفة من كافة أنحاء العالم فقد اختار شعاراً له "الفلسفة والزمن التاريخي الراهن"، والقضيتان "الأخلاق" و"الراهنية" شديدتا الأهمية والارتباط بالحاضر، وبتطلعات دولة الإمارات لصنع مستقبل أفضل للبشرية، يكون العقل في قلبه، فقضية الأخلاق تطورت فلسفياً بتطور الزمن وأصبحت تشمل مواضيع كالأخلاقيات الطبية وأخلاقيات الذكاء الصناعي وغيرهما من الإشكالات الراهنة، أما سؤال الراهنية فيأتي وسط مطالبات جدلية من بعض المفكرين بـ"قطيعة تاريخية" مع سلطة النص التراثي، وإنتاج مضامين فلسفية مناسبة ومُلهمة للواقع الراهن.

ومن المهم النظر إلى حصاد المؤتمرين الكبيرين، وما قدماه من مضامين علمية وفكرية وفلسفية، فقد أعلنت الفجيرة عن مشروع طموح لإصدار "المعجم الفلسفي العربي"، وهو مشروع بالغ الأهمية، يحوّل الأفكار إلى واقع، ويطلق جهداً عربياً مطلوباً، إذ يسد ثغرة في المعاجم المترجمة، ويعرّف الثقافة العالمية بالإبداع الفلسفي العربي ويستعيد مجد العرب في إنتاج المعاجم مثل معجم الجرجاني "كتاب التعريفات"، والذي يتضمن تحديد معاني المصطلحات المستخدمة في العلوم والفلسفة والمنطق واللغة والفنون والفقه خلال عصره، ومعجم "الكليات" لأبي البقاء الكَفوي الذي يضم مصطلحات تخص الفلسفة، وعلم الكلام، والنحو والصرف، ويشمل التحليل الصوتي والاشتقاقي للمصطلحات ويستطرد إلى مسائل فكرية ذات صلة بها، ما يجعله موسوعة فكرية عامة.

أما مؤتمر جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية فقد خرج بمجموعة من التوصيات الكفيلة، عند تطبيقها، بأن تغير الواقع الفلسفي العربي، وأهمها أن تكون مادة الفلسفة والأخلاق من ضمن المناهج الدراسية لما تتضمنه هذه المادة من عمق معرفي رصين يساهم في تطوير قدرات الطلاب في الفكر والثقافة والنقد المعرفي والتحليل، وأيضاً تخصيص برامج أكاديمية حول الفلسفة والأخلاق، وأن يكون محور الفلسفة والأخلاق مقرراً في كليات العلوم الإنسانية، إضافة إلى تخصيص منح بحثية حول الفلسفة والأخلاق، وإطلاق ندوات علمية ومحاضرات متخصصة في هذا المجال، بالاشتراك مع الجامعات المرموقة المتخصصة في العلوم الإنسانية.

تحتاج هذه التوصيات، والتي شرعت الإمارات في تنفيذها منذ سنوات، عندما أعادت الفلسفة إلى المناهج الدراسية، إلى تكاتف بين وزارات التعليم العربية والجامعات المختلفة. لقد بدأت الإمارات كعادتها وفتحت الطريق واسعاً أمام كل المؤسسات الأكاديمية العربية، ومدت يدها إليها لتعيد معاً مجداً رأيناه في أفكار ابن سينا والفارابي والكندي وابن رشد وأبوحيان التوحيدي، وآن الأوان لاستكماله.

الشغف بالمعرفة
وفي ظني أن مع اتساع رقعة تعليم الفلسفة في العالم العربي، ومع الجهد الكبير الذي يقدمه "مشروع كلمة" عبر ترجمة عشرات الكتب الفلسفية المهمة، ومع فتح قنوات التواصل البحثي والفكري مع جيل الشباب الشغوف بالتفلسف ـ كما أوصى المؤتمرـ فإننا سنحصد الثمار خلال سنوات معدودة بتخريج جيل جديد شغوف بالعلم والمعرفة والفكر، جيل يكون بإمكانه استعادة مكانة الأجداد من الفلاسفة العظام، ويعطي الفلسفة العربية مكانتها ومكانها الطبيعي بجوار الفلسفات الأوروبية والغربية.

أيضاً من المهم الإشارة والإشادة بما طالب به المؤتمر من إنشاء مرصد لدراسة الأخلاق والمشكلات الأخلاقية المعاصرة، في إطار مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، ذلك أن قضية الأخلاق من القضايا الشائكة، في أبحاثها وتساؤلاتها، بل إنها في قلب كل الفلسفات منذ الفلسفة اليونانية وحتى الحديثة، وقد اهتم بها أرسطو كثيراً لارتباطها بالسعادة؛ باعتبارها من غايات البشر، فحاول أن يُعرّفها، وفي ظني أنه مع اهتمام الإمارات بسعادة الإنسان، لدرجة أنها أنشأت أول وزارة في العالم باسمها، واهتمامها بالأخلاق، وإنشائها أول وزارة للتسامح والتعايش، فإنه يمكن القول إنها بدأت فصلاً عملياً في تطبيق فلسفة الأخلاق على أرض الواقع، إدراكاً لأهميتها في رفعة الأمم وتقدمها.

وقد اعتنى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه- كثيراً بالأخلاق، وامتلأ شعره بدرر ونفائس كثيرة في هذا المبحث:

عن الكثير الصدق بيسد
والصدق تشهد له مواريه
والرجل بالأعمال ينعد
كانه وفي.. والا بتهفيه
والشهم يعرف يوم بيمد
ويبين عند الناس طاريه
كانه قريب أو كان مبعد
بينشهد باللي يسويه
القرم يعله دوم يسعد
لى يبين في الشطات طاريه

وتلخص هذه الأبيات فلسفة الشيخ زايد في الأخلاق، بل إنها وصيته الدائمة من أجل بناء دولة متقدمة ومتحضرة، فحين سئل عن الأسس التي قام عليها المجتمع الإماراتي، قال: "تحدثتُ عن العمل والعلم وقيمتهما، لابدَّ لهذين الأساسين من الأخلاق، نحن مجتمع مسلم يستمد بقاءه من أخلاقيات قامت على التسامح والرحمة والعفَّة"، وهذه الرؤية الواضحة لمفهوم الدولة، وفي قلبها فلسفة الأخلاق هي التي أكدها رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظه الله، حين قال: "إن أمانة تربية أبنائنا، وتعليمهم، وما يحملونه من قيم وأخلاقيات، هي التي تحدد معالم قيم مجتمعنا في المستقبل، ومكانة وموقع بلادنا على خارطة التنافسية الدولية"، وهو ما يكشف استراتيجية دولة الإمارات في بناء سلوك إنساني قائم على فلسفة الأخلاق، كونها الملمح الأساسي لثقافة التسامح والتعايش والسلام والمواطنة الصالحة.

احتفت الإمارات باليوم العالمي للفلسفة الذي يوافق 17 نوفمبر من كل عام، بالأفعال ـ كعادتها ـ وليس بالأقوال، وأطلقت مؤتمرين كبيرين، ينفخان الروح في جسد الفلسفة العربية، ويمهدان لأن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة منصة لاستعادة العقل العربي، ومن ثم استعادة الحضارة واستئنافها.
T+ T T-