تعبيرية.
تعبيرية.
الإثنين 24 يوليو 2023 / 17:15

الدور الحضاريُّ لثقافة الهجرة النبوية

ارتبط حب الوطن بالقيم الأصيلة للدين



أعلى الإسلام من شأن الأوطان باعتبارها قيمة مهمة في حدِّ ذاتها، كما أنها الهوية المعبرة عن الإنسان، فالحبُّ والانتماء والولاء للوطن واجب، ومن يتلاعب بتلك المفاهيم يعد خائنًا في عُرف الشرع والقانون.
وقد أسهمت الهجرة النبوية في أن تصنع النهضة الحضارية والقيمية والمواطنة الصالحة، حينما سطرها الوحي بكلِّ كماله وسموِّه في صفحات التاريخ المجيدة؛ لأن الوحي الإلهي هو الذي يضيء السبيل أمام النفس البشرية.
الهجرة كانت تمهيدًا للدولة الوطنية، وقد بالغ الإسلام منذ الهجرة الأولى في غرس حب الوطن، وبالغ في توكيد هذه القيمة الحضارية، فارتبط حب الوطن بالقيم الأصيلة للدين، وبأداء الواجب المنوط به، والجهاد من أجله، وصدِّ العدوان عنه، والرغبة في إعماره وبنائه، والغيرة عليه، والوفاء له؛ ولهذا كانت الشهادة أفضل السبل في مقاومة أعداء الأمن والسلام والحرية.
وإن لنا في الهجرة دروساً ومقاصد ولفتات إنسانية لمحبة الأوطان، والحنين إلى الأرض التي ننتمي لها، ذلك الحنين الذي طالما تغنى به الشعراء وتفطَّرت قلوبهم له، وهاجت أنفسهم شوقًا ولوعة وانكسارًا، فقيمة الأوطان تتجدَّد مآثرها ومعانيها في النفوس الأصيلة، وتتأصَّل قيم الولاء والانتماء طالما كان الوفاء راسخًا في الشعوب، وما دامت الأوطان تهبُ لهم الأمن والأمان.
إن الهجرة النبوية عكست مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على غرس قيم قيم المواطنة الصالحة، وفي مقدِّمتها قيمة التزام الطاعة للقادة وأولي الأمر؛ لما فيه خير للفرد والمجتمع، وإضفاء روح التفاعل الصالح على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذه الحقيقة لا يمكن إغفالها أو إقصاؤها.
ما لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن استقر في المدينة بُعيَد الهجرة، حتى قدم عليه أُصَيل الغفاري، فسأله رسول الله: كيف مكة؟! قال: والله قد عهدتها أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق أذخرها، وأسلمت ثُمامُها، وأمش سلمُها، فقال: حسبك يا أصيل لا تُحزِنا، أو قال: "دع القلوب تقرُّ".
هذا مظهر نبوي من مظاهر الوفاء للأوطان، وتلك هي المحبة للوطن، النابعة من كريم الأخلاق وعظيمها، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه فيقول: «اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبِّنا مكة أو أشد»، وما أعمق قوله: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ؛ ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك".
ولنا في رسول الله أسوة حسنة لمن أراد الآخرة وسعى لها؛ فقد خرج مكرهًا وترك بعضًا من روحه وذكرياته في مكة، والوطن هو مصدر للشموخ والفخر لنبينا عليه الصلاة والسلام، ونموذج إنسانيٌّ وإسلاميٌّ للتشبُّث بمعاني الوفاء والإخلاص.
وقد كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلادها رملًا وعفرًا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صداع، وتتضوع من خلاله رائحة بلادها.