صورة الترويج للوثائقي الذي بثته قناة بي بي سي البريطانية (إكس)
صورة الترويج للوثائقي الذي بثته قناة بي بي سي البريطانية (إكس)
الخميس 25 يناير 2024 / 13:30

وثائقي بي بي سي.. "فيلم هندي" فاشل

لا يختلف اثنان على أن الصحافة الاستقصائية من أصعب وأعقد التخصصات الإعلامية، ويذكر بعضنا ولا شك كيف فتحت تحقيقات من هذا النوع أبواب المجد لعدد محدود من الصحافيين كشفوا قضايا، وحقائق، في مختلف المجالات، من سقوط نيكسون، إلى فضيحة خليج الخنازير، ومن مجوهرات بوكاسا في إفريقيا الوسطى في ثمانينات القرن الماضي، إلى أوراق بنما مثلاً في السنوات القليلة الماضية.
كانت ميزة هذه التحقيقات الاستقصائية، إضافة إلى ما كشفته، أنها لم تقم على تخمينات أو تكهنات ولا حتى اتهامات بقدر ما قامت أولاً وقبل كل شيء آخر، على وثائق، ومعطيات، يمكن التأكد منها، ومراجعتها وتفسيرها، بعد جهد استمر أحياناً سنوات، ومواجهة مشاق وحتى أخطار وتهديدات للصحافيين الذين آلوا على أنفسهم خدمة الحقيقة، وإنارة الرأي العام.
والواقع أن ليس كل التحقيقات الاستقصائية، كانت ضمن مهمة نبيلة، أو بلا خلفية سياسية أو شخصية، أو حتى عقائدية إيديولوجية، ولكنها على الأقل، نجحت في النهاية في إثبات ما توصلت إليه بالوثيقة، والدليل، الذي يمكن دحضه أو مناقشته، أو حتى تفسيره بطريقة مختلفة لاحقاً، عما ذهب إليه كاشفه، أو مُشهره.
وفي هذا السياق، تعتبر بي بي سي البريطانية، من المراجع الشهيرة عالمياً في التقارير، والتحقيقات الاستقصائية بما كشفته في أكثر مناسبة على امتداد سنوات طويلة، بفضل عشرات الوثائق الورقية، والالكترونية، والشهادات بالصوت والصورة عن الفساد بالأرقام، والتحويلات المالية، والمراسلات الإلكترونية وغيرها من الأدلة والبراهين، ولكن المحطة البريطانية، تميزت أيضاً في أكثر من مناسبة بالتورط في فضائح لا تُحصى ولا تعد، بسبب تحقيقات استقصائية، أشهرها ضمن البرنامج المتخصص "نيوزنايت" الذي تسبب في استقالة رئيس بي بي سي، في 2012 مثلاً، بعد التورط في التزييف الواسع في قضيتن شهيرتين على الأقل، قضية جيمي سافيل، المذيع السابق الشهير في القناة، مغتصب الأطفال، والذي أعد البرنامج وثائقياً عنه، لتفنيد الاتهامات والحقائق، ثم القضية الثانية والأشهر، التي عرفت بفضيحة اللورد ماك آلبين الذي اتهمه البرنامج باغتصاب أطفال، بناءً على شهادات شفاهية لضحايا مزعومين، تبين لاحقاً أمام القضاء، أنها اتهامات مفتعلة، لتضطر القناة لاحقاً لتعويض رجل الأعمال والسياسي السابق، الذي انهارت أعماله، وتوقفت مسيرته السياسية بسبب ذلك نهائياً، مالياً بـ185 ألف جنيه إسترليني، وتطرد فريق البرنامج.. بعد أن حطمت الرجل بالكامل.
وبالنظر إلى ما تقدم، فإن بي بي سي، مثل غيرها من القنوات، أو الصحف، والمواقع الإلكترونية اليوم، لم تكن يوماً منزهة، أو معصومة، فهي مثل غيرها تخطئ وتصيب، ولعلها تخطئ أكثر مما تصيب، خاصةً إذا ارتبط العمل الإعلامي بالسياسي، كما في عشرات الوقائع، من قضية ليدي دي، إلى فساد إدارتها في عهد بوريس جونسون رئيس الوزراء السابق في 2020 المعروفة بقضية ريتشارد شارب، إلى طرد المحلل الرياضي غاري لاينيكير بسبب تعليق على سياسة الهجرة في بلاده، إلى فضيحة الأمير أندرو، وقضية جيفري إبستاين الشهيرة، وغيرها الكثير.
ومن آخر السقطات التي يبدو أنها ستُكلف بي بي سي، الكثير من الاحترام، الوثائقي الذي بثته منذ يومين عن الاغتيالات في اليمن، واتهام الإمارات بتمويلها.
ومنذ يومين، وبالتزامن مع إعلان قائمة المرشحين لجوائز الأوسكار  بأصنافها، عرضت قناة بي بي سي، وثائقياً، قالت إنه تحقيق صحافي يُثبت تمويل الإمارات، لاغتيال سياسيين ومثقفين وشخصيات يمنية، بين 2015 و2020، في فيلم امتد تقريباً 45 دقيقة، لينتهي كما بدأ "فيلماً" ربما كان على منتجيه عرضه على لجان التحكيم في هوليوود لضمه إلى قائمة الأعمال المرشحة للأوسكار، لكنه لم يكن استقصائياً، بالمعنى المهني، ولا صحافياً، ليُثبت في النهاية ما زعم وادعى.
ففي ديكور، أقرب إلى العمل الدرامي، تغلب عليه المؤثرات البصرية والصوتية، يتحدث "مرتزقان" عن تمويل الإمارات لاغتيال يمنيين في عدن، منذ 2015، ولكن في الأعمال الاستقصائية، يثبت الشهود لمحاوريهم، ومن ورائهم للمشاهد، صحة الشهادة، بإثبات مثلاً أنه جندي سابق في القوات الأمريكية، أو بتقديم نسخة من التكليف بالقتل، أو ما قال إنها بطاقة كانت تصله عليها اسم وصورة الهدف، أو نسخة من تحويل مالي، مقابل التعاقد معه لتصفية شخصية يمنية. ولكن على امتداد هذا الوثائقي الذي خلا من الوثائق، لم يُفلح "القاتل المحترف" في إثبات شيء ذلك، ولم تنجح معدة الوثائقي نفسها، في ذلك.
والواقع أن هذا العمل يطرح أسئلة أكثر مما يجيب على التساؤلات الكثيرة التي طرحتها الصحافية اليمنية التي أعدته، عن الاستعانة بمجموعة من القتلة لتصفية هدف ما في عدن، ثم استهدافه بتفجير سيارة قرب مكتبه، فإذا كانت طريقة العمل ناجعة، فلم الاستعانة بقتلة أساساً؟ أما السؤال الثاني، فعن نجاعة فريق الاغتيالات، ففي مثال التفجير، فشلت المحاولة لأن المستهدف غادر الموقع قبل وصول "عزرائيل" بنصف ساعة، وفي الثانية، قُتل شاب، ابن ناشطة يمنية، لكن بعد أن ظل في غيبوبة طيلة أشهر، ما يطرح التساؤل عن مستوى قاتل محترف، قال أنه قبض 1.7 مليون دولار شهرياً، لاغتيالات كان يمكن تكليف أي مجرم بها مقابل 100 دولار، بالنظر إلى نتائجها.
وعن احترافية وقدرات فريق القتلة، كان مضحكاً ومثيراً حديث أحد الشهود الذين تحدثت إليهم الصحافية اليمنية، والذي أصبح مدرباً مستقلاً على العمليات الخاصة في الولايات المتحدة، عندما قال إنه يدرب المنخرطين في برنامجه "على مهارات جايسون بورن" البطل الخارق في سلسلة الأفلام المشهورة.
أما السيدة اليمنية التي تحدثت في الوثائقي، عن مقتل ابنها، فهي مأساة أخرى، فإضافة إلى خسارة شاب في مقتبل العمر المرفوضة في كل الحالات، فإن الثكلى المسكينة، كشفت مرة أخرى كيف يمكن، بسبب الموقف السياسي، أو العقائدي، أن يسقط المرء مهما اكتسب من تعليم أو معرفة، في فخ السطحية والتوظيف الأيديولوجي، إذ تقول في شهادتها، إن الإمارات مسؤولة عن وفاة فلذة كبدها "لأن الرصاصة أصابته في الصدر، ما يعني أنها لم تكن نتجية اشتباكات مُسلحة في المنطقة التي كان فيها ابني"! هذا دليلها الحاسم لاتهام الإمارات باغتياله، ليس تقريراً طبياً مثلاً، أو شهادة موثقة في محكمة، أو نيابة، أو تسجيلاً بالفيديو، بل بناءً على رواية سمعتها من معتقل سابق، أرسل لها رسالة من سجنه.
إن هذا الحديث، الذي لا يستقيم لا عقلاً ولا منطقاً، يمكن التغاضي عنه بالنظر إلى شخصية المتحدثة، فهي سيدة فقدت طفلها في فاجعة لا يمكن تخيلها، ولكن ما لا يمكن قبوله، تعمد الصحافية التي أعدت العمل وحرصت عليه، تقديمه في "الوثائقي" حجة لا تقبل الدحض.
ويمكن على امتداد الدقائق الخمس والأربعين، التوقف عند عشرات الأرقام المتضاربة، والمتناقضة، والتواريخ غير الدقيقة، فضلاً عن الافتقار إلى الدليل المادي الموثق، الذي يمكن أن يشفع للوثائقي ولو نسبياً، في ما سعى إليه. ولكن الميزة الوحيدة في هذا العمل، أنه وثائقي بلا وثائق، من أي نوع كان، هدفه الوحيد الواضح، تكريس ما شددت عليه الصحافية نوال المقحفي: "الإخوان ليست جماعةً إرهابية" الكلمة التي تكررت عشرات المرات في هذا العمل، وهو موقف يمكن مناقشته والتفكير فيه بأكثر من طريقة، وبالاعتماد على منطلقات كثيرة، ولكن لا يمكن قبوله فقط لأن "الإدارة الأمريكية لم تدرج الإخوان على قائمة التنظيمات الإرهابية" كما قالت المقحفي  أكثر من مرة في فيلم انطلق "وثائقياً" وتحقيقاً كما ادعت القناة البريطانية طيلة الأيام التي سبقت عرضه، فانتهى نسخة رديئة من أحد أفلام جايسون بورن، أو "مهمة مستحيلة" أخرى، على طريقة فيلم هندي فاشل، لا فيلماً من إنتاج هوليوود.
 أما معدة هذا العمل، فيكفي البحث على الإنترنت لمعرفة المواضيع التي تُفضل التعامل معها، والتي تفخر بها على ما يبدو، بدليل أنها منشورة على صفحاتها الشخصية، على الإنترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لمعرفة ميولها الشخصية وخلفياتها.