حاملة طائرات أمريكية
حاملة طائرات أمريكية
الإثنين 12 فبراير 2024 / 09:09

هل تخلت أمريكا عن الانحراف شرقاً؟

لفتت الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط انتباه وسائل الإعلام الدولية. ومارست هذه "الأزمات الدولية" تاريخياً ضغوطاً على رؤساء الولايات المتحدة "للتحرُّك" تجاهها. وانخرط الرئيس جو بايدن بشكل غريزي وحماسي في هذه الصراعات.

يقتضي الأمر مراقبة صعود نجم الصين، خصم المستقبل



ومع ذلك، تجاوز بايدن الغموض المتعمد السابق الذي اكتنف سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان، وتعهَّد عدة مرات بالدفاع عن الجزيرة ضد أي هجوم أو غزو صيني. وهذه السياسة التدخليّة في مناطق متعددة – شملت أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا - تشكل استنزافاً خطيراً للموارد الأمريكية، حسب إيفان إيلاند، زميل أول في المعهد المستقل البحثي الأمريكي ومدير مركز السلام والحرية التابع للمعهد المستقل.
وقال الكاتب في مقاله بموقع مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية: سواء اعترفَ صانعو السياسة الأمريكية بذلك أم لا، وهم يؤثرون الإنكار، فقد أدت الولايات المتحدة دور الشرطي المسؤول عن أمن العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إبان تلك الفترة، عانت القوى العظمى الأخرى من أضرار كارثية طالت اقتصاداتها ومجتمعاتها. وعلى النقيض من ذلك، لم تتضرر الولايات المتحدة إلى حد كبير وشكّلت نصف الناتج الاقتصادي العالمي المتبقي. ولم تصبح الولايات المتحدة الشرطي المسؤول عن أمن العالم بسبب احتياجاتها الأمنية، وإنما لأنها كانت قادرة على ذلك.


وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، خفَّفَ الخصم المحتمل الرئيس للولايات المتحدة، ألا وهو الاتحاد السوفييتي، توسعه الثوري وسعى إلى إعادة بناء قدراته الصناعية التي أهلكها الغزو النازي. وطوَّرَت الولايات المتحدة ريادتها في تكنولوجيا الأسلحة النووية القوية الجديدة.

إنفاق عسكري غير ضروري

غير أن العالم تغيّر كثيراً منذ انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وبعد نهاية الحرب الباردة. واليوم، لا تشكّل الولايات المتحدة سوى 15% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين يصل إنفاقها العسكري إلى 40% تقريباً من الإنفاق العسكري العالمي. وهذا الإرهاق العالمي غير مستدام وغير ضروري في الوقت الحالي.
وأدى عدم الاستقرار المزمن والصراعات المتعاقبة في الشرق الأوسط إلى تدخلات أمريكية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي الغرض منها تأمين الإمدادات العالمية للنفط. ومع ذلك، جعلت ثورة الحفر الهيدروليكي لاستخراج النفط الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم مرة أخرى.

4 مليارات دولار مساعدات لإسرائيل

لذلك، تحافظ الولايات المتحدة على وجود قوات برية وبحرية وجوية في المنطقة لحماية إمدادات النفط لدول أخرى، وخاصة الدول الأوروبية الثرية واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان في آسيا. وحتى لو لم تحدث ثورة الحفر الهيدروليكي، لكان شراء النفط بسعر السوق الدولية أرخص من دفع تكاليف قوات عسكرية باهظة لحماية سلعة مربحة تتدفق حتى في أثناء اندلاع الحروب. أما بالنسبة للمساعدات العسكرية السنوية البالغة 4 مليارات دولار المقدمة لإسرائيل، فيبدو أنها تدعم تصرفات تناقض حل الدولتين على المدى البعيد للصراعات الدائمة المتعلقة بفلسطين.


في البداية، شهدت أوروبا التي تُعدُّ المسرح الرئيس للمخاوف الأمريكية خلال الحرب الباردة تراجعاً نسبياً في أهميتها الاقتصادية. فقد انخفض نصيب الاتحاد الأوروبي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وأمسى يقل الآن عن 15% من إجمالي الناتج العالمي.
ومع ذلك، لا يزال الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا كبيراً مقارنةً بروسيا، غريمة أوروبا الأولى، التي يقل ناتجها المحلي الإجمالي عن 3% من إجمالي الناتج العالمي.
وإذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا نحو خمسة أضعاف نظيره الروسي، يتعين على الأوروبيين توفير دفاعاتهم الخاصة، وبشكل أكثر تحديداً، عليهم تولي مسؤولية مساعدة أوكرانيا. فزيادة مساعداتهم المُقدَّمَة لأوكرانيا وإبقاء الروس مشغولين أقل تكلفة على صعيد الأرواح والأموال من مواجهة الروس مباشرة.
ورغم أن الأوكرانيين تمكنوا من الصمود، تُعدُّ أوكرانيا أقل أهمية استراتيجياً للولايات المتحدة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فقد تجاوزت مساعدات الولايات المتحدة لها بالفعل 75 مليار دولار، وهي مساهمة كبيرة في أمن أوروبا.
وبدلاً من ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى توجيه تركيزها ومواردها نحو المنطقة التي تبدو الآن الأكثر أهمية بالنسبة لها، ألا وهي شرق آسيا. ففي العقود الأخيرة، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي المشترك لشرق آسيا إلى 26% من إجمالي الناتج العالمي.
وفي هذه المنطقة، يقول الكاتب، يقتضي الأمر مراقبة صعود نجم الصين، الخصم المستقبلي الأرجح للولايات المتحدة، ورصد إجراءاتها الأخيرة الأكثر حزماً تجاه تايوان وبحر الصين الجنوبي. ومع ذلك، يجب على الرئيس بايدن أن يكف عن الانحراف عن السياسة الأمريكية الرسمية الغامضة بشأن الدفاع عن تايوان.

تقييم المخاوف من صعود الصين

وأكد الكاتب ضرورة تقييم المخاوف من صعود الصين وتأثيرها في سياق مناسب. تشير إطاحة شي جين بينغ مؤخراً بعددٍ من جنرالات جيش التحرير الشعبي إلى قلقه من احتمال تأثر جيشه بالمشاكل التي عانى منها الجيش الروسي خلال غزوه لأوكرانيا.
ولفت الكاتب إلى أن زيادة تدخل الحزب والدولة في الاقتصاد الصيني أدت إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية الجسيمة التي تواجهها الصين أصلاً بسبب عدم كفاءة الشركات والمؤسسات المالية المملوكة للدولة. ولذلك، يتطلب النمو الاقتصادي المتزايد لمنطقة شرق آسيا والصعود المحتمل للصين اهتماماً أكبر وموارد إضافية من الولايات المتحدة، لكن دون الوقوع في فخ المبالغة أو الهلع.