الرئيس الأمريكي جو بايدن
الرئيس الأمريكي جو بايدن
الثلاثاء 13 فبراير 2024 / 09:01

هل يعاني بايدن من مشكلة ردع؟

هل يثنيك خصم تعدُّه غير كفء أو متردداً في تحقيق أهدافك؟ أمسى هذا السؤال جزءاً من الخطاب اليومي المتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، وإن كان نادراً ما يُطرح بهذه الصراحة.

هدف الردع هو جعل أي خطوة محتملة يفكر فيها الخصم أقل جاذبية



 ويُعزى ذلك إلى الأحداث الراهنة، ولا سيما العدوان الروسي على أوكرانيا وصعود نجم الصين، حسب ما أفاد د. جيمس هولمز أستاذ كرسي "جيه سي وايل" للاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية الأمريكية.
وقال هولمز: "أصبح من الشائع مثلاً خلال العامين الماضيين أن يزعم سياسيون محسوبون على اليمين أن انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان في أغسطس (آب) 2021 شجَّعَ الرئيس الروسي على غزو أوكرانيا بعد أشهر قليلة منه فقط، وتحديداً في فبراير(شباط) 2022.

أغبى انسحاب

وأوضح هولمز، وهو باحث غير مقيم في كلية الشؤون العامة الدولية بجامعة جورجيا، في مقاله بموقع مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية،  الدليل الأول: عشية الحرب، قال الرئيس السابق دونالد ترامب لشبكة فوكس نيوز "إن ما أوصلنا إلى هذه المرحلة هو أنه عندما شاهد بوتين وشي جين بينغ انسحاب جيشنا بدا لهم هذا أغبى انسحاب لجيش في التاريخ". وادعى ترامب أن الأنظمة الاستبدادية الأوراسية "شاهدت ذلك وتساءلت: 'ماذا يجري؟ إنهم لا يعرفون ماذا يفعلون' وفجأة أَعْتَقِد أن هذه الأنظمة تجرأت أكثر من قبل".


الدليل الثاني: في مؤتمر صحافي يوم الغزو، انتقد زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل إدارة بايدن قائلاً: "أعتقد أن الانسحاب المتهور من أفغانستان في أغسطس (آب) كان رسالة إلى بوتين، وربما إلى شي جين بينغ أيضاً، بأن أمريكا في حالة تراجع ولا يمكن أن يُعوَّل عليها. إن مزيجاً من تصور الضعف والرغبة في توسيع الإمبراطورية هو ما أدى إلى الحرب في أوكرانيا".
وحسب الباحث، فإن جزءاً من هذا الكلام نفعي وله أهداف سياسية. فمن مصلحة النخبة الجمهورية إلقاء اللوم على إدارة ديمقراطية في ما يتعلق بالكوارث الكبرى مثل الهجوم الروسي. وبالتأكيد، من المستحيل الجزم بأن الانسحاب من أفغانستان شجَّع الكرملين. فليس لدى بوتين وحاشيته أي حافز لكشف الأبعاد الداخلية للسياسة والاستراتيجية الروسية، خوفاً من منح الولايات المتحدة والناتو ميزةً في أي مأزق مستقبلي.

العلاقة السببية بين أفغانستان وأوكرانيا

يوماً ما، قد يكتشف الباحثون أدلةً تُظهِر أن ترامب ومكونيل كانا مصيبين أو مخطئين بشأن حسابات روسيا المتعلقة بغزوها. فقد يسمح النظام الروسي المستقبلي، الذي ربما يكون أكثر انفتاحاً، بالاطلاع على أرشيف الدولة، أو بإجراء مقابلات لشخصيات روسية بارزة. ما زالت ادعاءات ترامب ومكونيل بشأن العلاقة السببية بين أفغانستان وأوكرانيا غير مثبتة.

ولكن، لا يزال لدى نقاد إدارة بايدن حجة قوية. فلنسأل قطباً جمهورياً آخر. فقد أكد الراحل هنري كيسنجر في مؤلفه "ضرورة الاختيار" على وجود "نتيجة تناقضية" للردع، ألا وهي أن نجاحه يعتمد على "معايير نفسية بشكل أساسي" لا القوة العسكرية المحضة. الهدف من الحرب هو الفوز، والهدف من الردع هو جعل أي خطوة محتملة يفكر فيها الخصم أقل جاذبية من بين جميع الخيارات المتاحة له.
لكن ليست هناك ضمانات، برأي الكاتب. فالبشر معرضون للخطأ، والقادة الموجودون على رأس القوى المعادية هم مَن يقررون مدى ردعهم. قال كيسنجر إن الردع "يعتمد في النهاية على صفة غير مادية، ألا وهي الحالة الذهنية للعدو المحتمل". ويضيف قائلاً: "ستكون للضعف الظاهري العواقب ذاتها المترتبة على الضعف الحقيقي". بمعنى آخر، سنعاني ضعفاً إذا وجدَ فينا الخصم ضعفاً، بغض النظر عما إذا كان هذا الضعف موجوداً في الواقع.

علم النفس والقوة العسكرية

ويختزل كيسنجر هذه الظاهرة الغامضة التي تمزج بين علم النفس والقوة العسكرية في معادلة بسيطة لمساعدتنا على التفكير في الأمر، إذ يقول: "الردع يتطلب مزيجاً من القوة وإرادة استخدامها وتقييم المعتدي المحتمل لهما. والردع هو محصلة الجمع بين قدرتنا وعزيمتنا وإيمان الخصم بهما".
ويمثل هذا فارقاً كبيراً في كيفية فهمنا للردع. يختتم كيسنجر قائلاً: "إذا كان أي من [العوامل] يساوي صفراً، فسيبوء الردع بالفشل". وعليه، فلا يمكن لأي قوة عسكرية أن تحقق الردع ما لم يكن القادة السياسيون والعسكريون مستعدين لاستخدامها، ولا يمكن لأي قدر من العزم أن يردع بدون القوة العسكرية لتنفيذ التهديد الرادع، ولا القوة المادية ولا الإرادة السياسية يمكن أن تردع ما لم يكن قادة المعتدي مقتنعين بقدرتنا وإرادتنا على استخدامها.


وبناءً على ذلك، يُقيِّم القادة الحكماء في السياسة الخارجية القوة المادية الأمريكية والبراعة البشرية عند تحديد مدى الجدية في التعامل مع تهديدات الردع الصادرة من واشنطن.
على هامش ما سبق، لم يوسِّع كيسنجر منطق الإدراك الخاص به إلى أبعد من ذلك، ولكن بوسعنا أن نفعل نحن ذلك، يضيف الكاتب، فقوله عن الردع ينطبق بنفس القدر على إجبار خصومنا وطمأنة حلفائنا وشركاء التحالف والمتفرجين الذين نود استقطابهم لقضيتنا. إذا كان الردع يهدف إلى أن يعدل الخصم عما كان ينوي إنجازه، فالإكراه يهدف إلى إقناع الخصم بالإقدام على شيء لا يفضله. ومنح الأمل للحلفاء والأصدقاء يعني الالتزام تجاههم وإظهار القدرة والعزم على الوفاء بهذا الالتزام. وتشمل جميع المجالات الدبلوماسية الثلاثة تشكيل تصورات الحكومات والمجتمعات والقوات المسلحة الأجنبية، سواء كانت معادية أو صديقة أو محايدة.
ولفت الكاتب النظر إلى أن هناك اختلافاً جوهرياً بين انتقادات الجمهوريين. فقد كان الرئيس ترامب يتوق للخروج من أفغانستان خلال فترة رئاسته، وبالتالي يكاد لا يمكنه انتقاد الرئيس جو بايدن بسبب تردده في الوقوف إلى جانب حليف. لذلك، زعم الرئيس السابق عدم كفاءة قيادة البنتاغون في عهد بايدن. ويرى أنَّ بوتين أو شي قد يشككان في عنصر القدرة في قوة الولايات المتحدة العسكرية. قد يُحدِّث بوتين أو شي نفسه بأنه إذا أفسدت القوات الأمريكية انسحابها من صراع ضد عدو أضعف بكثير، فلن تكون قادرة على تنفيذ عمليات أصعب كوقف العدوان على أوكرانيا أو صد هجوم صيني في مضيق تايوان أو بحر الصين.


كفاءة الجيش الأمريكي

وبتعبير آخر، يقول الكاتب، رغم التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتفوقة على مستوى العالم، يمكن لموسكو وبكين أن تحقرا من شأن الفعالية العسكرية الأمريكية. وإذا حدث ذلك، فيمكن لقيمة المتغير الخاص بالإيمان لدى كيسنجر أن تنخفض إلى الصفر، مدفوعةً بإدراك العواصم المعادية لعدم كفاءة الجيش الأمريكي.
وجَّه ماكونيل تهمة عدم الكفاءة نفسها التي وجَّهَها ترامب، وشكك أيضاً في عزم إدارة بايدن على الوفاء بالتزاماتها ليس فقط تجاه أفغانستان ولكن أيضاً تجاه حلفاء آخرين. ومن هنا نبع ادعاؤه بأن بوتين قد يرى أمريكا في تراجع في جميع أرجاء العالم، بما في ذلك في الجوار القريب لروسيا. وكان حكم ماكونيل أكثر إدانة من حكم ترامب لأنه لم يَلُم الإدارة فقط على عدم كفاءتها، مما أدى إلى إخفاء متغير القدرة في معادلة كيسنجر، وإنما لامها أيضاً على تهورها السياسي، مما أدى إلى تلاشي متغير العزم.


معادلة كسينجر

إذا صحَّ ذلك، فقد انهارت جميع المتغيرات الثلاثة في معادلة كيسنجر. ربما يكون عدم الإيمان بالقوة والعزم الأمريكيين قد أوحى لبوتين بأن لديه مجالاً واسعاً للمناورة في أوروبا الشرقية. ولا يمكن للولايات المتحدة وحلف الناتو الوقوف ضد عدوان عبر الحدود، ولا نية لهما في ذلك. فلماذا لا يتجرأ ويراهن؟ يتساءل الكاتب ويقول:
لذلك، طرح دونالد ترامب وميتش ماكونيل فرضية حول القوة والإدراك، على الرغم من عدم إثباتها في هذه الحالة تحديداً، غير أنها تضرب بجذورها في النظرية العسكرية. على القوات المسلحة الأمريكية وسادة أمريكا السياسيين صقل شهرة أمريكا بالبراعة العسكرية، وإلا فسيفشل الردع مراراً وتكراراً.