فتى فلسطيني يحمل رصاصات فارغة في حي مدمر في رفح
فتى فلسطيني يحمل رصاصات فارغة في حي مدمر في رفح
الثلاثاء 13 فبراير 2024 / 09:22

غارديان: دعم الغرب لإسرائيل يكشف ضعف نظامه

رأت الصحافية نسرين مالك أن الساسة الليبراليين الذين يرفضون الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة أو وقف الدعم للهجوم الإسرائيلي لم يعودوا منطقيين، ويبدو أنهم يمرون بأزمة على نحو متزايد.

أصبحت غزة تعبيراً عن أزمة شرعية الطبقة السياسية الأنغلو-أمريكية




وكتبت في صحيفة "ذا غارديان" كيف أصبحت اللغة المشوشة والتصريحات المتناقضة شائعة بين شخصيات المؤسسة السياسية خصوصاً في المملكة المتحدة والولايات السياسية.

تناقضات بريطانية بالجملة

عندما سُئل رئيس حزب العمال كير ستارمر عما إذا كان قطع المياه والإمدادات من الإجراءات التي تندرج ضمن القانون الدولي، قال في بث إذاعي مباشر إن إسرائيل "تملك ذلك الحق". بعدها، ادعى حزبه أنه لم يقل هذا مطلقاً. وعندما قال ستارمر إن حزب العمال لن يعترف بفلسطين من جانب واحد، قال وزير خارجية الظل الخاص به ديفيد لامي لصحيفة فايننشال تايمز إن حزب العمال سيدرس ذلك.
تتجلى هذه التناقضات بالشكل الأوضح عندما يعبر السياسيون عن دعمهم المطلق لتصرفات إسرائيل، بينما يعبرون أيضاً عن قلقهم بشأن المدنيين في غزة. في منشور على موقع أكس بدا أن ليزا ناندي، وزيرة التنمية الدولية في حكومة الظل، تدعم تعليق الأموال للأونروا، لأن "ادعاءات بهذه الخطورة تتطلب استجابة جدية"، في حين أنها "تسعى أيضاً إلى تطمينات" من رئيس الوزراء بأنه لا يزال بالإمكان تقديم المساعدات.


اضطرت الكاتبة إلى قراءة بيان ناندي مرات عدة لمحاولة فهم ما كانت تقصده. في الوقت نفسه، قال وزير الخارجية ديفيد كاميرون إنه "قلق" من أن إسرائيل ربما تكون قد انتهكت القانون الدولي، لكن ذلك لم يغير موقف المملكة المتحدة بشأن تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. وتطلب مالك من القراء مساعدتها على فهم المنطق في هذه التصريحات.

الوضع في أمريكا ليس أفضل حالاً

قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) لا يمكن اعتباره ترخيصاً "لتجريد الآخرين من إنسانيتهم"، لكن حكومته اختارت مرتين تفعيل الحق بتجاوز الكونغرس وتوفير المزيد من الأسلحة لإسرائيل. ترى الكاتبة أن هذا التنافر هو نتاج محاولة التوفيق بين موقفين غير قابلين للتوفيق. إن الحقائق صارخة للغاية، بحيث لا يستطيع أي شخص مواجهتها بينما يستمر بشكل معقول في دعم تصرفات إسرائيل في غزة.
لذلك، تابعت مالك، يلجأ الساسة إلى تفسيرات متناقضة وفي بعض الأحيان جامحة لتجنب التنديد بهذه الأفعال أو المطالبة باتخاذ أي إجراء حيالها. والنتيجة قريبة من التشوش العقلي، كما حدث عندما قالت نانسي بيلوسي لشبكة "سي إن إن" إنه بينما كان هناك بعض المتظاهرين "العفويين العضويين والصادقين"، تعني الدعوة إلى وقف إطلاق النار إعطاء صوت لـ"رسالة السيد بوتين". وإذا لم يكن ذلك كافياً فقد طلبت السنة الماضية من المتظاهرين المؤيدين لفلسطين العودة إلى الصين، حيث "مقرهم الرئيسي".
والناطقون الرسميون في موقف دفاعي ميئوس منه. عندما سُئل عن الرسالة التي يحملها الرئيس جو بايدن للأمريكيين العرب الذين يشعرون بالقلق بشأن غزة، قال متحدث باسم البيت الأبيض إن الرئيس "مفطور القلب" واعتقد أيضاً أن "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها".

أهمية أبعد من غزة

إن هذا العجز الغريب عن الرد بشكل مناسب على العدوان الإسرائيلي له أهمية أبعد من غزة. كشفت الأحداث هناك عن عيوب نموذج كامل من السياسة والافتراضات التي يقوم عليها. إذا كانت الليبرالية غير قادرة على تقديم شكل أخلاقي ومستقر للحكم، فما الهدف إذاً؟ في خضم هذا الصراع الدموي والمدمر تاريخياً، إذا لم تُظهر الليبرالية أي قدرة أو رغبة في حماية الحياة المدنية والأمن الإقليمي والآفاق الانتخابية الخاصة بها، فإن ادعاءاتها المتعلقة بالمبدأ والكفاءة التي تحدد مهمتها ستنهار. وعندما يصبح عالم أقل أماناً ثمناً مقبولاً مقابل الولاء للحلفاء، يبدو تمسك الغرب بالسلطة كوصي سياسي وعسكري على القانون والنظام تمسكاً هشاً بشكل متزايد.


بمجرد زوال تلك السلطة، يهتز النظام من الداخل. كان الإجماع السياسي السائد بشأن إسرائيل وفلسطين يرى منذ فترة طويلة أنه يجب على تصرفات إسرائيل أن تحظى بدعم قوي، وأن محنة الفلسطينيين إما معقدة إلى حد يصيبها بالشلل أو ــ في أسوأ الأحوال ــ خطأ إرهابييهم. الآن، يتعرض هذا الإجماع للتحدي، ليس فقط من قبل محتجين مجهولي الهوية، بل أيضاً من داخل معاقل وسائل الإعلام الليبرالية. في الأسابيع الأخيرة، أفادت تقارير أن صحيفة نيويورك تايمز وشبكة سي إن إن تعاني من خلافات داخلية بعد أن اعتبر بعض الموظفين أن تغطيتهما ساذجة للغاية ومتعاطفة مع تصرفات إسرائيل.

أزمة شرعية أنغلو-أمريكية

وفق الكاتبة، أصبحت غزة تعبيراً عن أزمة شرعية بالنسبة إلى الطبقة السياسية الأنغلو-أمريكية التي ترأس أنظمة هشة تقدم لسكانها الأقل بمرور الوقت، والتي يتلخص عرضها الرئيسي في أن البديل أسوأ. قد تبدو الأمور مستقرة، لكن تحتها تكمن مشاعر السخط المضبوط بشأن تكاليف المعيشة وتقلص المرونة الاجتماعية والخراب الذي أحدثته الحكومات اليمينية التي لا يقدم الوسطيون حلاً حقيقياً لها.
كما قال الكاتب ريتشارد سيمور ذات مرة: "إذا اندلعت أزمة في السياسة، فيمكننا أن نكون على يقين من أنها محددة بشكل مفرط من خلال تراكم التناقضات في أماكن أخرى من البنية. قد يكون من الممكن التحكم بالأزمات الفردية، لكن الأمر المميت هو الطريقة التي تتغذى بها كل هذه التناقضات على بعضها البعض".
قد يبدو الرد السياسي على غزة عنيداً ومستبداً، لكن ما يكمن وراءه ليس القوة بل الضعف، ختمت مالك.