تعبيرية
تعبيرية
الأربعاء 3 أبريل 2024 / 11:53

"فورين أفيرز": الصين تواصل الصعود

فنّد الباحث البارز في معهد بترسون للاقتصادات الدولية نيكولاس لاردي مجموعة من المغالطات، التي يستخدمها مراقبون، من أجل استنتاج أن رحلة الصين في نموّها الاقتصادي تخطت لحظة الذروة، وأنها ستسلك مساراً تنازلياً في المستقبل القريب.

من المرجح أن تستمر الصين في المساهمة بنحو ثلث النمو الاقتصادي العالمي


وكتب لاردي في مجلة "فورين أفيرز" أنه على مدار عقدين من الزمن، كان الأداء الاقتصادي الهائل الذي حققته الصين سبباً في إثارة إعجاب وقلق قسم كبير من العالم، بما فيه الولايات المتحدة، شريكتها التجارية الأولى. لكن منذ 2019، دفع النمو البطيء في الصين العديد من المراقبين إلى استنتاج أن الصين بلغت بالفعل ذروتها كقوة اقتصادية. ويشير أولئك الذين يشككون في استمرار صعود الصين إلى ضعف الإنفاق الأسري في البلاد، وتراجع الاستثمار الخاص والانكماش الراسخ.
لكن هذه النظرة المتجاهلة للبلاد تقلل من مرونة اقتصادها. صحيح أن الصين تواجه العديد من الرياح المعاكسة الموثقة، من ضمنها ركود سوق الإسكان والقيود الأمريكية على الوصول إلى بعض التكنولوجيات المتقدمة، وتقلص عدد من هم في سن العمل. لكن الصين تغلبت على تحديات أكبر عندما بدأت السير على طريق الإصلاح الاقتصادي في أواخر السبعينات.
وبالرغم من تباطؤ نموها في السنوات الأخيرة، من المرجح أن يتوسع نمو اقتصادها بمعدل يبلغ ضعف معدل نمو الولايات المتحدة في السنوات المقبلة. وصحّح الكاتب 5 مفاهيم خاطئة تدعم التشاؤم بشأن الإمكانات الاقتصادية للصين.

اقتصادها "لن يساوي" الاقتصاد الأمريكي

تطرق لاردي بداية إلى المفهوم الخاطئ السائد على نطاق واسع، ومفاده أن تطور الاقتصاد الصيني، ليتماثل مع حجم الاقتصاد الأمريكي، قد توقف. صحيح أنه في الفترة من 2021 إلى 2023، انخفض الناتج المحلي الإجمالي للصين من 76% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة إلى 67%. مع ذلك، من الصحيح أيضاً أنه بحلول 2023، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين أكبر بنسبة 20% مما كان عليه في 2019، عشية الوباء العالمي، في حين كان الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة أكبر بنسبة 8% فقط.

 


يمكن تفسير هذه المفارقة الواضحة بعاملين. أولاً، على مدى السنوات القليلة الماضية، كان التضخم في الصين أقل مما كان عليه في الولايات المتحدة. في السنة الماضية، سجل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في الصين نمواً بنسبة 4.6%، أي أقل من نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي بالقيمة الحقيقية، والتي بلغت 5.2%. في المقابل، وبسبب ارتفاع التضخم، نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة في 2023 بنسبة 6.3%، في حين نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.5% فقط.
علاوة على ذلك، رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بأكثر من 5 نقاط مئوية منذ مارس (آذار) 2022، من 0.25% إلى 5.5%، مما جعل الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين، وعزز قيمة الدولار بالنسبة إلى العملات البديلة.
في غضون ذلك، خفض البنك المركزي الصيني سعر الفائدة الأساس من 3.70% إلى 3.45%. وكانت الفجوة المتزايدة بين أسعار الفائدة الصينية والأمريكية سبباً في عكس ما كان يمثل تدفقاً كبيراً من رأس المال الأجنبي إلى الصين، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى انخفاض قيمة الرنمينبي مقابل الدولار بنسبة 10%. ويؤدي تحويل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي الأصغر إلى الدولار، بسعر صرف ضعيف، إلى انخفاض قيمة الناتج المحلي الإجمالي للصين عند قياسه بالدولار، بالمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
يرجح الكاتب أن يكون هذان العاملان مؤقتين. تنخفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الآن بالنسبة إلى أسعار الفائدة في الصين، مما يقلل من الحافز لدى المستثمرين لتحويل الرنمينبي إلى أصول مقومة بالدولار. وبنتيجة ذلك، بدأ انخفاض قيمة العملة الصينية بالانعكاس. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع الأسعار الصينية هذه السنة، مما سيعزز الناتج المحلي الإجمالي الصيني، ويكاد يكون من المؤكد أن يستأنف ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي مقاساً بالدولار الاقتراب من نظيره في الولايات المتحدة هذه السنة. ومن المرجح أن يتجاوزه في غضون عقد من الزمان تقريباً.

ثقة المستهلك "ضعيفة"

المفهوم الخاطئ الثاني وفق لاردي هو أن دخل الأسرة والإنفاق وثقة المستهلك في الصين ضعيفة. لا تدعم البيانات هذا الرأي. في السنة الماضية، ارتفع نصيب الفرد الحقيقي من الدخل بنسبة 6%، أي أكثر من ضعف معدل النمو في 2022، عندما كانت البلاد في حالة إغلاق، وارتفع نصيب الفرد من الاستهلاك بنسبة 9%. إذا كانت ثقة المستهلك ضعيفة، فستقلص الأسر استهلاكها، وتعمل على بناء مدخراتها. لكن الأسر الصينية فعلت العكس تماماً السنة الماضية: لقد سجل الاستهلاك نمواً أكبر من نمو الدخل، وهو أمر ممكن فقط، إذا خفضت الأسر حصة دخلها التي تذهب إلى الادخار.

على مسار الركود

ثمة مفهوم خاطئ ثالث يتمثل في أن انكماش الأسعار أصبح راسخاً في الصين، مما يضع البلاد على مسار نحو الركود. صحيح أن أسعار المستهلك ارتفعت بنسبة 0.2% فقط في السنة الماضية، مما أدى إلى نشوء مخاوف من قيام الأسر بخفض استهلاكها تحسباً لانخفاض الأسعار ــ وبالتالي خفض الطلب وإبطاء النمو. لم يحدث هذا لأن أسعار المستهلك الأساسية (أي أسعار السلع والخدمات خارج مجالي الغذاء والطاقة)، ارتفعت فعلياً بنسبة 0.7%.

 

 


وانخفضت أسعار الأدوات والمواد الخام المستخدمة لإنتاج سلع أخرى سنة 2023، وقد عكس الانخفاضات العالمية في أسعار الطاقة وغيرها من السلع المتداولة دولياً، فضلاً عن الطلب الضعيف نسبياً في الصين على بعض السلع الصناعية، مما قد يقوض حافز الشركات على الاستثمار في توسيع قدراتها الإنتاجية. وبدلاً من ضخ الأموال في أعمالها، بحسب الاعتقاد السائد، ستستخدم الشركات أرباحها المتراجعة لسداد الديون. ولكن هنا أيضاً حدث العكس تماماً: فقد كثفت الشركات الصينية الاقتراض، سواء بالقيمة المطلقة أو كحصة من الناتج المحلي الإجمالي. وزاد الاستثمار في التصنيع والتعدين والمرافق والخدمات. لا ركود يلوح في الأفق.

"انهيار" الاستثمار العقاري

تطرق الكاتب إلى مفهوم خاطئ رابع يتعلق باحتمال انهيار الاستثمار العقاري. ليست هذه المخاوف في غير محلها تماماً. هي مدعومة ببيانات حول بداية بناء المساكن، أي عدد المباني الجديدة التي بدأ تشييدها والتي كانت في 2023 نصف ما كانت عليه سنة 2021. ولكن يتعين على المرء أن ينظر إلى الإطار العام.
في فترة العامين نفسها، انخفض الاستثمار العقاري بنسبة 20% فقط، حيث خصص المطورون حصة أكبر من هذه النفقات لاستكمال مشاريع الإسكان التي بدأوها في السنوات السابقة. توسعت عمليات الإكمال إلى 7.8 مليار قدم مربع في 2023، متجاوزة بذلك المساكن الجديدة لأول مرة. ساعدت في ذلك سياسة الحكومة التي شجعت البنوك على الإقراض بالتحديد لمشاريع الإسكان، التي أوشكت على الانتهاء، إن تخفيفاً عاماً لمثل هذه القيود المفروضة على القروض المصرفية لمطوري العقارات أمكن أن يؤدي إلى تفاقم تخمة العقارات.

عن "هروب" الرساميل الصينية

أخيراً هناك مفهوم خاطئ مفاده أن رجال الأعمال الصينيين يشعرون بالإحباط ويضطرون إلى نقل أموالهم إلى خارج البلاد. لكن مرة أخرى، لا تدعم البيانات هذا التشاؤم. أولاً، كان كل الانخفاض تقريباً في حصة القطاع الخاص من إجمالي الاستثمار بعد 2014 عائداً إلى تصحيح في سوق العقارات التي تهيمن عليها الشركات الخاصة. وإذا تم استثناء العقارات، فقد ارتفع الاستثمار الخاص بنسبة 10% تقريباً في 2023.
وبالرغم من أن بعض رجال الأعمال الصينيين البارزين غادروا البلاد، لا تزال أكثر من 30 مليون شركة خاصة مستمرة في الاستثمار. علاوة على ذلك، ارتفع عدد الشركات العائلية، وهي لا تصنف رسمياً كشركات، بمقدار 23 مليوناً في 2023، ليصل إجماليها إلى 124 مليون مؤسسة توظف نحو 300 مليون شخص.

المبالغات لا تفيد أحداً

بالرغم من أن الصين تعاني من مشاكل عدة، يؤكد الكاتب أن المبالغة في هذه المشاكل لا تخدم أحداً وبشكل خاص الولايات المتحدة. من المرجح أن تستمر الصين في المساهمة بنحو ثلث النمو الاقتصادي العالمي بينما تعمل على زيادة بصمتها الاقتصادية، وبخاصة في آسيا. وإذا قلل صناع السياسات الأمريكيون من أهمية ذلك فمن المرجح أن يبالغوا في تقدير قدرتهم على استدامة توطيد العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الشركاء الآسيويين.