سفينة شحن
سفينة شحن
الأربعاء 15 مايو 2024 / 10:08

"إعصار اقتصادي".. ما أثر هجمات الحوثيين على المستهلك الأمريكي؟

تشن جماعة الحوثي المدعومة من إيران هجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن العالمية وأفضى إلى نتائج سلبية متعاقبة على أسواق ومستهلكي الولايات المتحدة.

يمرُّ نحو 25% من واردات أوروبا و10% من صادرات أوروبا من الشرق الأوسط وآسيا عبر البحر الأحمر

ومع ذلك، وبالتزامن مع استيلاء الحرس الثوري الإيراني مؤخراً على السفينة التي ترفع علم البرتغال MSC Aries في مضيق هرمز، قد لا يكون البحر الأحمر الممر المائي الوحيد الذي تؤثِّر عليه إيران ووكلاؤها.

وفي هذا الإطار، حذر برينت د. سادلر ونيكول روبنسون، باحثان في مؤسسة هيريتاج البحثية الأمريكية، من أن التأثيرات الاقتصادية للاضطرابات في البحر الأحمر حتى الآن غير محسوسة إلى حد كبير، لكنها ستتفاقم بمرور الوقت. وستكون شركات الشحن أول جهة تشعر بهذه التأثيرات، يليها المُصنِّعون والبائعون وأخيراً المستهلك.

أهم شرايين الشحن العالمية

وقال الباحثان في مقال مشترك بموقع "ناشيونال إنترست" إن "البحر الأحمر أحد أهم شرايين منظومة الشحن العالمية، إذ يمرُّ عبره ثلث حركة الحاويات العالمية. فضلاً عن ذلك، يمر 12% من النفط المنقول بحراً و8% من الغاز الطبيعي المسال عبر قناة السويس، ولكن بعد 4 أشهر من الهجمات، أعادَ نصف أسطول الشحن العالمي الذي يعبر البحر الأحمر بانتظام توجيه مساره حول طريق رأس الرجاء الصالح، وتؤدي تكاليف الوقود الإضافية والتأخير الطويل وارتفاع أقساط التأمين إلى زيادة التكاليف على شركات الشحن بمليارات الدولارات".
وقال الرئيس التنفيذي لشركة A.P. Moller-Maersk، وهي أكبر شركة شحن في العالم: "البحر الأحمر أحد الشرايين الرئيسة للاقتصاد العالمي، وهو الآن معطَّل. وفي هذه الفترة التي يعدُّ فيها التضخم مشكلة كبيرة، تمثل هذه الأزمة ضغوطاً رهيبة على تكاليفنا وعملائنا وعلى مستهلكينا في أوروبا والولايات المتحدة".
وبلغت تكاليف الشحن ذروتها في فبراير (شباط) إذ قدِّرت بـ 190% أعلى من معدلات ما قبل الأزمة، وهي أعلى مما كانت عليه في ذروتها خلال جائحة كوفيد-19 عام 2021.

ورغم انخفاض هذه المعدلات، فهي لا تزال أعلى بنسبة 100% عن معدلات ما قبل الأزمة. 

ولا يعتمد منتجو وتجار التجزئة الأمريكيون عموماً على طرق الشحن في البحر الأحمر.

ومع ذلك، لا يمكن لشركائهم الأوروبيين ألّا يعتمدوا على طرق الشحن هذه، إذ يمر نحو 25% من واردات أوروبا و10% من صادرات أوروبا من الشرق الأوسط وآسيا عبر البحر الأحمر.
وفي الوقت ذاته، تتمتع الولايات المتحدة بموانئ على المحيطين الأطلسي والهادئ، مما يقلل اعتمادها على طريق البحر الأحمر. كما يمكن للمنتجين وتجار التجزئة الأمريكيين إعادة توجيه الشحنات بين سواحلها باستخدام نظم الطرق السريعة والسكك الحديدية عبر البلاد لنقل البضائع بسرعة من الساحل الغربي إلى ساحل الخليج والساحل الشرقي.

المستهلك الأمريكي في مرمى النيران

ومع ذلك، فإن التأثير الكامل لهجوم الحوثيين على حركة الشحن سيطال المستهلكين الأمريكيين.

وأحد أسباب ذلك هو أن زيادة تكاليف الشحن تُثقِل كاهل القطاعات ذات هوامش الربح المحدودة كالملابس والمواد الكيميائية وحتى شركات الشحن نفسها.
ويتأثر كبار تجار التجزئة مثل "إتش أند إم" و"تارغت" و"وول مارت" بالأوضاع المضطربة في البحر الأحمر.

على سبيل المثال، تستورد "تارغت" الملابس والبلاستيك والألعاب ومنتجات الاستحمام من موردين في الهند وباكستان وتشحَن عبر البحر الأحمر.

وقد خَطَت معظم شركات التجزئة خطوات للحد من هذه الاضطرابات، إما بطلب منتجاتها مسبقاً أو بنقل الإنتاج إلى أماكن أقرب من المستهلكين. 

والمنتجون وتجار التجزئة الذين يقيدهم هامش ربح ضئيل ولا يمكنهم شحن منتجاتهم في وقتٍ مبكر عن المعتاد لديهم خيارات محدودة للتكيف مع ارتفاع تكاليف الشحن واضطرابات سلسلة التوريد.

وعليهم تحميل التكلفة الإضافية على المستهلك، مما يساهم في الضغوط التضخمية الموجودة مسبقاً. وعلى سبيل المثال، حققت شركة ليفي شتراوس لتجارة الملابس هامش ربح قدره 4.04% في عام 2023، بينما سجلت شركة إيه بي مولر ميرسك للشحن متوسط ربح قدره 0.74% على مدى عشر سنوات. وبالمقارنة، حققت الشركات المدرجة في مؤشر S&P 500 متوسط هامش ربح قدره 11.6%.
ويظل الشحن البحري مرناً، لكن الاضطرابات طويلة الأمد في البحر الأحمر ستستلزم إجراء تعديلات طويلة الأجل، واستثمارات جديدة في موانئ جديدة، وطلبات للحصول على المزيد من السفن. وإذا اضطرت شركات الشحن إلى تسيير رحلات أطول لتجنب البحر الأحمر، فستحتاج إلى المزيد من السفن حفاظاً على التجارة وزيادة حجمها.
وكانت شركات الشحن قبل هجوم الحوثي تطلب بالفعل سفناً ستبدأ بالوصول إلى أساطيلها حتى عام 2026. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستخفِّف حدة المزيد من الاضطرابات أو ستثبت عدم جدواها في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي الوشيك.

تراجع حركة المرور في قناة بنما

وفضلاً عن هذه المشكلة، يشير الباحثان إلى أن هناك احتمالاً بتراجع حركة المرور في قناة بنما أو انقطاعها تماماً. فقد فرض الجفاف على سلطات القناة خفض حركة المرور بنسبة 36%، مما يزيد الضغوط على طرق الشحن الحالية. وبينما يُتوقَّع أن تُخفف القناة القيود على حركة المرور بسبب تحسن مستويات المياه، لا تزال عمليات العبور تعمل بطاقة مخفضة.
والأهم من ذلك، برأي الباحثَين، أن هذه الضغوط ستعجِّل الجهود الناشئة الرامية إلى تقوية وتنويع الإنتاج وسلاسل التوريد الأمريكية. فقد أصبح هذا عنصراً ضرورياً عندما كشفت جائحة كوفيد -19 عن الاعتماد المفرط على الصين والهشاشة الخطيرة في سلسلة التوريد للصناعات الأمريكية. واستجابة لذلك، يستكشف العديد من الصناعات الأمريكية والكونغرس الآن فرصاً لنقل السلع الأساسية التي تصنَّع في الخارج إلى داخل الدولة أو بالقرب من مصادرها. وتضيف الأحداث الجارية في البحر الأحمر إلى الضغوط التي تدفع إلى إنجاز ذلك.

إصدار تشريع يحمي المصالح الأمريكية

وعليه يبدو أن العودة إلى بيئة شحن عالمي آمنة وغير متنازع عليها قريباً أمراً مستبعَداً بعد شهور من الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية. فقد اعترف الرئيس بايدن بأن الضربات لا تجدي نفعاً. والأدهى من ذلك أن إسقاط طائرات حوثية مسيرة رخيصة بصواريخ بملايين الدولارات يكلِّف الجيش الأمريكي مليار دولار، مما يثقل كاهل موازنة الدفاع الأمريكية.
ويعدُّ البحر الأحمر ممراً حيوياً للطاقة والسلع الاستهلاكية. وإذ لا تلوح نهاية واضحة في الأفق، فسيشعر المستهلكون ودافعو الضرائب الأمريكيون بالآثار المترتبة على ذلك. وللتخفيف من التحديات الحالية والمستقبلية في سلسلة التوريد العالمية، يؤكد الباحثان ضرورة أن يجمع الكونغرس قادة الصناعة والعسكريين والدبلوماسيين معاً لإصدار تشريع يحمي مصالح الولايات المتحدة في البحر الأحمر وخارجه.