الأربعاء 15 مايو 2024 / 11:40

هكذا تحاول واشنطن قتل صناعة السيارات الكهربائية في الصين

نبّه الكاتب السياسي المقيم في اليابان ويليام بيسيك الإدارة الأمريكية إلى مخاطر مواصلة سياسات ترامب تجاه الصين، مشيراً إلى أن ذلك ينطوي على نتائج عكسية، فبينما يعلن جو بايدن استعداده للتحدي في محاولته إلحاق الهزيمة بدونالد ترامب، يخاطر الرئيس الأمريكي بتكرار واحد من أكبر الأخطاء الفادحة التي ارتكبها سلفه.

لم يقم بايدن بأي شيء لإبطاء حركة التخلص من الدولرة

وكتب بيسيك في موقع "آسيا تايمز" أن بايدن سيكشف هذا الأسبوع عن خطط لزيادة الضرائب على واردات السيارات الكهربائية الصينية بمقدار أربعة أمثال، ولفرض رسوم جمركية ضخمة على صناعات رئيسية أخرى.

وبحسب الأنباء سترتفع الرسوم الجديدة على المركبات الكهربائية الصينية إلى 102.5%.

ويمكن للصناعات ذات الأولوية الأخرى أن تشهد تعريفات أكبر بمرتين أو بثلاث مرات.

لم يعد موجوداً

إنها أحدث حيلة لبايدن ليكون ترامبياً أكثر من ترامب، وفي النهاية لخسارة هدف رفع مستويات المعيشة الأمريكية.

كما أنه يخاطر باستفزاز الصين للانتقام بطرق تؤدي إلى نتائج عكسية على المستهلكين والمستثمرين الأمريكيين.

ويمكن القول إن رغبة بايدن في إحياء أحداث سنة 1985 تبدو منطقية من وجهة نظر سياسية قبل انتخابات الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، وتلك هي الحقبة التي أمكن للرسوم فيها، من النوع الذي يفكر به بايدن والذي استخدمه ترامب من 2017 إلى 2021، أن تكون ناجحة.
لكن في سنة 2024، يسعى فريق بايدن إلى حماية نظام اقتصادي لم يعد موجوداً، تماماً كما فعل ترامب خلال فترة وجوده في البيت الأبيض، عندما فرض رسوماً لا تقل عن 10% على جميع السلع الآتية من الصين وأخرى على الصلب والألومنيوم، بحسب بيسيك.

ومع إعلان ترامب نيته فرض رسوم جمركية بنسبة 60% على البضائع الصينية في فترة ولاية ثانية، من الواضح أن إدارة بايدن تحاول تجنب الظهور بمظهر المتساهل مع أكبر اقتصاد في آسيا.

ومع ذلك، إن محاولة قتل سوق السيارات الكهربائية في الصين ليست هي الطريقة الصحيحة للقيام بذلك.

لماذا؟

أولاً، من غير الواضح ما إذا كانت خطة بايدن لفرض رسوم على السيارات الكهربائية ستحدث حتى تأثيراً ضئيلاً.

ويقول محرر الأعمال في آسيا تايمز ديفيد غولدمان إنه لا وجود حالياً لسيارات صينية معروضة في الولايات المتحدة.

ويطلق العديد من الاقتصاديين على هذه الخطوة اسم "الرمزية الاقتصادية" التي ستعمل على تهدئة إيلون ماسك أكثر من إبطاء صعود الصين، إذ حذر مؤسس شركة تسلا من أنه بدون تعريفات كبيرة، سوف "تهدم" شركات صناعة السيارات الصينية المنافسة العالمية. 

وتقول ساره بيانكي، محللة في شركة الاستشارات في مجال الاستثمار المصرفي إفركور إيسي، إن معدلات الضرائب الأكثر ارتفاعاً ستترك "الحد الأدنى من التأثير الاقتصادي على المدى القريب" بسبب "الاختراق المنخفض للغاية للمركبات الكهربائية الصينية في السوق الأمريكية اليوم".

تعلم الدروس الخاطئة

أضاف الكاتب أن سنوات ترامب فترة ضائعة لرفع مستوى اللعبة التنافسية الأمريكية. لقد بذل ترامب المزيد من الجهود لإعادة الفحم وضغط على ديترويت لتصنيع سيارات أقل كفاءة في استهلاك الوقود بالمقارنة مع إعادة تشغيل محركات النمو.

ولم تفعل تخفيضاته الضريبية الضخمة شيئاً يذكر لتحفيز الاستثمارات في الإبداع والإصلاحات المعززة للإنتاجية. من الواضح أن بايدن تعلم الدروس الخاطئة من حقبة ترامب.

ولن تؤدي التعريفات الجمركية إلا إلى زيادة أسعار المستهلك في الولايات المتحدة، وهي أسعار مرتفعة في الأساس.

ويتحدث الخبير الاقتصادي من جامعة كولومبيا آدم توز باسم كثر عندما يصف خطط ترامب بأنها "وصفة" لارتفاع التضخم.

ويعتقد الخبير الاقتصادي في بنك غولدمان ساكس روني ووكر أن الضرائب الجديدة التي يريد ترامب فرضها على الصين ستؤثر سلباً على الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

ويقول الاقتصادي بول أشوورث من شركة كابيتال إيكونوميكس: "معظم المبادرات السياسية الرئيسية التي تقترحها حملة دونالد ترامب ستكون تضخمية".

تخيلوا هذا العالم

بالنسبة إلى حملة بايدن لزيادة شدة سباق التسلح في الحرب التجارية قبل نوفمبر(تشرين الثاني)، تحذر وحدة الاستخبارات الاقتصادية في مجلة إيكونوميست من أن العلاقات الصينية الأمريكية ستشهد "تدهوراً مستداماً" في العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية طيلة بقية العقد، سواء فاز الديمقراطيون أو الجمهوريون.
مع ذلك، من غير المرجح أن يستطيع أي مزيج من سياسات الحرب التجارية، سواء كان من بايدن أو ترامب، وقف هيمنة الصين المتزايدة، ليس حتى في السيارات الكهربائية، كما يقول الخبير في أسواق السيارات مايكل دان.

ويقول دان: "تخيلوا عالماً تصنع فيه الصين كل سيارة على حدة. لا يمكن التفكير به، أليس كذلك؟ فكروا مرة أخرى". 

ويشير دان إلى أن الصين اليوم تمتلك القدرة الكافية لتصنيع نصف سيارات العالم البالغ عددها 80 مليون سيارة.

وبحلول 2030، يمكن أن ترتفع قدرة الصين إلى 75% من الحجم العالمي، بحسب غلوبال داتا البريطانية.

وستقوم الصين هذه السنة بتصدير 6 ملايين سيارة إلى أكثر من 140 دولة في جميع أنحاء العالم، متفوقة على اليابان في الريادة العالمية.

ويشير دان إلى أن السيارات الصينية تفوز في كل منطقة زمنية من البرازيل إلى تايلاند، ومن المملكة المتحدة إلى أستراليا.

هكذا سيستفيد شي

إن السيارات الكهربائية بحسب بيسيك هي مجرد صورة مصغرة لدينامية أوسع. بينما كان ترامب يلقي القنابل اليدوية على النظام التجاري العالمي خلال فترة ولايته الأولى، كانت بكين تستثمر بقوة في جعل الصين القوة المهيمنة في شبكات الجيل الخامس والمركبات الكهربائية وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وغيرها من الصناعات "المستقبلية" المهيمنة.
إن أربع سنوات أخرى من إعادة ترامب لأمريكا إلى سنة 1985 ستمثل ما يريده الرئيس الصيني شي جين بينغ. بالرغم أن تعريفات ترامب ستضرب النمو الصيني في الأمد القريب، من شأن سياساته المحلية أن تدفع مبادرة "صنع في الصين 2025" إلى الأمام أكثر حتى.

ماذا حدث سنة 1985؟

يخاطر بايدن بتسجيل هدف مماثل في مرماه إذا لجأ إلى قواعد اللعبة الاقتصادية التي كانت سائدة قبل 40 عاماً. فبالعودة إلى منتصف الثمانينات، تم إلباس اليابان دور الشرير الذي تحتله الصين الآن. كانت وسائل الإعلام الأمريكية أسيرة فكرة سيطرة الشركات اليابانية على الاقتصاد العالمي.
وحذر المشرعون والنقاد من بيرل هاربر اقتصادي ومن تحول أمريكا إلى "مستعمرة" تجارية لليابان. وكما قال رجل الأعمال ترامب في مقابلة أجريت معه في ذلك الوقت، إن اليابان "امتصت الدماء من أمريكا بشكل منهجي – امتصت الدماء! لقد أفلتوا من جريمة قتل. لقد انتهى بهم الأمر إلى الفوز بالحرب".
كان ذلك عندما بدأ الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان فترة ولايته الثانية بمناورة مركنتيلية لا تزال تلهم ترامب. ففي 1985، تمكن وزير خزانته جيمس بيكر من التودد إلى أقوى الدول الصناعية لإقناعها بدفع الين إلى الارتفاع بشكل حاد والدولار إلى الانخفاض. تم التوقيع على الاتفاقية في فندق بلازا، وهو فندق في نيويورك كان يملكه ترامب ذات يوم. في وقت مبكر من رئاسته، لمح وزير الخزانة آنذاك ستيفن منوشين ومستشارون مثل بيتر نافارو إلى رغبة ترامب في التوصل إلى "اتفاق بلازا جديد" يدفع اليوان الصيني إلى الارتفاع. لم يتحقق هذا قط.

إبطاء ما لا مفر منه

يمكن أن يعطي البيت الأبيض بقيادة ثانية لترامب هذه الاستراتيجية محاولة أخرى. بكين سترفض ذلك بالتأكيد. يدرك المسؤولون الصينيون كيف أدت صفقة العملة التي أبرمت سنة 1985 إلى التعجيل بنشوء فقاعة الأصول اليابانية في أواخر الثمانينات، مما أدى إلى عقود من الركود الاقتصادي.
كما أن شي عازم على زيادة استخدام اليوان في التجارة والتمويل العالميين. مع إدراكهم لذلك، يفكر مستشارو ترامب الاقتصاديون بخطوات لمعاقبة الدول التي تبتعد عن الدولار. وتشمل الخطوات المحتملة فرض عقوبات على أي دولة، سواء كانت صديقة أو عدوة، تدخل ترتيبات تجارية ثنائية بعملات غير الدولار.
لكن قد يؤدي كل هذا فقط إلى إبطاء ما لا مفر منه. مع تسارع الدين الوطني الأمريكي نحو 35 تريليون دولار أمريكي وإصابة الكونغرس بالشلل بسبب الاستقطاب الشديد، قد يقوم المستثمرون بعمل الصين لصالح شي. لم يتبق لدى الولايات المتحدة سوى تصنيف ائتماني واحد من فئة AAA، وتحذر وكالة موديز لخدمات المستثمرين من احتمال حدوث تخفيض في التصنيف الائتماني.

التخلص من الدولرة

لم يقم بايدن بأي شيء لإبطاء حركة التخلص من الدولرة. اكتسبت الجهود التي بذلتها البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ومجموعة البريكس، ودول أخرى من ضمنها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، زخماً جديداً سنة 2022. كان ذلك عندما قادت وزارة الخزانة في عهد بايدن جهوداً لتسخير العملات من أجل معاقبة روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا. وشملت هذه الإجراءات تجميد أجزاء من احتياطات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من النقد الأجنبي.
وفي الشهر الماضي، منح الكونغرس البيت الأبيض سلطة وضع اليد على أصول روسية بالدولار لمساعدة أوكرانيا. ويسمح ما يسمى بند ريبو لفريق وزيرة الخزانة جانيت يلين بنقل أصول الحكومة الروسية إلى صندوق إعادة إعمار أوكرانيا. وقد أثار ذلك جدلاً جديداً حول التكاليف الطويلة الأجل المترتبة على "تسليح" الدولار.

عناوين جميلة لا واقعية

تقول كاثرين لي، محللة في بنك جي بي مورغان: "قد تعمل الصين على تسريع عملية التخلص من الدولرة"، مشيرة إلى أن ما يقرب من 70% من التجارة الدولية الصينية لا تزال مقيدة بالدولار.
يرى بيسيك أن زيادة الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية أو البطاريات أو الألواح الشمسية أو غيرها من التقنيات بمقدار أربع مرات قد تتصدر عناوين الأخبار الجميلة في سنة الانتخابات. لكن العودة إلى 1985 لن تساعد أكبر اقتصاد في العالم على إيجاد زخم أعلى في مواجهة الصين.