السبت 20 أكتوبر 2018

قطر في عام: أخطاء بروتوكولية ومحاولات "متواضعة" لكسر العزلة

في 25 يونيو (حزيران) 2013، وقبل أسبوع تقريباً من انهيار حكم الإخوان، أحد أبرز حلفاء قطر وأهم "استثماراته" الإقليمية، تولى تميم بن حمد الحكم، بعد تنازل والده حمد بن خليفة، واعتبر وصوله للسلطة في حينه بمثابة محاولة امتصاص آثار انهيار تنظيم الإخوان، ذلك الانهيار الذي كان قد بدأ يلوح بقوة، خلال الأيام الأخيرة من حكم الأمير الأب.

ونتناول في هذا الجزء من ملف "عام من حكم تميم"، أهم المواقف والقضايا التي واجهها الأمير القطري الشاب في عامه الأول من الحكم، ففي حين مر البلد الصغير بمواقف لا يحسد عليها، اختار حاكم البلاد البقاء في الظل، وهو ما اعتبره العديد من المحللين والمراقبين إشارة على أن "الأمير الوالد" كما يطلقون عليه الآن في الدوحة، وأعوانه، ما زالوا يتولون زمام السلطة الفعلية في البلاد.

ولعلّ قلة ظهور الأمير الشاب طوال عام كامل من حكمه، شهد تحولات كبيرة سواء على الصعيد الداخلي القطري أو الخارجي، يؤكد مثل هذا التحليل.

الظهور الأول
جاء الظهور الأول للأمير الجديد في اليوم التالي لتوليه السلطة يوم (26 يونيو 2014)، والذي قال فيه "إننا نحترم جميع التيارات السياسية المختلفة والمؤثرة والفاعلة في المنطقة، ولكننا لا نُحسَب على تيار ضد آخر"، وهو ما تمّ اعتباره إشارة سياسية على أن "تغييراً" ما سيطرأ في عهد الأمير الابن على السياسة القطرية، لاسيما الخارجية منها، إلا أن التجارب والأيام المتوالية، أثبتت عكس ذلك، حيث بدا تميم بن حمد في العديد من اللحظات الحاسمة، أكثر قرباً والتصاقاً بتنظيم الإخوان، مما كان يتوقع منه.

وبدا لافتاً في خطاب الأمير الشاب (33 عاماً) الأول، عدم تطرقه إلى القضية السورية، التي كانت على رأس أولويات والده، والتركيز أكثر على الملفات الداخلية القطرية، في رسائل سرعان ما أثبتت تناقضها مع انخراط النظام الجديد في قطر في مغامرات إقليمية اضطرته إلى توسيع دائرة الجبهات التي كانت مفتوحة أصلاً، ومنها الجبهة السورية.

القمة العربية
يعتبر ظهور تميم بن حمد "نادراً" قياساً بالملفات الساخنة التي وجد نفسه يخوض فيها، حيث اقتصر حضوره في عامه الأول من الحكم على إطلالات معدودة، إلا أنه أثار في ظهوره الأبرز في مؤتمر القمة العربية في الكويت، موجة احتجاجات واسعة، حيث قام برفع قدم فوق قدم طوال المؤتمر، بطريقة وجدها الكثيرون غير لائقة دبلوماسياً، ومعبرة عن قلة خبرته وحنكته السياسية، بل وعلى نوع من التحدي لمشاعر سائر الحكام العرب الحاضرين في القمة، كما قام بمغادرة أعمال القمة بعد انتهاء أمير الكويت من إلقاء كلمته، ثم غادر القاعة دون انتظار كلمات أي المتحدثين، دون إبداء أية أسباب، وهو ما أرسل رسائل سلبية أخرى حول نظرة الأمير الشاب إلى نفسه، وإلى الآخرين على حدّ سواء.

في تلك الإطلالة المقتضبة تطرق الأمير الشاب إلى عدة قضايا، منها سوريا وفلسطين وتونس، والتحولات التي تشهدها المنطقة وبخاصة في مصر قائلاً: "أنعشت التحولات الواسعة التي شهدتها منطقتنا خلال السنوات الثلاث الماضية، آمال الشعوب العربية بمستقبل أفضل تستحقّه، وجددت ثقتها بذاتها وبشبابها. وإذا تعثر البعض في الوصول إلى الاستقرار بسبب انسداد الأفق السياسي، فإننا على ثقه بأنهم سيتجاوزون المخاض الصعب الذى يمرون به، كما فعل أشقاء آخرون عبر الحوار بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسي ونحن نؤكد على علاقة الأخوة التي تجمعنا بمصر الشقيقة الكبرى التي نتمنى لها الأمن والاستقرار السياسي وكل الخير في الطريق الذي يختاره شعبه الذي ضرب أمثلةً مشهودةً في التعبير عن تطلعاته"، ولعلّ قراءة بين السطور كشفت في ذلك الوقت أن تميم بن حمد ماض في خياراته السياسية الداعمة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ولو أدى ذلك إلى قطيعة مع دول أخرى "شقيقة" و"صديقة".

إيران
وبالانتقال إلى دائرة المواقف القطرية تجاه السياسة الخارجية، نجد أن تميم استمر على نهج والده في دعم وتقوية علاقاته مع إيران، إذ لم يتأثر نمط العلاقات القطرية الإيرانية، فقد أكد الشيخ تميم في الثالث من يوليو (تموز) 2013، أن "إيران دولة مهمة ويجب الاستفادة منها في حل مشكلات المنطقة"، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي 2013، وجه الدعوة إلى الرئيس حسن روحاني لزيارة بلاده، ومؤخراً أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 26 فبراير (شباط) الماضي 2014، عن أن البلدان مُقبلين على تدشين منطقة تجارية حرة.

تركيا
وفي السياق ذاته، وعلى الرغم من حالة "المراجعة التي تشهدها العلاقات الخليجية التركية على خلفية الموقف التركي الرافض والمناهض للسلطة الجديدة في مصر"، استمر أمير قطر في تعزيز علاقات بلاده مع تركيا التي زارها مرتين، الأولى في سبتمبر (أيلول) 2013 (قبل وصوله إلى الحكم) والثانية في فبراير (شباط) الماضي 2014، وهما زيارتان تأتيان بعد زيارة قام بها لقطر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في 4 ديسمبر (كانون الأول) 2013، ووقع الجانبان اتفاقية تعاون في مجال الطاقة.

الأردن
وعلى صعيد البلدان العربية، اعتبر مراقبون أن زيارة الأمير تميم بن حمد آل ثاني إلى الأردن ولقاءه بالملك عبد الله الثاني في 30 مارس (آذار) الماضي، حملت عدة دلالات سياسية لا يمكن إغفالها بموازاة أحداث إقليمية هامة، أبرزها القطيعة من قبل ثلاث دول خليجية للدوحة، وانحسار وتراجع الدور القطري في المنطقة عقب تعثر مشروع الإخوان المسلمين الثلاثي في مصر وسوريا والأردن، وبحثت الزيارة في أربع مسائل، أولها دور أردني في وساطة لحل أزمة سحب السفراء، وثانيها انفتاح الدعم المالي القطري لعمّان ضمن حصة قطر في المنحة الخليجية للأردن البالغة 5 مليار، وثالثها سعي قطر لإيجاد دور إقليمي مؤثر عبر الدخول في ملف التسوية ومفاوضات السلام باعتبار الأردن جزءاً من ملفات الحل النهائي خاصة ما يتعلق باللاجئين وحق العودة، مع عدم إغفال تنشيط دور حماس في هذا الملف، وإعادة الدفء للعلاقة مع عمان، ورابعها تقديم المزيد من التطمينات لعمان بدور حيوي اقتصادي قادم عبر تسهيل توافد العمالة الأردنية للدوحة، وذلك عقب الموقف الأردني الذي رفض التدخل في أزمة سحب السفراء، حيث أكد وزير الإعلام الأردني الناطق باسم الحكومة محمد المومني، أن الأردن لم يتلق أي دعوة للعب دور وساطة بين الدول الخليجية وأن الأزمة ستكون عابرة ومرحلية بين الأشقاء، بحسب ما أفادت مصادر إعلامية أردنية في حينه.

تونس
بعد "أخطاء" الأمير البروتوكولية خلال القمة العربية، جاء الخطأ الثاني خلال زيارته إلى تونس في سياق محاولات "كسر العزلة"، وذكرت صحيفة "جون أفريك" الفرنسية المهتمة بالشؤون الأفريقية أن الأمير القطري تميم بن حمد لم يحترم البروتوكول التونسي خلال زيارته لقصر الرئاسة للقاء الرئيس منصف المرزوقي الأسبوع الأول من أبريل (نيسان) 2014، مشيرة إلى أنه تجاهل تماماً الرئيس والتباحث معه. وأشارت "جون أفريك" وقتها إلى أنه على الرغم من استقبال المرزوقي له وإعداد عشاء خاص لهذا اللقاء في القصر الرئاسي، إلا أن الأمير القطري تجاهل وجود المرزوقي وباقي المضيفين، وقرر الجلوس برفقة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، بل التباحث معه فقط بشؤون هذه الزيارة، دون الاهتمام بوجود الرئيس المرزوقي.

السودان
وفي محاولة وصفت بـ "المتواضعة" لحل قضية الإخوان الهاربين إلى قطر، قام الأمير بزيارة للسودان بداية شهر أبريل (نيسان)، وتحدثت مصادر مطلعة عن عرض قطري تم تقديمه خلال زيارة الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الخرطوم، تمثلت في أن تقبل الأخيرة استقبال العناصر الإخوانية الفارة أساساً من مصر والمقيمة حالياً بقطر، والأخرى المحتمل ترحيلها من بريطانيا بعد فتح التحقيق في الأنشطة المشبوهة لجماعة الإخوان في المملكة المتحدة، غير أن هذه التحليلات لجولة أمير قطر أثبتت عدم دقتها فيما بعد، إذ استضافت قطر على أراضيها المزيد من القيادات الإخوانية، ولم تقم بأي خطوة لحلّ المشكلات العالقة مع دول الخليج الأخرى حول هذا الملف. وهو ما يضع زيارته للسودان حينذاك في سياق محاولة بناء تحالف إخواني أوسع.

حمد بن خليفة وحمد بن جاسم
وفي الوقت الذي اختصر فيه الأمير لقاءاته ظهر رئيس وزراء قطر السابق الشيخ حمد بن جاسم في أول ظهور تلفزيوني له منذ تخليه عن منصبه العام الماضي، في مقابلة مع تلفزيون "بلومبرج"، قائلاً: "لم نأت بالإسلاميين أو جماعة الإخوان إلى السلطة في مصر، لقد انتُخبوا من قبل الشعب المصري ، وعندما بدأت قطر تعلن مساعدتها لمصر كان المشير طنطاوي في السلطة".

وفي هذا الإطار، كشف الوزير السابق وعم الشيخ تميم بن حمد أمير قطر الشيخ عبد العزيز بن خليفة آل ثاني، أن الأمير حمد والشيخ حمد بن جاسم لا يزالان يديران شؤون البلاد وعلى رأسها السياسة الخارجية.

وفي مجموعة تغريدات متلاحقة، قال الشيخ عبد العزيز إن "ما يحدث في قطر هو مخطط إنجليزي ولوبي إسرائيلي ستشاهدون نتائجه قريباً، فقد انتهى مخطط الغرب بتدمير الدول العربية وعلى رأسهم مصر الحبيبة".

واتهم الوزير السابق بوضوح حمد بن خليفة وحمد بن جاسم بالمسؤولية عن مشاكل قطر، قائلاً: "حمد بن خليفة وحمد بن جاسم هم من يقفون خلف كل ما تشتكي منه الدول الشقيقة المجاورة ولذلك لم يبتعد الإثنان لتنتهي المشكلة، وأن ما يقال عن ابتعادهم هو كلام غير صحيح وتميم بن حمد هو أمير فقط لاستقبال ضيوف الدولة أمام الإعلام فقط".

وكشف بالتفصيل عن سيطرة الحرس القديم على الحكم قائلاً "ليس مبالغة ولكن هذه حقيقة بأن وزير الخارجية العطية يراجع ويأخذ التوجيهات والأوامر من حمد بن جاسم مباشرة، وليس من تميم".

وتابع "الحقيقة الأخرى أن من يدير وزارة الداخلية بقطر هم رجال حمد بن خليفة وليس لوزير الداخلية الحالي أي دور إلا في المرور والشرطة فقط".

الموقف من مصر
وحول المواقف القطرية من مصر، رأى مراقبون أن الموقف القطري من إخوان مصر لم يتغير بعد استلام الأمير تميم الحكم خلفاً لوالده، بل عرفت العلاقات المصرية القطرية توتراً لم يسبق له مثيل، بعد أن أعلنت قطر استنكارها لعزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي وفض الجيش لاعتصامي أنصار الإخوان في ميداني رابعة العدوية والنهضة.

وكان ذلك أول مؤشرات تدهور العلاقات الثنائية بين البلدين، لتزداد حدة بعد إصدار النائب العام المصري أمراً بضبط وإحضار الداعية المصري يوسف القرضاوي الذي يحمل الجنسية القطرية، بتهمة التحريض على قتل قوات الأمن، وظهوره المتواصل على قناة الجزيرة الفضائية القطرية، لدعوة المسلمين إلى الجهاد ضد النظام المؤقت لضمان عودة مرسي إلى المنصب الرئاسي، إضافة إلى ذلك، رفضت القاهرة طلباً قطرياً بزيادة عدد الرحلات الأسبوعية المقدمة من الخطوط الجوية القطرية بين البلدين من 28 إلى 42 رحلة أسبوعياً، في الوقت نفسه تم تعليق المفاوضات بشأن شراء مصر للغاز الطبيعي القطري.

واستمرت التوترات بين البلدين متمثلة بمواقف قطر، لتصل فترة الانتخابات الرئاسية وفوز الرئيس السيسي فيها، حيث بعث الأمير تميم برقية "متأخرة" إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أعرب فيها عن تهانيه بمناسبة أدائه اليمين الدستورية رئيساً لجمهورية مصر العربية الشقيقة، منتظراً انتهاء مراسم التنصيب، على خلاف بقية الرؤساء والحكام العرب، الذين سارعوا لتهنئة السيسي بالفوز، حال صدور نتائج الانتخابات.

وأشار خبراء إلى أن قطر تشهد صراعاً قوياً بين الحرس القديم وتطلعات الأمير الجديد الذي يريد إبعاد البلاد عن ملفات معقدة أدت إلى تعرضها لضغوط دولية وإقليمية، آخرها الغضب الأمريكي من مساندة الدوحة لتيارات متطرفة مرتبطة بالقاعدة في سوريا وليبيا.

فشل مبادرة الشيخة موزة
ووفي خطوة اعتبرها المراقبون بمثابة "ضعف"، استعان الأمير القطري في القضية المصرية بوالدته الشيخة موزة، التي طرحت ما أسمته "مبادرة للسلام في منطقة الشرق الأوسط"، والتي حملها من الشيخة موزة في قطر إلى مصر، مدير مركز ابن خلدون الإنمائي الدكتور سعد الدين ابراهيم، وفشلت تلك "المبادرة" لأسباب عديدة منها توقيت المبادرة المزعومة المشبوهة، وكون صاحب المبادرة، أم حاكم قطر، وليس حاكم قطر نفسه.

ووصف مراقبون مصريون مبادرة الشيخة موزة، بأنها تهدف إلى الوقيعة بين مصر ودول الخليج، وباقي الدول العربية، وشق العزلة العربية الأخذة في التزايد ضد قطر.

وشن العديد من المثقفين والسياسيين المصريين هجوماً شديداً على الدكتور سعد الدين إبراهيم، وذلك عقب لقائه بالشيخة موزة والدة أمير قطر.
واعتبر سياسيون مصريون وساطة سعد الدين إبراهيم ، المعروف بلقب "العراب الأمريكي" بسبب علاقاته الوثيقة بمسؤولين أمريكيين، وبأنه كان همزة الوصل بين الولايات المتحدة والإخوان، وساطة غير مقبولة ومبادرة مرفوضة.

خلاصة مواقف تميم في عامه الأول من الحكم، تظهر ثبات استمرار النهج القديم تجاه الملفات الرئيسية، بما فيها قضية مصر وسوريا، ودعم جماعة الإخوان، بالإضافة إلى أنها توضح "ضعف" الأمير في تعامله مع القضايا الكبرى مثل قضية سحب السفراء، واختياره للبقاء بعيداً عن الساحة الإعلامية والظهور بهيئة "الرجل الغامض".

T+ T T-