الأحد 5 ديسمبر 2021
موقع 24 الإخباري

صفحة "كلنا خالد سعيد" على فيس بوك.. من هنا بدأ الغضب

صفحة "كلنا خالد سعيد" على فيس بوك
صفحة "كلنا خالد سعيد" على فيس بوك
بعد أكثر من عامين من انطلاق الثورة المصرية، لم تعد صفحة "كلنا خالد سعيد" على موقع فيس بوك "أيقونة الثورة" كما كانت تسمى، إذ لا تسلم بين وقت والآخر من الاتهام بأنها تدعم الإخوان على حساب المعارضة، أو العكس.

يبلغ عدد المصريين على موقع فيس بوك 11 مليوناً، ربعهم أعضاء في صفحة "كلنا خالد سعيد". ربما يكشف هذا العدد حجم تأثير الصفحة في الشارع المصري، حيث يصل عدد التعليقات على بعض التدوينات إلى مائة ألف تعليق وإعجاب.

وتعتبر صفحة "كلنا خالد سعيد"، هي الأكثر انتشاراً في الفضاء الإليكتروني المصري إذ يقترب المشتركون من حاجز الـ 3 ملايين متابع، كما أن لها نسخة أخرى ناطقة بالغة الإنجليزية، تحمل اسم We Are All Khaled Said.

مقتل خالد سعيد
عندما اعتدى مخبران من جهاز الشرطة المصرية، بالضرب والتعذيب على الشاب السكندري خالد سعيد حتى الموت، لم يكونا يعلمان أنهما بهذا الشكل يضعان البذرة الأولى لصفحة "كلنا خالد سعيد"، بل يضعان البذرة الأولى للثورة المصرية التي دعت إليها الصفحة.

وبحسب ما حكاه مؤسس الصفحة الذي يعمل مديراً للتسويق بشركة غوغل الشرق الأوسط وائل غنيم، في كتابه "الثورة 2.0"، وفي الفضائيات فإن لحظة التأسيس الأولى كانت كالتالي: "البداية كانت لما شفت صورة خالد وهو مقتول، دخلت أوضة المكتب بتاعتي، وقعدت أعيط لمدة ساعتين، حسيت قد إيه إننا بقينا شعب جبان شعب بيقبل بالإهانة والذل، وقررت إني هابدأ بنفسي وهغير كل حاجة غلط كنت بعملها، وعشان كده عملت الصفحة".

كان الهدف الأول للصفحة هو الدفاع عن خالد سعيد وإيقاف التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، بعد أن امتلأت الصحف الرسمية بمقالات تدافع عن القتلة وتتهمه بأنه كان يتعاطى المخدرات، فقادت الصفحة حملة الدفاع عنه وفضح القتلة وكشف الأدلة، كما قامت بتنظيم عدد من الفعاليات التي شهدتها مصر لأول مرة مثل السلاسل البشرية، والوقفات الاحتجاجية السلمية أو إرسال رسائل لضباط الشرطة عبر فيس بوك .

تأسست الصفحة يوم 10 يونيو 2010، أي بعد رحيل خالد سعيد بـ 4 أيام فقط، وقبل قيام الثورة بحوالي 7 أشهر فقط، وتجاوزت الصفحة حاجز الـ4000 آلاف عضو خلال أقل من ساعة واحدة، ثم وصلت إلى 100 ألف عضو خلال 3 أيام، و184000 بعد 10 أيام، وهو ما يدل على حالة الغضب الشعبي الذي تصاعد عبر موقع فيس بوك احتجاجاً على قتل الشاب خالد سعيد.

ضد الخوف
بدأت الصفحة منذ تأسيسها في كسر حاجز الخوف لدى المصريين وحثهم على الغضب، بأن نشرت عدة صور لحوادث تعذيب أخرى، والتأكيد على أن دماء خالد سعيد في رقبة المصريين جميعاً، ثم دعت إلى مظاهرة منزلية، بأن يقوم كل عضو فيها بتصوير نفسه وهو يحمل لافتة "أنا خالد سعيد"، ثم تطور الأمر إلى وقفات صامتة متتالية في الشوارع لا تحتك بالشرطة، بدأت بوقفة 18 يونيو 2010 بالقاهرة والإسكندرية، أي بعد تأسيسها بثمانية أيام فقط، ثم وقفة ومظاهرات 25 يونيو التي شارك فيها المعارض المصري محمد البرادعي.

كان البرادعي حاضراً طوال الوقت في الصفحة، سواء بمشاركته في الوقفات التي تنظمها، أو بتغطية نشاط الجمعية الوطنية للتغيير التي أسسها مع فصائل المعارضة المصرية المختلفة، أو بوجود محبيه في فريق عمل الصفحة، مثل المدون عضو حزب الدستور عبد الرحمن منصور، والمنسق العام لحملته مصطفى النجار، والناشطة الحقوقية نادين وهاب، وهو الأمر الذي أعطى ثقلاً وحضوراً للصفحة داخل الأوساط السياسية.

استغلت الصفحة الأحداث السياسية جيداً للتنديد بالتعذيب والحشد لحالة الغضب، ففي يوم الانتخابات البرلمانية 2010 دعت الصفحة أعضاءها إلى الذهاب إلى لجانهم الإلكترونية وكتابة اسم خالد سعيد في ورقة الانتخاب، وبحسب بعض المحللين فإن عبقرية الفكرة كانت في أنها دفعت شبابا غير مسيس إلى الاحتجاج على الانتخابات عن طريق إبطال الأصوات، لكنها أيضاً وضعتهم وجها لوجه أمام البلطجة والهمجية التي مورست في الانتخابات من تزوير وبلطجة وتدمير للصناديق وحصار أمني، وهي التجاوزات التي رصدتها بالفعل كاميرات وعيون أعضاء الصفحة، ووثقوها بالنشر على الصفحة، لتزيد من حالة الغضب ضد نظام مبارك.

الغضب يفجر الثورة
كان هذا الغضب هو وقود الثورة المصرية، الذي استغلته الصفحة في تنظيم فعاليات مبتكرة لم تشهدها مصر من قبل مثل الدعوة لتنظيم وقفات احتجاجية، أو عمل سلاسل بشرية أو دعوة شباب مصر للوقوف على الكورنيش من أسوان إلى الإسكندرية (لأن خالد سعيد كان يحب الوقوف على الكورنيش).

كانت الإسكندرية في ذلك الوقت هي صانعة الأحداث، فبعد مقتل خالد سعيد حدث تفجير كنيسة القديسين الذي ردت عليه الصفحة بوقفة صامتة شارك فيها المئات من الغاضبين، ثم مقتل الشاب السلفي سيد بلال بعد تعذيبه في أمن الدولة، وهو ما بذر فكرة تحويل عيد الشرطة إلى توقيت للتظاهر ضد البلطجة والتعذيب والانتهاك.

بدأت الدعوة للثورة عبر الصفحة يوم 26 ديسمبر 2010، عندما اقترح الناشط السياسي عبد الرحمن منصور، على غنيم أن يتم تنظيم مظاهرات يوم عيد الشرطة (25 يناير). ولكن ومع نجاح الثورة التونسية، قام غنيم، متأثرا بآراء أعضاء الصفحة التي وضعوها في تعليقاتهم بتغيير الحدث إلى "ثورة على التعذيب والبطالة والفساد والظلم". وكانت هذه هي أول دعوة إلى الثورة ، لكنها انتشرت بين أعضاء الصفحة الذين تجاوزوا آنذاك أكثر من 350,000 عضو، وتبنتها العديد من الحركات والمجموعات السياسية والحقوقية، وقامت الصفحة، بالتعاون مع هذه الحركات بالإعلان عن أماكن المظاهرات.

حشدت الصفحة للثورة بطرق مختلفة، فنشرت صورة بدلة أحد ضباط الجيش بجوارها لافتة "هانت يا مصريين وميعادنا 25 يناير"، وعلقت عليها بأنها من أحد ضباط الشرطة الذي رفض ذكر اسمه، لكنه قال: "بس إحنا معاكو بكل قلوبنا وهنساندكم "، كما نشرت الصفحة دعوة لشباب ألتراس الأهلي والزمالك للمشاركة تحت شعار "ياللا نبقى كلنا ألتراس مصراوي"، وهو ما ظهر قبل الثورة حين هتف بعض شباب الألتراس في إحدى المباريات "تونس.. تونس" في إشارة إلى استجابتهم للدعوة، واستمرت الصفحة في التحفيز عبر نشر فيديوهات لشخصيات تدعو للمشاركة في المظاهرات، وفى مقدمتها فيديو لوالدة خالد سعيد، كما كانت عبارة "أنا نازل يوم 25 يناير" التي كتبها العشرات من المشاركين حافزاً شخصياً للآلاف للمشاركة.

وائل غنيم
لم يكن أحد يعرف من وراء الصفحة حتى تلك اللحظة، لكن مع القبض على وائل غنيم يوم 27 يناير تم الإعلان عن اسمه لتتشكل جبهة ضغط على الداخلية للإفراج عنه، ولم تعترف السلطات بأنها قامت باعتقاله رغم الجهود التي بذلتها أسرته إضافة إلى شركة غوغل.

وبدا أن النظام لم يقو على مقاومة الضغوط الشعبية الشبابية، فخرج رئيس الوزراء وقتها أحمد شفيق ليعد بسرعة الإفراج عنه، حتى يثبت مصداقية الحكومة في فتح باب الحريات وعدم القبض على من يعبر عن رأيه، وفعلاً تم الإفراج عنه يوم 7 فبراير 2011 بعد أن قضى 12 يوماً في السجن وهو معصوب العينين.

تحول غنيم إلى بطل شعبي بعد الإفراج عنه، إذ ظهر على قناة دريم المصرية للتحدث عن اعتقاله وعن أهدافه من المظاهرات, وأشار إلى أن حبه لمصر وشعوره بالأسف للحال التي هي عليها هو ما دفعه إلى المطالبة عبر صفحة كلنا خالد سعيد للخروج يوم 25 يناير، نافياً أن يكون هناك أجندات خارجية أو إقليمية أو حتى وجود من يوجه هؤلاء الشبان من الخارج قائلاً "إن أجندتنا الوحيدة هي حب مصر".

ولدى ذكر الشهداء الذين سقطوا خلال المواجهات وعرض صورهم انهار وائل غنيم وأجهش بالبكاء. واعتذر لأمهات الشهداء قائلاً وهو يبكي: "أريد أن أقول لكل أم ولكل أب فقد ابنه: أنا آسف لكن هذه ليست غلطتنا، والله العظيم ليست غلطتنا، هذه غلطة كل من كان متمسكا بالسلطة ومتشبثاً بها... عايز أمشي"، ثم انسحب من البرنامج.

وكتب موقع مصراوي على شبكة الإنترنت بعد ساعتين من ظهور غنيم على شاشات التلفزيون: "دموع غنيم حركت الملايين حتى إنها قلبت موقف البعض السياسي حيث تحولوا من موقف المؤيد لبقاء مبارك إلى موقف المعارض"، وانضم في نفس الليلة إلى صفحته على فيس بوك مئات الآلاف وأعلنوا دعمهم لثورة الشباب المصري, فيما التحق حوالي 200 ألف شخص بصفحة جديدة على الموقع الاجتماعي حملت عنوان "أفوض وائل غنيم للتحدث باسم ثوار مصر".

اتهامات بالعمالة
واجهت الصفحة عدة اتهامات منذ تأسيسها وحتى الآن وصلت للانقلاب على الثورة. فقبل الثورة واجهت اتهامات بالتخريب والتحريض على النظام، وبعد الثورة استمر فلول النظام السابق في مهاجمتها واتهامها بالعمالة، حيث ربط البعض بين عمل مؤسسها وائل غنيم في شركة غوغل، وبين المخطط الصهيوأمريكي، كما ربط البعض الآخر بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين لفترة بسبب ما قاله القيادي الإخواني عن انتماء أحد المشرفين عليها عبد الرحمن منصور إلى الجماعة، في محاولة لنسب فضل ما قامت به الصفحة إلى الجماعة، وهو ما ثبت كذبه فيما بعد.

ووجه البعض لها اتهامات بأنها تدار من أجهزة مخابرات خارجية، مستندين في ذلك إلى أنه وقت قطع الإنترنت بالكامل عن مصر أثناء الثورة كانت الصفحة تعمل بكامل طاقتها وتنشر دعواتها للتظاهر، وهو ما رد عليه غنيم، بأن أحد أصدقائه كان يقوم بذلك من إحدى الدول العربية حتى لا تتوقف الصفحة عن التفاعل.

لكن الاتهام الذي أثار السخرية، وسعى فلول الحزب الوطني وقتها لإثباته بالفيديو أن عدد متابعي للصفحة، ليسوا حقيقيين وأن الزيادة مزيفة. وكان الفلول يريدون من ذلك ضرب مصداقية الصفحة التي تتحدث باسم الثورة، لتأكيد أن هذه الأعداد التي تدعم الثورة باشتراكها في الصفحة غير حقيقية.

وعلى الرغم من أن الصفحة اتخذت بعد نجاح الثورة الخط الإصلاحي، وتبني مبادرات التنمية، وعدم الانتماء إلى فصيل سياسي، إلا أن الاتهامات المتضادة لم تتوقف، ففي حين اتهمها البعض بأنها تدين بالولاء للإخوان المسلمين، لأنها كانت تدعم مرشح الجماعة أثناء فترة الانتخابات، فوجئ المصريون بالسلفيين يدشنون صفحة جديدة باسم "خالد سعيد النسخة الإسلامية" اعتراضاً على ما أسموه خروج صفحة خالد سعيد "الأصلية" عن حيادها وانحيازها لجبهة الإنقاذ الوطني أثناء أحداث الاتحادية.

كما هاجم نائب رئيس حزب الوسط عصام سلطان الصفحة لأنها انتقدت مواد الحريات في الدستور، واتهمها بعدم الموضوعية، كما اتهم سلفيون الصفحة بأنها حرضت على اقتحام مسجد القائد إبراهيم في الإسكندرية وأنها تتاجر بدم خالد سعيد، كما اتهمت صفحة حزب الحرية والعدالة الصفحة بأنها أحد المحرضين على حرق المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، واقتحام منزل الرجل القوي في الجماعة المهندس خيرت الشاطر.

جدل دائم
تعرف الصفحة نفسها بأنها "لكل المصريين بغض النظر عن دينهم أو عمرهم أو جنسهم أو تعليمهم أو مستواهم الاجتماعي أو انتماءهم السياسي، اتجمعوا عشان عايزين بلدهم أحسن، وعشان حق خالد سعيد يرجع كرمز فوّق كل المصريين وصحاهم"، وتقول الصفحة إنها تهدف للتعريف بقضايا وهموم المصريين خاصة قضايا حقوق الإنسان، وأي انتهاكات لهذه الحقوق التي كفلها الدستور، وتضيف أنها تدافع عن المصريين كلهم وتفضح أية محاولة لتهديد أو ابتزاز أي مصري حتى يتنازل عن حقوقه، وأنها ستظل منبراً للدفاع عن حقوقنا دون أية خطوط حمراء.

وتضيف الصفحة أنها بلا أي توجه سياسي كما لا تنتمي لأي حزب او حركة أو جمعية، لكنها تشارك هموم الوطن مع أية حركة سياسية تنادي بنفس المطالب، لكن مع حالة الجدل المستمرة حولها تتكشف الأزمة الحقيقية في مصر، حيث لم يعد أحد يقبل الرأي الآخر.
T+ T T-