السبت 20 أكتوبر 2018

الخلافة من عظمة أبو بكر الصديق إلى وحشية داعش ابو بكر البغدادى




كان إعلان داعش تحولها من "دولة" إلي "خلافة" مجرد طبعة جديدة من وهم جري تداوله عبر قرون عديدة. والحقيقة أن حلم "الخليفة" القائم بأمور الدين والدنيا، والذي يستمد سلطته من السماء مباشرة قد داعب كثيرين سواء في مصر أو غيرها من البلاد التي أقام فيها مسلمون دولتهم. ونبدأ بالتعريف اللغوي. في المعجم الوسيط "الخلافة هي الإمامة. والخليفة هو المستخلف والسلطان الأعظم". أما التعريف المصطلح عليه فهو أن الخلافة "رئاسة عامة للمسلمين في كل الدنيا".

وقد تداول كثير من الفقهاء موضوع الخلافة بين مؤيد ومعارض كل حسب تجربته أو حسب هواه. وربما حسب مدي ارتباطه بالحاكم الذي يزعم أنه خليفة. والكتابات في هذا الشأن ممتدة بإمتداد زمن الخلاف حول الخلافة.. ونبدأ متعجلين بأصحاب دعوات الخلافة وكونها ركن رئيسي لا يكتمل الإسلام إلا به.

- الإمام أبو الحسن المواردي – (كتاب الأحكام السلطانية ) "إن أهل الرأي متي عقدوا البيعة للإمام لا يجوز لمخلوق نقضها، لأن الرعية عليها بموجب هذه البيعة الطاعة والنصر للإمام ما وسعتهم الطاعة، ولا يحل لهم القيام عليه بحال من الأحوال".

- القانون الأساسي العثماني ينص "ذات الحضرة السلطانية مقدسة وغير مسئولة أمام أحد".

- أبو الاعلي المودودي (نظرية الإسلام وهديه- ص70) والمطلوب للمسلمين الآن هو حاكم يقوم بوظيفة خليفة الله، فليس لأحد أن يأمر وينهي من غير أن تكون له سلطة من الله".

- حسن البنا- (الرسالة- ص27). أن الخلافة إنما تقوم لوراثة النبوة".

- عمر عبد الرحمن- (حتمية المواجهة ص63) "الإمامة في الإسلام موضوعه لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا".

- وتقي الدين النبهاني- حزب التحرير الإسلامي- الأردن. (الخلافة).. " وإقامة خليفة فرض علي المسلمين كافة في جميع أقطار العالم، والقيام به كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله علي المسلمين، وهو أمر محتم لا تخيير فيه، ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي يعذب الله عليها أشد العذاب" ثم "ولا توجد في الإسلام أية رخصة في القعود عن القيام بهذا الفرض حتي يقام. والمهلة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة خليفة بعد وفاة أو سقوط حكم خليفة هي ليلتان فلا يحل لمسلم أن يبت ليلتين وليس عنقه بيعه".

- صالح سرية (رسالة الإيمان) وهو مؤسس التنظيم المسمي إعلاميا بالفنية العسكرية. يقول" أن إنكار الخلافة شرك بالله وكل من فعله فهو كافر وهذا الكفر الجديد أشد كفرا من مشركي الجاهلية".

- شكري مصطفي (التوسمات) وشكري هو أمير ومؤسس "الجماعة المسلمة: المسماة اعلاميا التكفير والهجرة. وهو يسمي نفسه "طه المصطفي شكري أمير آخر الزمان ويقول. قال رسول الله " ستكون فيكم النبوة ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها الله، ثم تكون خلافة علي منهاج النبوة ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها الله ثم ملك عضوض مثل ملك كسري ثم، خلافة علي منهاج النبوة ثم سكت.." ويقول عن نفسه أنه أمير جماعة الحق .. وأن هذه الجماعة قد وضعت حدا فاصلا بين الكفر والإسلام.. ووضعت الحد الفاصل بين من هو المسلم ومن هو الكافر وهي قضية لن يكون إسلام إلا مسلمون ولا بمعرفتها، وهي علامة دمار دولة الكفر وظهور دولة الإسلام".
***

ولأن الخلفاء قد اعتبروا انفسهم المتحدثون باسم السماء فقد تجبروا وطغوا.. ولأن القصص كثيرة وبغير حصر فسوف نختار نماذج مختصرة.

يروي الإمام السيوطي (الاتقان في علوم القرآن- ص48) أن الخليفة عبد الملك بن مروان (حكم في الفترة 73-86 هجرية) خطب يوم ولايته قائلا "أيها الناس لست بالخليفة المستضعف (عثمان) ولا بالخليفة المداهن (معاوية)، ولا بالخليفة المأفون (يزيد) إلا إني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتي تستقيم لي قناتكم، والله لا يفعلن أحد فعلة إلا وجعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوي الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه".

- وشعراء هذا الزمان كانوا في الاغلب علي دين ملوكهم.. وثمة نماذج
أن الخليفــــــة قد أبــــي وإذا أبي شيئــــــــــــــا ابيته
وآخر يقول:
أبوك خليفة وكذاك جـدك وأنت خليفة وذاك هو الكمال
أما الحاكم بأمر الله فقد أوهم العامة أنه يعلم الغيب وأن له ملاكا يأتيه بهذا الغيب. وتملقه شاعره
ما شئت لا ما شاءت الاقدار فإحكم فأنت الواحد القهار
فكأنمـــا أنت النبــــي محمد وكأنما انصارك الانصـار
لكن الشعراء يختلفون في اخلاقهم ومدي شجاعتهم. وفيما كان الحاكم يأمر الله يؤم الصلاة وكانت العادة أن يرسل له البعض رسائل في ورقة مطوية يناولها المصلون من صف إلي صف حتي الخليفة، وصلته ورقة فيها:
بالظلم والجور قد رضينا ولم نرض بالكفر والجنابة
ان كنت تعلم الغيب حقـا فإعرف صاحب الكتابـــة
وثمة شاعر تندر علي المنافق من زملائه الشعراء فقال:
ما قال لا إلا في تشهده لولا الشهادة كانت لاؤه نعم

.. لكن كل ما سبق كان وجها واحدا من الصورة، ذلك أن كثيرا من الفقهاء المعتبرين تبرأوا من مسألة الخلافة ورفضوا نسبتها إلي الشريعة، وإنما كانت في نظرهم رؤية إنسانية تتعلق بأصحابها فقط وعلي هذا النهج كان الكثيرون.

- يقول الشهرستاني (كتاب نهاية الإقدام): أن الامامة ليست من اصول الاعتقاد.
- ويقول الجرجاني (كتاب شرح المواقف): أن الخلافة ليست من أصول الديانات والعقائد بل هي من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين.
- أما الإمام الغزالي (كتاب الاقتصاد في الاعتقاد) : إن الخلافة ليست من المعتقدات.
- وأبو حفص عمر بن جميع (عقيدة التوحيد) أن الامامة مستخرجة من الرأي وليست مستخرجه من الكتاب والسنة.
- والإمام نجم الدين النسفي (العقائد النسفيه) يشترط في الإمام أن يكون من قريش ولا يجوز من غيرهم فإن لم يوجد لا تكون.
- ويؤكد القاضي عضو الدين (المواقف) الخلافة ليست فرضا حتميا فإن لم يوجد مستجمع لشروطها لا يشترط قيامها.
- ويقول الآمدي (غاية المرام في علم الكلام – ص363): إعلم أن الكلام في الإمامة ليس من أصول الديانات، بل لعمري فإن المعرض عنها لأرجي حالا من الواغل فيها، فإنها لا تنفك عن التعصب والأهواء وإثارة الفتن والشحناء".
-
ولم يتخذ كل هؤلاء الفقهاء وغيرهم كثيرون رأيهم السلبي في موضوع الخلافة من فراغ وإنما من دراسة متأنية للقرآن والسنة الصحيحة، فالكثيرون من دعاة الخلافة يستندون إلي عبارات وردت في القرآن مثل "آنا انزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله" (النساء/105) لكن البيضاوي في تفسيره والقرطبي في كتاب "الجامع لأحكام القرآن" يؤكدان أن كلمة تحكم هنا تعني أن تكون قاضيا بينهم.

ويؤكد الكثير من الفقهاء أن كلمة "الحكم" تعني "الحكمة" أو "الرأي السديد" ويستولون علي ذلك بآيات عدة منها "يا يحيي خذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا (مريم/12) ولم يكن النبي يحيي حاكما. بل منحه الله الحكمة وهو صبي . وآية أخري عن عيسي بن مريم تقول" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي"(آل عمران 79) ،ولم يكن السيد المسيح حاكما . وكذلك لوط "ولوطاً آتيناه حكما وعلماً" (الأنبياء 74) وموسي " ولما بلغ أشده واستوي آتيناه حكما وعلماً" (القصص14) .

وعديد آخر من الآيات الكريمة . تؤكد كلها في معناها وفي حقيقة ما تتحدث عنه أن فكرة الحاكم المتحدث باسم السماء والحاكم بأمرها ليست واردة في القرآن الكريم..

وفي كتابه "الكامل في التاريخ" أورد ابن الأثير ما قال إنه حوار دار بين عمر بن الخطاب في أول أيام خلافته وبين المغيرة بن شعبة .. فقال:

ناداه المغيرة " يا خليفة الله" فرد عمر : ذاك نبي الله داود. فقال المغيرة: يا خليفة رسول الله فأجاب عمر "ذاك صاحبكم المفقود (يقصد أبا بكر)، فقال المغيرة إذن أناديك: يا خليفة خليفة رسول الله، فقال عمر: ذاك أمر يطول، فما كان من المغيرة إلا أن ناداه: يا عمر. فقال عمر: لاتبخس مكاني شرفه. أنتم المؤمنون وأنا أميركم"

ومن ساعتها ناداه المسلمون "يا أمير المؤمنين".

ولنا علي ذلك الحوار ملاحظتان الأولي هي أن هذه التسمية صناعة إنسانية أتت عبر حوار، وأخذ ورد وربما كان للحوار أن يتواصل إلي تسمية أخري. أما الملاحظة الثانية فهي أن هذا المنصب ما لبث أن تحول وبعد رحيل ابن الخطاب إلي موقع سياسي تصارعت له قوي سياسية وقبلية كل أراده لنفسه أو لجماعته. و لأن الخلاف علي الخلافة كان تعبيرا عن مصالح بشرية فقد نسي أصحابه أي طابع ديني له وتباروا في صراعات مريرة خلت من أي وازع ديني وأن ظلت تستخدم الدين طلاء لذات الأفعال المنافية للدين.

وكانت الثمار مريرة فالخلفاء الأمويون كانوا 14 والعباسون 22 أي أن مجموعهم تقريبا 36 سبعة عشر منهم قتلوا غيلة، لكن الأكثر مرارة هو أن غالبيتهم كانوا من الأقارب والأبناء والأخوة .. سعيا وراء المنصب بل إن أما قتلت ابنها في هذا الصراع المرير والدائم علي السلطة. الأمر الذي دفع بالصحابي الزاهد أبو ذر الغفاري إلي القول "والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي من كتاب الله ولاسنة نبيه، والله إني لأري حقا يطفأ، وباطلا يحيا، وصدقا مكذبا وأثره يغير تقي".
***
*
وفي مصر جري ويجري حتي الآن حديث كثير يرفض «مصر» الوطن ويواجهها بفكرة الخلافة، ويتحدث أصحاب هذا الرأي بشغف ووله عن الخلافة العثمانية. وفي مواجهتهم يكون هتاف الشعب المصري الذي استمر يردده لأمد طويل «يارب يا متجلي إهلك العثماللي». فكيف كان ذلك؟ ولماذا؟

كيف بدأت علاقة مصر بالعثمانيين وخلافتهم؟ لنعد إلي صفحات التاريخ

كان سلطان مصر في هذا الزمان قنصوه الغوري، وكان يقوم كل عام بالواجب المصري القديم برعاية الأماكن المقدسة سواء في مكة أو المدينة أو القدس، وكان حاكم مصر يشرف بنفسه علي صناعة كسوة الكعبة وتسفيرها مع ركب المحمل. وأتي البريد إلي قنصوه بأن الخليفة العثماني يحشد حشوده لغزو مصر فوجه رسالة إلي السلطان سليم الأول جاء فيها «علمنا أنك جمعت عساكرك وأنك عزمت علي تسييرهم علينا فتعجبت نفسنا غاية التعجب لأن كلنا والحمد من سلاطين أهل الإسلام، وتحت حكمنا مسلمون موحدون».

فرد السلطان سليم في كذب سافر «يعلم الله وكفي به شهيدا أنه لم يخطر ببالنا طمع في أحد سلاطين المسلمين أو في مملكته، أو رغبة في إلحاق الضرر به فالشرع الشريف ينهي عن ذلك»(ابن اياس – بدائع الزهور في وقائع الدهور- ج2- ص124).

لكن سليم الأول كان رغم ذلك مصمماً علي غزو مصر ولم يكن ينتظر سوي فتوي تبيح له ذلك فكيف يغزو بلدا يسمي سلطانه نفسه «خادم الحرمين الشريفين» ويقوم بكسوة الكعبة ويحتضن الأزهر الشريف. وأخيرا جاءت الفتوي علي يد قاضي عسكر الأناضول كمال باشا زاده0 واستند فيها إلي الآية الكريمة «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» وتمضي الفتوي لتقول أن الأرض هي مصر لأنها وردت في آية قرآنية مشيرة إلي مصر. أما عبادي الصالحون فهم طبعاً العثمانيون.

وقد كان، فقد سارع مفتي الأستانة هو أيضا ليؤيد فتوي قاضي العسكر، فأصدر «مفتي الأنام شيخ الإسلام فتوي بوجوب غزو مصر «لأن أهلها قطاع طرق والحرب والقتال ضدهم غزو وجهاد، والمقتول من جيوش السلطان في هذه الغزوة شهيد ومجاهد».. وتقترب الجيوش العثمانية من مصر فيرسل سليم الأول إلي حاكمها آنذاك طومان باي رسالة يقول فيها «إن الله قد أوحي إليّ بأن أملك الأرض والبلاد من الشرق إلي الغرب كما ملكها الإسكندر ذو القرنين، وأنا خليفة الله في أرضه وأنا أولي منك بخدمة الحرمين الشريفين» وبدأ سليم الأول جرائمه في مصر بشنق طومان باي علي باب زويلة0 ولم يغفرها له المصريون ويظلون حتي الآن يطلقون علي هذه البوابة «بوابة المتولي» وهو أحد أسماء طومان باي ولم يزالوا يقرأون الفاتحة كلما مروا بالبوابة.

ويروي ابن إياس في بدائع الزهور الكثير والمخيف من جرائم العثمانيين فيقول «واتجهوا إلي الطحانين فأخذوا البغال والخيول، وأخذوا جمال السقايين، ونهبوا كل ما في شون القمح من غلال، ثم صاروا يأخذون مواشي الفلاحين ودجاجهم وأوزهم وأغنامهم وحتي أبواب بيوتهم وخشب السقوف أخذوه». وأرسل سليم واحدا من أكثر رجاله توحشاً هو جان بردي الغزالي إلي الشرقية «فوصل إلي نواحي التل والزمرونين والزنكلون ونهب ما فيها من أبقار وأغنام وأوز ودجاج وقام بأسر الصبيان وسبي الفتيات باعتبار أنهم أبناء كفار وراح يبيعهم في المحروسة بأبخس الأثمان، وسارع المصريون بشرائهم من سوق العبيد والجواري ثم يهبونهم لأهاليهم، فاشتري أحدهم بنتاً بأربعة أشرفية (جنيهات) ووهبها لأمها، وراح الصالح بالطالح وصارت جثث المصريين مرمية من باب زويلة إلي الرميلة إلي الصليبة فوق العشرة آلاف إنسان ثم انهم أحرقوا جامع شيخو فاحترق الإيوان والقبة» وترك سليم الأول في مصر واليا تركيا يقول عنه ابن إياس «كان يصبح كل صباح وهو مخمور فيحكم في الناس بالعسف والظلم وهو سكران»

ثم يلخص ابن إياس الأيام الأولي للغزو العثماني قائلاً «وأشعلوا في مصر جمرة نار» ولعل تلك الأيام هي التي لقنت المصريين الشعار الذي ظلوا يهتفون به أمداً طويلاً «يارب يا متجلي إهلك العثماللي».

ولم تكن هذه الشراسة والغطرسة مقصورة علي تعامل العثمانيين مع شعب مصر بل شملت كل شعوب المناطق التي احتلتها، وشملت أيضا الهيئة التركية الحاكمة ذاتها «فالدولة العثمانية كانت دولة طبقية بمعني الكلمة.. فالهيئة العثمانية الحاكمة بأكملها من أصغر موظف وحتي الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) كانت بكل أعضائها عبيداً للسلطان ويطلق عليهم المصطلح التركي «قولار»، أي العبيد ومفردها «قول» أي العبد ويقصد به عبد السلطان، وكانت هذه هي تسميتهم جميعا في الأوراق الرسمية» (د. عبد العزيز الشناوي – الدولة العثمانية- ج1- ص9).

وتظل العلاقة المصرية العثمانية علاقة خصومة، وإن كان الجمهور الذي يهتف من أعماقه بهلاك العثماللي يواصل خضوعه للخليفة العثماني باعتباره خليفة المسلمين. أنه ذات التناقض الذي وجد فيه المصريون أنفسهم وهم يخوضون غمار الثورة العرابية. فمنذ البداية حاول عرابي ألا يستثير السلطان العثماني لكنه في ذات الوقت حاول أن يحافظ لمصر علي سيادتها.. ويروي ولفريد بلنت أكد لي عرابي «نحن جميعا أبناء السلطان نعيش كأفراد أسرة واحدة في بيت و احد، كل منا له إقليم من الإمبراطورية، له حجرة مستقلة في المنزل، وهي حجرة خاصة بنا نتصرف فيها وفقا لإرادتنا ويجب ألا نسمح لأحد بأن يعبث بسيادتنا وعلي وضعنا المستقل». ويكتب صابونجي إلي بلنت رسالة أكثر وضوحاً «أن العرابيين يتملقون السلطان ويعلنون ولاءهم له كخليفة للمسلمين لكن الحقيقة هي أن السلطان لا يعنيهم في شيء وحين يحسون بقوتهم سيعلنون إقامة حكومة جمهورية » (بلنت- التاريخ السري للاحتلال البريطاني لمصر- ص17- 47).

وكان السلطان هو أيضا يكره عرابي ويسعي لإفشال ثورته لكنه يحاول خداعه وتملقه فقد أصبح عرابي زعيما ذا نفوذ كبير في إرجاء أقاليم عديدة. وأخيرا أرسل السلطان حملة إلي مصر لتأديب عرابي وانهالت الاعتراضات من مختلف المسلمين في الشام والهند وسيلان والسودان وغيرها.. وتصل الحملة إلي اللاذقية ويصف مراسل «التيمس اللندنية» موقف السكان منها قائلا «لقد حدث هيجان شديد وأعلن السوريون مقاطعتهم للحملة وامتنعوا عن التعامل معها وأظهروا الجفاء والامتهان لها ناعين عليها خروجها لحرب المسلمين0 وخرج عن المقاطعة أحد كبار التجار فباع الجنود العثمانيين طعاما ولحوما فلم ينته اليوم حتي أحرقت كل متاجره في المدينة وكان الرجل يطلب النجدة كالمجنون من الأهالي فيبصقون في وجهه ولا يتحركون لمساعدته بل يتهكمون عليه قائلين أطلب النجدة من سادتك الأتراك») التايمز- لندن – 30-6-1882).

.. وفي الوقت الحرج تماما وصلت من الاستانة إلي الجيوش المصرية وهي تحارب الغزاة الإنجليز كميات هائلة من «الجوائب» وهي الجريدة الرسمية للخلافة المكتوبة بالعربية. وقد تم توزيعها علي الجنود وعلي السكان في مختلف أنحاد القطر وفي صدرها كلمة «بيانامه» ثم بيان طويل جاء في مقدمته «بإرادة سيدنا ومولانا السلطان أمير المؤمنين خليفتنا الأعظم إشعاراً لجميع المسلمين بأن الأفعال التي أجراها عرابي وأعوانه ورفقاؤه في مصر مخالفة لإرادة الدولة العلية السلطانية، ومغايرة لصالح المسلمين0 وبناء علي ذلك تقرر أن عرابي وأعوانه عصاة بغاة وبهذه الصفة تجري معاملتهم» (سليم خليل نقاش- مصر للمصريين – ج5-ص301).

ولا يبقي أمام المصريين سوي أن يواصلوا شعارهم القديم «يارب يا متجلي إهزم العثماللي» وأن يضيفوا إليه شعاراً موحياً «الولس هزم عرابي».

لكن العلاقة المصرية بموضوع الخلافة تظل ملتبسة. ففي مطلع القرن العشرين وعندما تأسس الحزب الوطني شهد وبعد فترة من تأسيسه صراعاً حاداً بين تيارين الشيخ جاويش ينتمي للخلافة ويؤكد «إن إضاعة الخلافة إضاعة للذات» ومحمد فريد يؤكد علي مصرية مصر ويشكو في مذكراته من أن الشيخ جاويش كان يعترض علي أعضاء الحزب الذين «يضعون علي صدرهم دبوساً كتبت عليه عبارة مصر للمصريين» ويقف إلي جانب الدعوة المصرية كثير من الكتاب ومنهم مثلا عبد القادر أفندي حمزة ومنصور فهمي وغيرهما.

أما قاسم أمين فيهاجم الخلافة بشدة قائلا إنها نظام يقوم علي أساس «خليفة أو سلطان غير مقيد، يحكم موظفين غير مقيدين، وربما يقال إن هذا الخليفة يستمد سلطته من الشعب الذي بايعه، لكن هذه السلطة التي لا يتمتع بها الشعب إلا بضع دقائق هي سلطة لفظية أما في الحقيقة فالخليفة هو وحده صاحب الأمر والنهي. أن من أسباب نكبتنا أننا نسند حياتنا علي التقاليد التي لم نعد نفهمها ونحافظ عليها فقط لأنها أتت من الماضي».

أما الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فقد رفض من الأساس فكرة وجود خليفة يحكم باسم السماء وقال «إن السيادة قسمان : سيادة عليا يختص بها الله تعالي، وسيادة أقل درجة يختص بها الشعب وعليه ممارستها. ومن هذه السيادة تكتسب الأمة شرعية دورها كمصدر للسلطة. أما الحاكم فيكتسب سلطته من الشعب » ثم هو يقول جازماً «ومن الضلال القول بتوحيد الإسلام للسلطتين المدنية والدينية، فهذه الفكرة خطأ محض ودخيلة علي الإسلام، ومن الخطأ القول أن السلطان هو مقرر الدين وواضع أحكامه ومنفذها» ثم يعلو صوته مؤكداً «ليس في الإسلام ما يسمي عند قوم بالسلطة الدينية أو المؤسسة الدينية بوجه من الوجوه، ولم يعرف المسلمون في عصر من العصور تلك السلطة الدينية» (الاعمال الكاملة حج2-ص125).

وتمضي المعركة سجالاً لتأتي ثورة 1919 فتحسم الأمر لصالح الدولة المدنية ولصالح شعار جديد «الدين لله والوطن للجميع».
* * *
وكما أتت الخلافة العثمانية من تركيا، فإن نهايتها أتت هي أيضا من هناك. ولعل هذا يفسر لنا عمق المعركة الحالية بين العلمانيين الأتراك وبين حكم اردوغان.

لكن قيام أتاتورك بانهاء «الخلافة » ترك بصمات بالغة الأهمية في مصر، وعلي مفكريها وسياسييها.

فبعد أربعة أيام فقط من قرار أتاتورك بإلغاء الخلافة اجتمع بعض علماء الأزهر وأصدروا بيانا أعلنوا فيه «بطلان ما قام به الكماليون لأن الخليفة قد بويع من المسلمين ولا يمكن خلعه» 18).

لكن موقع الخليفة الشاغر أسال لعاب الكثير من الحكام المسلمين كل منهم ينشد المنصب لنفسه، الملك أمان الله ملك الأفغان، والملك حسين بن علي ملك الحجاز، وكان هنا أيضا الملك فؤاد الذي تحصن بالثقل الحضاري والثقافي لمصر وبأزهرها الشريف وسارع للمطالبة بالموقع.
 وهنا تغير موقف بعض شيوخ الأزهر فنسوا بيعة الخليفة المخلوع واهتموا بطموحات الملك فؤاد وقرروا دعوة ممثلي جميع الأمم الإسلامية إلي مؤتمر يعقد في القاهرة برئاسة شيخ الأزهر للبحث فيمن يجب أن تسند إليه الخلافة ومكان وجوده، وحددوا شهر شعبان من العام التالي لانعقاده» (المنار- المجلد 25- مارس 1924).

وتدور عجلة الإعداد لهذا المؤتمر مستمدة حماسها من حماس الملك فؤاد وشغفه بأن يكون خليفة للمسلمين، وفي ربيع أول 1343هـ (اكتوبر 1924) صدرت نشرة أسميت «المؤتمر» وأعلن أصحابها أن الهدف منها هو الدعوة لحضور المؤتمر وإنجاحه وتحديد أهدافه وفي صدر العدد الأول نشر مقال للشيخ رشيد رضا يؤكد ضرورة عقد المؤتمر لأنه «أول مؤتمر إسلامي عام يشترك فيه علماء الدين والدنيا من كل الأمم الإسلامية ، خاصة أن مهمته هي وضع قواعد للحكومة الإسلامية المدنية التي يظهر فيها علو التشريع الإسلامي واختيار خليفة وإمام للمسلمين» (المؤتمر- ربيع أول 1343هـ).

لكن قوي عديدة تكاتفت لإفشال هذا المؤتمر، فالملوك تنافسوا علي موقع الخليفة، والدول التي كانت تحكمها الخلافة تسارعت إلي إعلان قيام كيانات وطنية ، والقوي الاستعمارية سيطرت علي عديد منها. وكان هناك في مصر رئيس وزراء شديد العداء للفكرة هو سعد زغلول، أما حلفاء الملك فؤاد من حزب الأحرار الدستوريين فقد كانوا بسبب من موقفهم الليبرالي خصوما للفكرة ، وكتبت جريدتهم «السياسة» «إن الدستور ينص علي أنه لا يجوز للملك أن يتولي مع ملك مصر أمور دولة أخري بغير رضاء البرلمان ومن ثم يتعين ترك بحث هذه المسألة للسياسيين، وأن يعدل علماء الأزهر عن دعوتهم لهذا المؤتمر» (السياسة – مارس 1926) وفي «السياسة » كتب الشيخ علي عبد الرازق (وكان من الأحرار الدستوريين) مقالا كشف فيه كل أوراق اللعبة ، مؤكدا أن الحماس للخلافة ليس حماساً للإسلام وإنما مساندة لمطامع الملك فؤاد فقال: «كانت مسألة الخلافة أولا دفاعاً عن مقام معين يراد الاحتفاظ به كأثر يحتاج إلي العناية، وكمريض يحتاج إلي الحماية». ويمضي المقال قائلا «والآن انتقلت المسألة إلي وضع آخر، واتجه الرأي إلي العمل علي إيجاد مقام جديد يحمل حمل ذلك الأمر الذاهب، لأن أناساً يريدون أن يبقي في الوجود ذلك الشيء ليكونوا له حماة » كذلك شنت الصحف الوفدية حملات ضارية علي المؤتمر وعلي فكرة الخلافة ذاتها. وكان انعقاد المؤتمر في 13 مايو 1926 إشهاراً لوفاته، ومن هزال الحضور إلي هزال النتائج، فشل المؤتمر وفشل الملك فؤاد في تحقيق طموحه، وبقي من المسألة صراع فكري وسياسي محتدم.

ولكن الشيخ علي عبد الرازق هو صاحب الضجة الأكثر صخبا، ربما لأنه كان صاحب الفكرة الأكثر عمقا فهو أزهري متعمق في دراسة الفقه الإسلامي وحائز علي شهادة العالمية ودرس فوق ذلك بالجامعة المصرية وتخصص في الأدب العربي والفلسفة ثم سافر إلي انجلترا ليدرس في اكسفورد مستهدفا التخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية . وفوق هذا وذاك انتسب - وهو لم يزل طالبا- إلي مجموعة ليبرالية تضم د0محمد حسين هيكل ومحمود عزمي وعزيز ميرهم ود.منصور فهمي.. وهكذا ندرك أن الشيخ علي عبدالرازق لم يهبط فجأة علي ساحة الفكر المصري بل تكوّن ونضج فيها عبر سنوات من الكتابة والعمل الفكري والسياسي ومن النضال السياسي سواء في صفوف «الحزب الديمقراطي» أو مع مؤسسي حزب الأحرار الدستوريين.

وكان كتاب «الإسلام وأصول الحكم» ثمرة لذلك كله، فلنحاول مطالعة بعض مما جاء فيه «الحكم والحكومة والقضاء والإدارة ومراكز الدولة هي جميعا خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهي عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلي أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة» (ص22). ويقول حول موضوع الخلافة «إذا كان في الحياة الدنيا شيء يدفع المرء إلي الاستبداد والظلم ويسهل عليه العدوان والبغي فذلك هو مقام الخليفة .. ومعه لا شيء إلا العسف ولا حكم إلا السيف» (ص23) ويمضي قائلا «إن شعائر الله تعالي ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف علي ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة وأولئك الذين يسميهم الناس خلفاء ، فليس من حاجة إلي تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة علي الإسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد » (الاسلام وأصول الحكم – ص28).

ويسأل الشيخ هل كان الرسول رسولا ملكا أم رسولا فقط؟ ويجيب «أن القرآن صريح في أن محمداً (صلي الله عليه وسلم) لم يكن إلا رسولا خلت من قبله الرسل»، ثم هو يؤكد بعد ذلك أن الرسول لم يعين من بعده خليفة ، وإن كل الذين تزعموا المسلمين من بعده ومن بينهم الخلفاء الراشدون كانت زعامتهم مدنية أو سياسية وليست دينية، وأن أبا بكر هو الذي أطلق علي نفسه لقب خليفة، وإن بيعته كانت ثمرة اتفاق سياسي، ومن ثم فإن حكمه كان حكما مدنيا وكان اجتهاده اجتهاداً دنيويا.

المهم، صدر الكتاب وقامت الدنيا ولم تقعد، فقد حرك الكتاب المياه الليبرالية الراكدة في المجتمع فتكتب مجلة الهلال «إن كل أمة إسلامية حرة في انتخاب من تريده حاكما عليها، وسواء كان الأستاذ علي عبد الرازق قد وفق إلي أن يسند نظريته إلي الدين أم لم يوفق فإن هذه النظرية تتفق وأصول الحكم في القرن العشرين الذي يجعل السيادة للأمة دون سواها» (الهلال - يوليو 1925). وكتبت جريدة المقتطف «أننا نعتقد أن كل ما قاله حضرة القاضي علي عبد الرازق وأمثاله قرين الصواب وخال من الخطأ» (المتقطف – اغسطس 1925).

ثم تأتي مساندة ذات قيمة كبيرة من أحمد شوقي:
مضت الخلافة والإمام فهل مضي
ما كان بين الله والعُبـــــــــاد
والله ما نسي الشهادة حاضر
في المسلمين ولا تردد شادي
والصوم باق والصلاة مقامة
والحج ينشط في عناق الحادي

وعلي الضفة الأخري كان غضب الملك وغضب عديد من رجال الأزهر وغضب غيرهم. وكتب رشيد رضا محرضاً من لا يحتاج إلي تحريض «لا يجوز لمشيخة الأزهر أن تسكت علي هذا الكتاب، لئلا يقول صاحبه وأنصاره أن سكوتهم عنه إجازة له، أو عجز عن الرد عليه» )المنار 21-6-1925(وسريعا أصدر الشيخ محمد بخيت المطيعي كتابا يتهم فيه علي عبد الرازق بالوقوف ضد الدين. أما الشيخ الخضر حسين فقد أصدر كتابا بعنوان «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم» واللافت للنظر أنه أهدي الكتاب إلي «حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر الأعظم».. طالباً منه «حراسة الشريعة بالحجة والحسام». وجاء الحسام عبر هيئة كبار العلماء بالأزهر التي اجتمعت بالمؤلف وحاكمته وأصدرت حكمها في 12 أغسطس وقررت «نزع شهادة العالمية منه ومحو اسمه من سجلات الجامع الأزهر وطرده من كل وظيفة لعدم أهليته للقيام بأية وظيفة دينية أو غير دينية». وأسرع شيخ الأزهر ليبرق للملك بالحكم «شاكرا له غيرته علي الدين من عبث العابثين وإلحاد الملحدين وحفظ كرامة العلم والعلماء».

وتجري مياه كثيرة في نهر هذه المعركة لكن نهايتها تبقي مثيرة للدهشة حتي الآن، ففي عام 1947 كان حزب الأحرار الدستوريين شريكا قويا في الحكومة ورغب في تعيين علي عبد الرازق وزيراً، وبناء علي رغبة سامية اجتمعت هيئة كبار العلماء ومعها أعضاء المجلس الأعلي للأزهر في 25 فبراير 1947 لتوجه رسالة للملك فاروق جاء فيها «أن المجتمعين يلتمسون من جلالة الملك وفضله غزير علي الأزهر أن يتفضل فيعفو عن الأثر المترتب علي الحكم الذي أصدرته هيئة كبار العلماء منذ 22 عاما» وقبل الملك الالتماس ثم أصدر مرسوما ملكيا في 3 مارس 1947بتعيين الشيخ علي عبد الرازق وزيراً للأوقاف..

وهكذا ثأر الشيخ لنفسه ولكتابه.
لكن مسألة الخلافة تبقي، تخبو ثم تعود وتحتاج إلي مزيد من المواجهة .
* * *

ويبقي وهم الخلافة ، بل ويتحقق لأمير آخر في أفغانستان هو الملا عمر وهو مجرد ملا، أي طالب دين لم يتم تعليمه أما المولوي فهو الطالب الذي أتم تعليمه وتخرج عالماً في الشريعة. نحن إذن إزاء مجرد طالب في مدرسة دينية ومع ذلك أسمي نفسه رسميا "المجاهد الأكبر، خادم الإسلام، أميرالمؤمنين ملا محمد عمر المجاهد". وقد أسس ملا عمر إمارته علي أنقاض المتصارعين علي السلطة في أفغانستان من "المجاهدين" بعد انسحاب الجيوش السوفيتية، وكان صراعهم وحشياً. وقد بدأ حركته في قرية "كشك نخود" حيث أخذ قطعة من قماش أبيض كتب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ورفعها علي أحد مباني القرية معلنا قيام حركته التي تجمع حولها خمسون طالبا.. وبهم أسس دولة الخلافة التي تزايد عدد جنودها ليصل إلي 313.

ونطالع بعض معلومات عن هذه الإمارة وردت في كتاب "طالبان. العمائم والمدافع والأفيون" لمؤلف مصري هو الأستاذ عبد الحليم غزالي وربما كان هذا الصحفي أحد القلائل الذين تلقوا "بشارة" اللقاء مع الملا عمر وأجري معه حواراً، ويعتقد الطلبانيون أن من يقابل الملا ولو مرة واحدة لن يدخل النار مهما فعل. والمعلومات والمواقف كل منها مثيرة للدهشة، وفي هذا الكتاب نقرأ «..عارف الله العارف نائب وزير الاقتصاد لم يدرس الاقتصاد وليس لديه أية إحصائيات أو أرقام. وعندما سأله الصحفي عن رأيه في "العولمة" قال أنها أول مرة يسمع فيها هذه الكلمة. وملا محبوب الله رئيس فرع البنك الوطني في قندهار لم يدرس الأقتصاد ويقول ببساطة: ذهبت إلي كابول وتعلمت كيف تحفظ الأموال. وهو لا يعرف معني كلمة تضخم. أما مبادئ الإمارة فهي ترفض الانتخابات فهي بدعة نصرانية، وكذلك الديمقراطية، والأمير يستمع لأهل الشوري لكنه في نهاية الأمر يعمل برأيه هو إعمالا لقوله تعالي: "فإذا عزمت فتوكل". - لا يجوز تصوير ما فيه روح - الغناء والموسيقي ممنوعان - وقد سمح الأمير بزراعة الأفيون والاتجار فيه، وتحصل الإمارة علي ذكاة الزروع من منتجية وهي العشر ويقدر تقرير للأمم المتحدة أن إنتاج الأفيون قد زاد بنسبة 84% في ظل حكومة طالبان وبلغت قيمة100 مليون دولار (الأمم المتحدة – تقرير اللجنة الدولية لمكافحة المخدرات – عام 1998) أما عن دور أسامة بن لادن في هذه الإمارة فهو معلوم بما لا يحتاج إلي مزيد من الايضاح،.. وكذلك مصير دولة الخلافة ومصير أميرها المجاهد الأكبر خادم الإسلام أمير المؤمنين.

وتمثل جماعة الإخوان أحد أهم القوي المعاصرة التي تنادي بفكرة الخلافة وضرورة بعثها وقد امتازت بأنها أقامت تنظيما دوليا علي نمط الخلافة المنشودة..وتقول الوثيقة المعنونة "النظام العام للإخوان المسلمين" "الإخوان المسلمون في كل مكان جماعة واحدة تؤلف بينها الدعوة ويجمعهم النظام الأساسي".

أما المادة الثانية فتقول "الإخوان المسلمين هيئة إسلامية جامعة تعمل لإقامة دين الله في الأرض" ونواصل القراءة في أهداف الجماعة منها "تحرير الوطن الإسلامي بكل أجزاءه.. والسعي إلي تجميع المسلمين جميعا حتي يسيروا أمة واحدة" (ونلاحظ وطن إسلامي واحد وأمة واحدة علي نطاق العالم). وتهدف الجماعة إلي "إعداد الأمة إعدادا جهاديا لتقف جبهة واحدة .. تمهيدا لإقامة الدولة الإسلامية الراشدة" م3 توضح الوثيقة الهيكل التنظيمي الذي يقف علي رأسه المرشد العام ومراقب عام في كل قطر والمراقبون أعضاء في مجلس الشوري العام" م11 ويتشكل مكتب الإرشاد العام من 13 عضوا ثمانية أعضاء من مصر وخمسة يراعي في اختيارهم التمثيل الإقليمي. والجميع في كل الأقطار ملزمون باتباع تعليمات مكتب الإرشاد العام حول الأهداف والسياسات العامة ومواقف الجماعة من مختلف الاتجاهات والتجمعات والقضايا المتنوعة أما التفاصيل فمتروكة لإخوان الأقطار فأهل مكة أدري بشعابها..

وهكذا أقامت الجماعة خلافتها الخاصة بها علي امتداد وجودها في مختلف الأقطار سعيا وراء إقامة دولة الخلافة.

وهنا تلح علينا المقارنة ونحن نختتم هذه الدراسة.. فأبو بكر الصديق علي عظمته وعلو شأنه وقف يوم توليه الخلافة قائلا "أما والله ما أنا بخيركم ولقد كنت لمقامي هذا كارها ولوددت أن فيكم من يكفيني" ثم "أتظنون أني أعمل فيكم بسنة رسول الله؟ إذا لا أقوم بها، أن رسول الله كان يعصم بالوحي، وكان معه ملك، وإن لي شيطانا يعتريني، ألا فراعوني. وأن زغت فقوموني" (ابو جعفر الطوسي- تلخيص الشافي- ج1-ص9).

أما المدعو أبو بكر البغدادي الذي اعلن خلافته بعد أن ذبح من المسلمين مئات وربما آلاف فأنه النموذج النقيض الذي يقيم بما يسمونه "ولاية المتغلب" وكلما كان أكثر وحشية كان الأولي بالخلافة. فسحقا لها من خلافه.

ولعل شوقي كان علي حق تماماعندما صاح
إذا زرت يا مولاي قبر محمــد
وقبلت مثوي الأعظم العطرات
فقل لرسول الله يا خير مرسـل
ابثك ما تـدري من الحســـرات
شعوبك في شرق البلاد وغربها
كأصحاب كهف في عميق سبات


T+ T T-