المؤثرون (الصورة - قمة المليار متابع/ إنستغرام)
الجمعة 19 يونيو 2026 / 16:55
في الوقت الذي يتجه فيه الإنفاق الإعلاني العالمي في قطاع صناعة المحتوى والتأثير الرقمي نحو ملامسة حاجز الـ 37 مليار دولار، لم تعد دولة الإمارات تكتفي بمواكبة هذه الطفرة، بل أعادت هندستها بالكامل.
تحوّل المؤثرون في الدولة من مجرد "أصحاب حسابات مليونية" إلى أصول اقتصادية ومشاريع استثمارية تدر الملايين، لتتحول الإمارات إلى العاصمة الإقليمية والأولى عالمياً لاقتصاد المبدعين (Creator Economy) بسوق يتوقع أن يصل إلى 2.4 مليار درهم خلال العام الجاري.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه نفسه: ماذا تفعل الإمارات تحديداً لاستقطاب المؤثرين وصناع المحتوى وتشجيعهم؟
الإجابة تكمن في استراتيجية خماسية الأبعاد تمزج بين التمويل السخي، والبيئة التشريعية، والذكاء اللوجستي:
1. بناء "مقر سيادي" للمبدعين وتسهيل الإقامة والتأسيس:
لا تترك الإمارات صانع المحتوى يعاني من المعاملات البيروقراطية؛ بل أنشأت له منظومة متكاملة تحتضن أفكاره:
مركز "Creators HQ": أطلقت الدولة مطلع عام 2025 "مقر المؤثرين"، وهو أول مركز متخصص من نوعه في المنطقة، يستهدف استقطاب 10,000 مؤثر ومبدع عالمي.
خدمات شاملة: يقدم المركز حزم دعم متكاملة تسهل على المبدعين الانتقال والعيش، وتشمل استخراج الإقامات، وتأسيس الشركات القانونية في دقائق، وإتاحة أكثر من 300 ورشة عمل سنوياً بالتعاون مع عمالقة التكنولوجيا مثل ميتا، تيك توك، وإكس.

2. ضخ تمويلات ضخمة وتحويل المبدعين إلى "رجال أعمال":
تجاوزت الدولة فكرة "صانع المحتوى الذي يعيش على الإعلانات الفردية"، إلى صناعة "مؤسسي شركات ناشئة":
مسرعة "كرييتورز فنتشرز أكسيليريتور": بالتعاون مع شركة الاستثمار العالمية "500 غلوبال"، تم إطلاق هذه المبادرة في يناير (كانون الثاني) 2026، حيث خصص لها مركز "Creators HQ" ميزانية تصل إلى 50 مليون درهم للاستثمار في مشاريع صناع المحتوى وتحويل حساباتهم الرقمية إلى شركات قابلة للتوسع عالمياً.
صندوق دعم صناع المحتوى: صندوق سيادي بقيمة 150 مليون درهم (41 مليون دولار) جرى تدشينه لتمكين الشركات الناشئة في الإعلام الجديد وتوفير الأدوات والتقنيات اللازمة لنموها.
3. صياغة "عمارة سينمائية" تعشقها خوارزميات المنصات:
توفر الإمارات، ودبي تحديداً، بنية تحتية بصرية لا توجد في أي مكان آخر في العالم، وهو ما تحتاجه الخوارزميات للانتشار:
المحتوى عالي القيمة المتصورة (High Perceived Value): تؤكد منصة "tikit" أن أنظمة البناء الفريدة في دبي تشكل استوديو مفتوحاً، فناطحات السحاب فائقة الحداثة، المنتجعات الفاخرة، والصحراء السينمائية تسمح بإنتاج فيديوهات ذات جودة بصرية مبهرة، وهي النوعية التي تمنحها خوارزميات تيك توك وإنستغرام ريلز الأولوية في الظهور، حيث تستحوذ الفيديوهات القصيرة وحدها على 60% من الإنفاق التسويقي في الدولة عبر منصة inflink.
4. خلق "موسم الهجرة الرقمية" عبر قمة المليار متابع:
تجمع الإمارات قادة هذه الصناعة في مكان واحد سنوياً لتبادل الصفقات والخبرات:
تحولت "قمة المليار متابع" في دبي إلى "بوصلة المبدعين العالمية"؛ ففي نسخة 2026 استضافت الدولة أقطاب المحتوى العالمي مثل مستر بيست (500 مليون متابع على يوتيوب)، وأحمد الغندور (الدحيح)، وسيمون سكويب.
لم تعد القمة مجرد حدث ترفيهي، بل منصة لإطلاق جوائز كبرى مثل "جائزة صناع المحتوى التعليمي" بالشراكة مع TikTok بقيمة 100 ألف دولار، وصندوق "المحتوى الاجتماعي" بقيمة 5 ملايين درهم.
5. سوق محلي ناضج وبيئة أعمال مرنة:
تشجع الدولة الشركات المحلية على تبني واحتضان هؤلاء المبدعين من خلال سوق استهلاكي نشط وثقة متبادلة:
ثقة المستهلك: يبدي 78% من المستهلكين في الإمارات ثقة كاملة في توصيات صناع المحتوى، وتعتمد 92% من العلامات التجارية على التسويق الرقمي بزيادة 14% عن عام 2024.
حاضنة للمؤثرين الصغار (Micro-Influencers): تدعم بيئة الأعمال مرونة التعاقدات؛ حيث يفضل 68% من الشركات الصغيرة والمتوسطة التعامل المباشر مع المؤثرين الصغار (بين 1,000 و10,000 متابع) نظراً لأنهم يحققون معدلات تفاعل أعلى بـ 3 إلى 5 مرات من المشاهير الكبار وبكلفة أقل، مما يضمن تدفقاً مالياً مستداماً لكافة فئات المبدعين.
مؤشر الهوية 2026: تظهر اتجاهات العام الحالي أن الذكاء الإماراتي في جذب المبدعين لا يلغي الهوية؛ إذ إن المحتوى الذي يدمج معالم الدولة وعناصر الثقافة العربية يحقق تفاعلاً أعلى بنسبة 45%، مما يثبت أن أصالة المحتوى الممتزجة بعالمية البيئة الإماراتية هي التوليفة السحرية التي جعلت من الدولة الوجهة الأولى لصناع المحتوى حول العالم.