قال الكاتب الأمريكي جورج فريدمان، إن المعركة الدائرة في بوكروفسك في شرق أوكرانيا تكشف تحولاً جوهرياً في أسلوب القتال الروسي، من اندفاعات خاطفة، واسعة إلى حرب استنزاف، مركّبة تقوم على تفتيت القوات الأوكرانية عبر اشتباكات متعددة، وصغيرة النطاق.
وأضاف فريدمان، المحلل الاستراتيجي ومؤسس موقع "جيبولتيكال فيوتشرز" لتحليل الجغرافيا السياسية والاتجاهات الدولية، في مقاله بالموقع الأمريكي، إن الهدف لم يعد اختراق الجبهات دفعة واحدة، بل تشتيت المدافعين، وإجبارهم على دفع كُلفة بشرية متواصلة تعجز كييف عن تحملها بحكم محدودية قوّاتها مقارنة مع روسيا.
وأوضح الكاتب أن موسكو، بعد فشل محاولات الحسم السريع في 2022، وعجز الهجمات الكثيفة لاحقاً عن كسر الدفاعات الأوكرانية، انتقلت إلى اشتباكات قريبة المدى، بقوات أقل حجماً، وعلى جبهات متعددة. وتابع الكاتب أن المنطق العملياتي بسيط وقاس، فروسيا قادرة على تحمّل خسائر تفوق ما تستطيع أوكرانيا تحمله، وبالتالي تتحول المعركة إلى مسألة حسابية بحتة.
حساب الدم والوقت
وأضاف الكاتب أن حروب الاستنزاف تقوم على ثلاثة عوامل، الزمن اللازم لابتلاع الدفاعات المقابلة، والقدرة على تموين اشتباكات كثيرة متزامنة، ثم المعنويات بوصفها عاملاً غير قابل للقياس، لكنه حاسم. وأوضح الكاتب أن موسكو تراهن على أن الاشتباكات الأصغر تسمح بامتصاص الخسائر، ومواصلة الضغط إلى أن تتآكل القدرة الأوكرانية على القتال. وقال الكاتب إن هذا النمط من القتال يمنح المدافع أفضلية الانسحاب المنظم نحو خطوط إمداد أقصر، فيما يطيل خطوط تموين المهاجم، ويعرّضها لهجمات الطائرات دون طيار، ومشاكل اللوجستيات. وتابع الكاتب أن نجاح خطة موسكو مشروط بمنع القوات الأوكرانية من التراجع التكتيكي الذي يقصّر مسافاتها ويطيل مسافات الخصم.
لوجستيات ومعنويات ومقامرة
أوضح الكاتب أنه إذا حافظت القوات الروسية على معنويات مرتفعة، وقدرة تموين فعالة بعيداً عن مراكز الإسناد، فقد تنجح الاستراتيجية. لكنه أضاف أنها قد تكون أيضاً الطريق الوحيدة المتبقية لموسكو بعد فشل الخيارات الأخرى، ما لم تُفضِ إلى اتفاق سلام. وقال الكاتب إن أفضل ما تفعله كييف هو تفادي التطويق، والانسحاب المتدرج نحو عمقها اللوجستي، مع إجهاد الخصم، وإطالة خطوط تموينه، ثم الانقضاض عليع لحظة التعثر الروسي. وأضاف الكاتب أن الصورة قد تبدو وكأنها خسارة أرضية مرحلية، لكنها إعداد لمعركة حاسمة حين تتعب اللوجستيات الروسية، وتخور قواها.
الرهان الأخير لبوتين
وتابع الكاتب أن المشهد أشبه برقصة حرب مرهقة، مجدٌ قليل، ودمٌ كثير، والنصر لمن يظل أقل إنهاكاً بعد سلسلة اشتباكات يائسة. وأوضح الكاتب أنه مع عزوف أوروبا، والولايات المتحدة عن نشر قوات، ترتفع كلفة الحرب على الأطراف المباشرة. وقال الكاتب إن قدرة روسيا على الحفاظ على وتيرة العمليات بعيداً عن قواعدها محل شك، وإن كانت تعتقد أن الأرقام تصب لصالحها، فهذا يفسّر لم لا يزال الرئيس فلاديمير بوتين متردداً في وقف إطلاق نار أو تسوية، فهو يرى في الاستنزاف رهانه الأخير الأفضل.
وخلص الكاتب إلى أن الصراع يتجه نحو استراتيجية تآكل طويل الأمد تحسمها اللوجستيات والمعنويات قبل الخرائط. فإذا أحسنت كييف إدارة الانسحاب الذكي، وفشلت موسكو في إسناد جبهاتها البعيدة، قد تنقلب الحسابات الرقمية إلى عبء على صاحب الجيش الأكبر. أما إذا حافظت روسيا على تدفق الرجال، والعتاد بالوتيرة نفسها، فسيغدو الاستنزاف ممرها الوحيد إلى مكاسب تفاوضية. وبين هذين الحدّين، ستبقى بوكيروفسك عنواناً للحرب كما أصبحت سباق صبر قبل أن تكون سباق مسافات.