تواجه القيادة الإيرانية مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تجد نفسها أمام تحدٍّ هائل لإعادة بناء ما دمّرته الحرب الأمريكية الإسرائيلية، وسط ضغوط متزايدة تدفعها نحو التفاوض لتخفيف العقوبات.

فعلى مدى 5 أسابيع من القتال، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات طالت ما لا يقل عن 17 ألف هدف داخل إيران، شملت مصانع ومنشآت صناعية، وبنية تحتية للطرق والسكك الحديدية والموانئ، إضافة إلى مبانٍ حكومية ومواقع عسكرية. 

كارثة اقتصادية

وتقدّر وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية تكلفة إعادة الإعمار بنحو 270 مليار دولار، رغم أن خبراء يرون أن الأرقام لا تزال مبكرة وغير دقيقة، بسبب استمرار اتساع آثار الدمار على الاقتصاد.

وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، أن المشكلة لا تكمن في حجم الخسائر فقط، بل في طبيعتها المتشابكة، إذ لم تقتصر الضربات على البنية التحتية، بل طالت أيضاً الصناعات التي يفترض أن تقود عملية التعافي نفسها، مثل مصانع الصلب، إلى جانب قطاع البتروكيماويات الذي يُعد مصدراً أساسياً للعملة الصعبة لتمويل إعادة الإعمار.

هل ينجح حصار ترامب لمضيق هرمز في الضغط على إيران؟ - موقع 24في تصعيد جديد ينذر بتداعيات واسعة، يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنفيذ حصار بحري كامل على مضيق هرمز، في خطوة قد تعمّق أزمة الطاقة العالمية وتزيد من حدة التوتر مع إيران، في وقت يشهد فيه أحد أهم الممرات النفطية في العالم اضطراباً غير مسبوق.

ويأتي هذا الدمار ليزيد من عمق أزمة اقتصادية كانت تعاني أصلاً من الانهيار، وأشعلت احتجاجات واسعة في مطلع العام. 

وأوضحت الصحيفة "رغم أن سيطرة إيران على مضيق هرمز منحتها أوراق ضغط في المحادثات مع الولايات المتحدة، إلا أن حجم إعادة الإعمار المطلوب يحدّ من هامش تحركها".

وقالت بورجو أوزجليك، الباحثة البارزة في معهد الخدمات الملكية المتحدة في لندن، إن "مصادر داخل إيران تتحدث عن كارثة اقتصادية وشيكة، إذا لم تمنح واشنطن تخفيفاً للعقوبات يفتح الطريق للتعافي الاقتصادي"، مضيفة أن "غياب أُفق التعافي قد يضع النظام نفسه، تحت ضغوط اجتماعية وهيكلية مستمرة".

استهداف مقصود 

من جهته، قال كافيه إحساني، الأستاذ المشارك في الدراسات الدولية في جامعة ديبول في شيكاغو، إن "مستوى الدمار الآن يبدو أسوأ بكثير من حرب إيران والعراق".

وخلال الحرب، استهدفت الطائرات الإسرائيلية 8 مصانع بتروكيماويات في جنوب غرب إيران، من بينها إحدى أكبر المنشآت في البلاد، مجمع بندر الإمام للبتروكيماويات، كما تضرر أكبر مصنعين للصلب في إيران، وهما شركة مباركة للصلب في أصفهان، وحديد خوزستان قرب الأهواز. 

270 مليار دولار خسائر إيران من الحرب - موقع 24أعلنت الحكومة الإيرانية، اليوم الثلاثاء، أن الخسائر الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على البلاد تُقدّر بنحو 270 مليار دولار، وفق تصريحات للمتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني، التي أكدت أن هذه الأرقام لا تزال أولية وقابلة للتعديل.

وتمثل البتروكيماويات ما يقرب من نصف الصادرات غير النفطية لإيران، حيث حققت 18 مليار دولار في 2023، بينما يحقق قطاع الصلب ما يصل إلى 7 مليارات دولار سنوياً.

وقال كِيفان هاريس، المتخصص في التنمية الاقتصادية الإيرانية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إن "هذه الهجمات ليست عشوائية، بل تستهدف قطاعات من الاقتصاد ذات توجه خارجي، أي التي توفر العملة الأجنبية التي يمكن إعادة توزيعها لتلبية الاحتياجات الأساسية".

وأعلنت السلطة القضائية الإيرانية، أمس الأربعاء، حظراً على جميع صادرات المنتجات البتروكيماوية، في خطوة يُرجح أنها تهدف لضمان تلبية الاحتياجات المحلية وتعزيز المخزونات.

ضغط على الميزانية 

وأوضحت الصحيفة أن الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، سيزيد من الضغط على ميزانية البلاد. ووفق تقدير لمياد مالكي، المحلل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فإن الحصار سيكلف إيران نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليون دولار خسائر في الصادرات، معظمها من النفط الخام والبتروكيماويات.

كما أشارت بيانات شركة "فورتكسا"، إلى أن النفط الإيراني الذي لا يمكن تصديره سيملأ خزانات التخزين خلال أسبوعين إلى 3 أسابيع، ما قد يجبر البلاد على وقف الإنتاج النفطي. ويمكن أن تؤدي هذه التوقفات إلى إتلاف الحقول وتقليل الإنتاج المستقبلي، وفق محللين.

الحصار البحري على إيران يكلفها 435 مليون دولار يومياً - موقع 24في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، كشفت تقارير إعلامية عن تداعيات اقتصادية كبيرة قد تتكبّدها إيران، نتيجة الحصار الأمريكي لمضيق هرمز، بالتزامن مع تحركات عسكرية وتحذيرات متبادلة تزيد من حدة الأزمة.

ولا تقتصر الخسائر على الطاقة والصناعة فقط، فقد طال القصف أيضاً قطاع الأدوية، حيث استُهدفت شركة كبرى تنتج أدوية السرطان والمخدرات الطبية، إضافة إلى منشآت الغاز في جنوب البلاد التي توقفت عن العمل جزئياً، بعد ضربات طالت حقل بارس الجنوبي.

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع العملة وارتفاع البطالة، بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح في الحياة اليومية. فمصانع تغلق أبوابها، وسلاسل الإمداد تتعطل، وأسمدة لم تعد تصل إلى المزارعين، فيما يفقد آلاف العمال وظائفهم في قطاعات مترابطة تمتد من الصلب إلى التجزئة.

وتشير تقديرات إلى أن ما يصل إلى 12 مليون وظيفة باتت مهددة، أي ما يقارب نصف قوة العمل في البلاد، مع تعرض قطاع الصلب وحده لمخاطر تمس أكثر من 5.5 مليون وظيفة، إضافة إلى أكثر من مليون وظيفة في البتروكيماويات والأدوية.

أزمات أعمق 

ورغم كل ذلك، لا تزال إيران تمتلك بعض مقومات الصمود، من قطاع زراعي وصناعي محلي، إلى احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، وقدرة على التكيّف مع العقوبات. لكن هذه المقومات تصطدم بأزمات أعمق، تشمل أزمة مصرفية متفاقمة، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وانهيار ثقة الشارع.

كما أن انقطاع الإنترنت الذي تفرضه الحكومة منذ أسابيع زاد من تعقيد المشهد، إذ شلّ أعمال الشركات المرتبطة بالأسواق الخارجية، وقطع صلة قطاع التكنولوجيا الذي يوظف عشرات الآلاف.

هل تخضع إيران للشروط الأمريكية بعد الحصار؟ - موقع 24تحوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من الحرب العسكرية المباشرة إلى الحرب الاقتصادية، عبر فرض حصار على سفن وموانئ إيران، في محاولة لإنهاء الصراع دون شن هجوم جديد، وسط شكوك متزايدة بشأن فاعلية هذه الاستراتيجية وتداعياتها.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يرى خبراء أن التحدي الأكبر لم يعد اقتصادياً فقط، بل سياسياً أيضاً، مع تنامي الإحباط الشعبي وفقدان الثقة في الوعود الحكومية، واحتمال تفكير مزيد من الإيرانيين في مغادرة البلاد.

وفي ختام التقرير، قالت الصحيفة: "يبدو أن ما يحدد مستقبل إيران في هذه المرحلة ليس فقط حجم الدمار أو العقوبات، بل قدرتها على إدارة أزمة سياسية واقتصادية متشابكة، في وقت لم يعد فيه الشارع مستعداً لتصديق وعود التعافي بسهولة".