الإثنين 18 أبريل 2016 / 19:05
يمكن القول إنه كلما ابتعد الشاعر عن النظم المباشر كان قوله أقرب إلى الملتبس وغير الصريح، ومن "قلة الشغل والعقل" محاسبة الشاعر على أبيات قالها هي في حُكم الملتبس قطعاً، خصوصاً إذا كان يطرح أفكاره عن الحياة بصراحة ووضوح خارج حالاته الشعرية، ومسلكه الشخصي
للإنسان كلام واضحٌ لا يُلتبس أمره على أحدٍ من الناس، ولا يحتمل من التأويل غير وجه واحد، وكلامٌ آخر يحتمل أكثر من معنى، يفهمه بعض الناس، ويلتبس على بعضهم الآخر، إذ الناس ليسوا على درجة واحدة من الإدراك والقدرة الذهنية والثقافة.
وثمة أشخاص يسلّطون الضوء على الملتبس من كلام المرء، ويصرفون أنظارهم عن غير الملتبس منه، وبدلاً من فهم الملتبس بالعودة إلى غير الملتبس، يأخذون في تفسير الواضح على ضوء تفسيرهم لغير الواضح.
ولعلّ الكتّاب والروائيين والشعراء أكثر من يلقى الأذى من هؤلاء الجهّال. ففضلاً على أن حرفة حملة الأقلام قائمة على الكلام المكتوب، فهم أكثر من ينوّع في أساليب التعبير، والكثير من كلامهم ــ بحكم الحرفة ــ يصدق عليه وصف الملتبس، فإذا بالمغرضين، وأتباعهم الجهّال، يقعدون لهم بالمرصاد، بقصد تخطئتهم، وشيطنتهم، وإثارة البلبلة من حولهم، ثم إسكاتهم، والتخلّص منهم، والدعوة إلى معاقبتهم، فضلاً عن تكفيرهم، وتخوينهم.
حين يكتب روائي مقالاً في صحيفة، أو يدلي برأيه خلال حوار تلفزيوني، أو عبر تغريدة في "تويتر"، يقدّس مفهوم الزواج مثلاً، فهذا رأي صريح لا يحتمل إلا معنى واحد، هو أنه يقدّس مفهوم الزواج، فإذا ما حكى في رواية له، وعلى لسان شخصية ما، بأنه يفضّل العلاقات المفتوحة، فإن المريض، أو الجاهل، وحده الذي سيأخذه في كلام ملتبس، باعتباره قد جاء على لسان شخصية روائية، ويترك كلامه الواضح والصريح حول مفهومه للزواج.
وهكذا بالنسبة للشاعر. فحين يعبّر في قصيدته عن معنى ما، فمن البديهي ألا يكون مباشراً وواضحاً كل الوضوح، وإلا ما كان قوله شعراً من الأساس. فالمباشرية هي أعدى أعداء الشعر كما يقول أحد الأدباء، والذي يعرّفها بأنها "معالجة الموضوع بأفكار متراصّة، وبصورة صريحة مباشرة، محرومة من التصوير المحلق، والتعبير الموحي الآسر، والعاطفة المتوهجة".
ومن ثم، يمكن القول إنه كلما ابتعد الشاعر عن النظم المباشر كان قوله أقرب إلى الملتبس وغير الصريح، ومن "قلة الشغل والعقل" محاسبة الشاعر على أبيات قالها هي في حُكم الملتبس قطعاً، خصوصاً إذا كان يطرح أفكاره عن الحياة بصراحة ووضوح خارج حالاته الشعرية، ومسلكه الشخصي.
وحين يكتب أحدهم عشرات المقالات التي يعبّر فيها عن آراء يُفهم منها أنه يعتقد بوجود خالق للكون مثلاً، ثم يأتي في تغريدة من 140 حرفاً لا غير، يقول عبارة تحتمل أكثر من معنى في مسألة اعتقادية، فمن المحزن أن تُشيطنه الشياطين، ثم يقذفه جموع البلهاء بالحجارة.
والحديث هنا لا يتعلق بجرائم القذف أو السبّ أو الإساءة المعاقب عليها وفق القوانين، والتي قد يزلّ قلم المرء ويتورط بها، إذ لا يمكن التعذر هنا بأن القول المجرّم قانوناً كان من قبيل الملتبس، بل في رأي المرء في هذه القضية أو تلك، وتقييمه لهذا الأمر أو ذاك، ونظرته لهذا الشيء أو ذاك، ومن غير المعقول في هذه الحالة مؤاخذته بناء على الملتبس من كلامه، وعدم الالتفات إلى كل ما قاله بصراحة ووضوح.
حملة الأقلام أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يواصلوا طريقهم، ويدفعوا في أثناء المسير ضريبة وجود البلهاء والمغرضين على حواف الطريق، أو أن تكون كتاباتهم كلها واضحة ومباشرة على غرار "مع حمد قلم".