الثلاثاء 17 يوليو 2018

فوز الأسد سيقود إلى المزيد من الفوضى

دخان يتصاعد من مناطق المعارضة في درعا.(أرشيف)
دخان يتصاعد من مناطق المعارضة في درعا.(أرشيف)
حذرت الباحثة جينيفر كافاريلا، بمعهد دراسات الحرب في واشنطن، من انسحاب الولايات المتحدة من سوريا؛ خاصة لأن الرئيس السوري بشار الأسد لم يحقق الفوز في الحرب الأهلية التي تجتاح بلاده، والأسوأ من ذلك أن الحرب تدخل الآن في مرحلة أكثر خطورة، كما أن انتصار الأسد في نهاية المطاف لن يؤدي إلى السلام والاستقرار وإنما سيقود إلى المزيد من الفوضى.

التدخل الإيراني والروسي قد أسفر عن انقاذ نظام الأسد على المدى القصير، ولكنه في الوقت نفسه يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط على نحو سيقود إلى المزيد من عدم الاستقرار
وتشير الباحثة، في تقرير تحليلي مطول نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، أن القوات التي تحارب بالنيابة عن نظام الأسد حققت مكاسب مهمة في السنوات الأخيرة، لاسيما بعد الاستيلاء على مدينة حلب في عام 2016 (ثاني أكبر مدينة سورية) وتأمين العاصمة دمشق في عام 2018، وحالياً يشن نظام الأسد (مدعوماً من روسيا وإيران) هجمات ضد معاقل المعارضة في المحافظات الجنوبية في القنيطرة ودرعا حيث بدأت الانتفاضة ضد الأسد.

الأسد أضعف مما يبدو
وعلى الرغم من أن انتصارات الأسد قد غيرت مسار الحرب وقوضت المعارضة المعتدلة؛ فإن الحرب في سوريا لن تنتهي؛ لأن الأسد أضعف كثيراً مما يبدو؛ إذ يعتمد حكمه على دعم الرعاة الأجانب (روسيا وإيران) إضافة إلى استنزاف الدول التي كانت تعارضه في السابق مثل الأردن، والواقع أن قرار الأسد بتدويل الحرب يمهد الطريق للحروب المستقبلية، كما تهدد تكتيكاته للمذابح الجماعية بإشعال وقود الجهاد العالمي على الآمد الطويل، الأمر الذي سوف يجعل القتال مستعراً في سوريا لسنوات قادمة.

ولتجنب ذلك، تحض الباحثة الولايات المتحدة على عدم تجاهل سوريا والعمل على بناء نفوذ أمريكي من أجل اتخاذ إجراءات حاسمة في المستقبل من خلال تعزيز القدرات العسكرية والحوكمة لحلفائها على الأرض واستعادة ثقة المعارضة السورية وإعادة بناء قواتها، فضلاً عن حرمان الأسد من الحصول على الشرعية الدولية التي يطمح إليها. ولا تزال لدى الولايات المتحدة خيارات لتقويض الأسد ومؤيديه ولكنها تحتاج إلى توافر الإرادة الكافية لاستخدامها.

تقويض النظام العالمي
ويؤكد تقرير "فورين أفيرز" أن التدخل الإيراني والروسي قد أسفر عن انقاذ نظام الأسد على المدى القصير، ولكنه في الوقت نفسه يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط على نحو سيقود إلى المزيد من عدم الاستقرار، فعلى سبيل المثال تستطيع الآن كل من إيران وروسيا استخدام سوريا باعتبارها "نقطة انطلاق" لعدوانهما الدولي، وقد بدأت روسيا فعلاً في استخدام قاعدتها الجوية السورية لدعم العمليات التي تنفذها ميليشيات المرتزقة المدعومة من الكرملين في جمهورية إفريقيا الوسطى والسودان، الأمر الذي يساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جهوده الرامية إلى تقويض حلف الناتو والنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وإلى ذلك، تعمد إيران أيضاً إلى إنشاء قواعد عسكرية ووكلاء سوريين لفتح جبهة ثانية ضد إسرائيل في حرب مستقبلية، وقد أوضحت إسرائيل من قبل أنها لن تتسامح أبداً مع ذلك حتى إذا وصل التصعيد لشن عملية برية إسرائيلية في جنوب سوريا لمنع حدوث ذلك.

حرب إقليمية
وتنوه الباحثة إلى أن إجلاء الأسد للسكان من المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة المعارضة يتسبب في زعزعة استقرار الدول المجاورة ويؤدى إلى زيادة عدم الاستقرار الإقليمي وهذا يعني إطالة أمد الحرب. وعلى سبيل المثال لم يكن تقويض الأكراد هو السبب الوحيد لغزو أنقرة لشمال سوريا في عام 2016؛ إذ كانت تركيا تستهدف تخفيف عبء اللاجئين عن أراضيها بالقوة من خلال إعادة توطين اللاجئين في شمال سوريا وبناء قوة بالوكالة من المعارضة لممارسة الحكم، ولكن وجود القوات المناهضة لنظام الأسد وكذلك السكان المدنيين ربما يقود إلى إطالة أمد الحرب.

وعلى الرغم من دعم تركيا لقوات المعارضة، فإن تركيا على الأمد القصير تنحاز إلى الأسد ومؤيديه في محاربة قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد (الشريك الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب ضد داعش)، وتهدد الهجمات التركية ضد الأكراد في سوريا بتوسيع العمليات الانتقامية داخل تركيا، وربما يتحول النزاع بين تركيا والأكراد إلى حرب إقليمية.

ويحذر التقرير من أن انسحاب الولايات المتحدة من شرق سوريا (التي يوجد بها الآن قرابة 2000 جندي أمريكي) من شأنه أن يخلق فراغاً تتصارع أطراف عديدة لملئه وهم الأسد ومؤيدوه وتركيا والجماعات الجهادية مثل القاعدة وداعش؛ حيث يطمحون إلى السيطرة على الأراضي التي استعادها تحالف الولايات المتحدة والأكراد من قبضة داعش، وسيقود انسحاب الولايات المتحدة إلى تسريع هذا الصراع.

الخلايا النائمة لداعش والقاعدة
وتلفت الباحثة إلى أن منطقة شرق سوريا تشكل قاعدة محتملة للتنظيمات الجهادية مثل القاعدة وداعش، وعلى الأرجح أنها تضم الكثير من الخلايا الإرهابية النائمة المنتشرة في جيوب صغيرة بجميع أنحاء البلاد. ولن تقضي مكاسب الأسد في ساحة المعركة على الجماعات الجهادية؛ لأن وحشية الأسد (استخدام الأسلحة الكيماوية وعمليات الإعدام الجماعية والتجويع والتعذيب) هي التي أدت إلى انضمام الكثيرين إلى تلك الجماعات الإرهابية، وسوف يستمر عشرات الآلاف من الجهاديين في معارضة نظام الأسد ومحاربته لعقود قادمة، وعلى الأرجح أن تنظيم القاعدة سيقود هذه المعركة ضد الأسد حيث تتمركز قواته في شمال غرب سوريا وفي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جنوب سوريا، وعلاوة على ذلك فإنه من المحتمل أن تخترق هجمات القاعدة وداعش المناطق الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد مثل دمشق وحلب وحماه وحمص.

وترى الباحثة أن بقاء الأسد في السلطة واستعادة سيطرته على البلاد لن يمنع التهديدات الإرهابية ضد الغرب؛ وبخاصة لأن الأسد قد عمد إلى تعزيز صعود داعش والقاعدة من أجل استخدامهما ضد الغرب حتى ينتهي من دحر المعارضة المعتدلة التي كانت ترغب في التفاوض على السلام، ولاشك في أن غزو الأسد لمناطق جنوب سوريا التي كانت واقعة نحت سيطرة المعارضة المدعومة أمريكيا يعني القضاء على المعقل الأخير للمعارضة المعتدلة وتقويض العملية الدبلوماسية الدولية، بيد أن هزيمة الأسد للمعارضة المعتدلة لا تعني فوزه في الحرب وإنما تمهد الطريق للجماعات الإرهابية مثل القاعدة لإعادة تعريف طبيعة المعركة السورية من ثورة مؤيدة للديمقراطية إلى جهاد عالمي.

تغيير مسار الحرب
ويحض تقرير فورين أفيرز الولايات المتحدة على دعم المعارضة المعتدلة عسكرياً لمحاربة الأسد وتغيير مسار الحرب بشكل جذري وكذلك دعم قوات سوريا الديمقراطية وحرمان الأسد من الوصول إلى موارد النفط السورية التي يسيطر الأكراد على أجزاء كبيرة منها. وتحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى استعادة صدقيتها مع الشعب السوري من خلال التنمية المستدامة وتحقيق الاستقرار ومساعدة اللاجئين والمشردين داخلياً على العودة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية.

ويلفت التقرير إلى أنه يجب أن تعترف واشنطن بفشل العملية الدبلوماسية الدولية وأن تبتعد عنها، وهذا من شأنه أن يقوض جهود روسيا لاختطاف العملية الدبلوماسية (من خلال رفض المحادثات المدعومة من الأمم المتحدة واستضافتها محادثات سوتشي) وبذلك يتم بناء النوايا الحسنة مع السكان السوريين المعارضين لنظام الأسد. وعلاوة على ذلك سوف تحتاج واشنطن إلى التوصل إلى اتفاق مع تركيا لإنهاء الحرب مع الأكراد والدخول في تحالف مع الولايات المتحدة ضد نظام الأسد ومؤيديه.
وتختتم الباحثة: "وعلى الرغم من أن هذه الخطوات المقترحة لن تحل أزمة الحرب السورية ولن تجبر الأسد على التفاوض، فإنها سوف تمنح الولايات المتحدة النفوذ اللازم لتشكيل محور أمريكي للتدخل في سوريا عقب الهزيمة الإسمية لداعش، إنها خطوات مكلفة وصعبة، ولكنها تعكس أفضل سبيل للمضي قدما في حرب شريرة بعيدة كل البعد من أن تقترب إلى نهايتها؛ إذ أنها على الأرجح سوف تتحول إلى صراعات جديدة ربما تكون أشد ضراوة".    
T+ T T-