الخميس 21 مارس 2013 / 15:57

الأم في الأدب العربي، نهرٌ من القصائد

إن فكرة الأمومة هي فكرة شعرية بالأصل، إنها فكرة الروح التي تنفصل في جسدين، بينهما حبل سريّ والكثير من القصائد. لابد من أن كل من مسّه الشعر، قال شعراً في أمه التي أهدت إليه الحياة، فامتلأت الكتب والدواوين بقصائد لا أحلى ولا أجمل.

والأم ، الوطن الأول، والحبيبة الأولى والأخيرة، والجنة عند قدميها، والدواء والطبيب والسؤال والمجيب، سمّاها التاريخ بالعديد من الأسماء، كلها تصغر عند لفظة "الأم" التي تفسرها الأعصاب وتحكيها خلايا الجسد ومجرى الدماء.

يزخر الأدب العربي بقصائد عصماء قيلت في الأم، الشعراء كانوا ينهلون من طيفها لم يفطموا. هاهو أبو القاسم الشابي يشرح ـ شيئاً ما ـ ذلك الشعور القدسي الخفي بين الأم وابنها بقوله: "الأم تلثم طفلها وتضمه حرم سماوي الجمال مقدس"

حافظ ابراهيم يراها مدرسة في قصيدته الشهيرة:
"الأمّ مدرسةٌ إذا أعددتها.. أعددت شعباً طيب الأعراق
الأمّ روضٌ إن تعهّده الحيا.. بالري أورق أيما إيراق
الأمّ أستاذ الأساتذة الألى.. شغلت مآثرهم مدى الآفاق"

كبر الشعراء قيمة ومقاما، وظلوا بين أيديها صغارا، الوزير الشاعر عبدالله الخوجة يناديها من فوق كرسي الوزارة:

أماه إني قد أتيت وفي يديّ طفولتي وتركت خلفي كلّ أحلام الشباب
وبحثت عن يدك النحيلة كي تعانق أوبتي ورأيتها ممدودة عبر السحاب
وكأنها طوق النجاة لحيرتي وقفزتُ ألثمها أعانقها.. فعانقني السراب

أماه هل ضاع الندى وهتفت في جوف المدى
ردي إلي طفولتي..فأجابني مستوحشا رجع الصدى
ووأدت في روحي بقايا غصتي
من قال عالمك الردى
بل عالمي
أماه ردّي.. ها أنا طفل يعاودني النواحُ
وتحيطني الأشباحُ ساخرة ويهجرني الصباحُ
فتجيبني ألواح نافذة تعانقها وتصفقها الرياح
فتئن في مزلاجها ثكلى تعذبها وتنهشها الجراح
أماه إني قد أتيت
كما أنا طفل صغير

ما بين قلبي والهوى
عهد توثق من سنين
ما بين حبي والمنى
شك يداعبه اليقين
أماه لم تدري بما فعل الزمن
أمل تهدج داخلي
عمرٌ تكلل بالشجن
وتعثرت أحلامنا في دربها وتغربت
حيرى كأشرعة السفن
كل المرافئ زرتها، وبذرت آمالي بها،
وهتكت أستار المدن..
وغزوتها، ورحلت في أسرارها،
لكنني ـ أماه ـ لم أجد السكن"

وهي ملاذ الشعراء في أحزانهم، يناديها الشاعر العراقي عبد الناصر النادي:

أمــــــــاه ..
إن للأحزان سيفاً
عــــلـــــميــــني ..
كيف سيفُ الحزنِ يُكسرْ
**
فأنا أسكنت قلبي راحتيكِ..
عــــلميــــــني ..
كيفَ حزنُ القلبِ يبترْ

ومن منا ينسى، محمود درويش ي قصيدته الشهيرة:

"أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي..
وتكبر في الطفولة يوماً على صدر يوم
وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي."

نزار قباني، كتب عن الأم قصائد عديدة، من بينها:

"عرفت عواطف الإسمنت والخشب
عرفت حضارة التعب
وطفت الهند طفت السند طفت العالم الأصفر
ولم أعثر على امرأة تمشط شعري الأشقر
وتحمل في حقيبتها
إلي عرائس السكر
وتكسوني إذا أعرى
وتنشلني إذا أعثر
أيا أمي"

الشاعر عمر الأميري من سوريا، في نصه الشهير يخاطب نور أمه بقوله:

أماهُ يا روحاً منيراً في رحى جسمٍ أهلا
وعلى الثرى، مَلَكَاً طهوراً في ثيابِ الأم حلّا
وعلى جناني، من جنانِ الخلدِ، كالنعمى أطلا
قد كانَ كالإشراقِ يغمرني جَداهُ إذا تجلى
بركاتُ عمري من رضاهُ وتستمر.. وقد تولى

أيضاً، لم يترك الشاعر المصري فاروق جويدة، أمه بلا قصائد تخلد ذكرها، يقول:

وتركت رأسي فوق صدرك
ثم تاه العمر مني.. في الزحام
فرجعت كالطفل الصغير..
يكابد الآلام في زمن الفطام
والليل يفلح بالصقيع رؤوسنا
ويبعثر الكلمات منا.. في الظلام

وكان من أروع الرثائيات في الأدب العربي ما قاله الشعراء في رثاء أمهاتهم منطلقين في ذلك من الوجع الخاص نحو الفقد العام الذي يمنى به الولد بفقدان أمه أوسع مجالات الحب وأغزر أنهار العطاء. يقول اليمني عبد الله البردوني:

"آه يا أمي وأشواك الأسى
تلهب الأوجاع في قلبي المذاب
فيك ودعت شبابي والصبا
وانطوت خلفي حلاوات التصابي
كيف أنساك وذكراك على
سفر أيامي كتاب في كتاب
كم تذكرت يديك وهما
في يدي أو في طعامي وشرابي
هدهدت كفاك رأسي مثلما
هدهد الفجر رياحين الروابي"

وتستحضر الذاكرة بمجرد اقتران الرثاء بالأم نص أبي الطيب المتنبي الذي صاغ ما يصنفه بعض النقاد من أبلغ قصيدة رثاء في الأدب العربي إذ يرثي أمه قائلاً:

"أبكيك لو نقع الغليل بكائي.. وأقول لو ذهب المقال بدائي
قد كنت آمل أن أكون لك الفِدا.. مما ألم فكنت أنت فدائي
قد كنت آمل أن يكون أمامها.. يومي وتشفق أن تكون ورائي"