السبت 29 نوفمبر 2014 / 17:20

مصاحف مفخخة وعلى رؤوس الرماح!



كان أبو موسى الأشعري يقول: اتبعوا القرآن، ولا تطمعوا في أن يتبعكم القرآن. ولعل الأشعري ومن التقطوا رسالته التحذيرية بعد موقعة صفين نجحوا في تأسيس هذا الحرص المتوارث على قدسية كتاب الله وهو ما حماه من التزوير ومن العبث البشري ومحاولات توظيف النص المقدس لحمل المشروع السياسي في الحروب البينية الخبيثة بين الفرق المتناحرة التي تحاول احتكار الإسلام وتقييف تعاليمه على مقاييسها وبما يوفر الغطاء الشرعي لمشاريعها الدنيوية.

لم ينجح أحد في العبث بالنص القرآني أو تحريفه، وكانت حتى أخطاء الطباعة في المصاحف تواجه بالقرارات السريعة والحاسمة التي تحول دون تسربها إلى الناس، لكن كتاب الله تعرض للتوظيف السياسي والاجتماعي بطرق مختلفة، فقد تزينت صالونات بيوت الكثيرين من العرب والمسلمين بالمصاحف رغم ابتعاد أهل بعض هذه البيوت عن الدين والتدين، وتزينت نساء كثيرات بقلائد ذهبية على شكل المصاحف، واستخدم المصحف لحلفان اليمين لانجاز صفقات تجارية لا تنفع الناس، بل وتضرهم أحياناً. 

أما التوظيف السياسي للمصحف فقد أخذ أيضا أشكالا مسيئة، لا تقل في خطورتها عن الإساءة إلى كتاب الله والتطاول عليه بالإلقاء أو الدوس من قبل معتوهين في أمريكا وأوروبا واسرائيل ومناطق السيخ والهندوس في الهند. وتجاوزت أنظمة عربية وأخرى في دول مسلمة على حرمة الكتاب حين قبلت بالقسم الكاذب على المصاحف كدليل براءة لفاسدين ومجرمين نكلوا بالبلاد وبالعباد.

الآن، وفي زمن ما يسمى بالربيع العربي، وفي ظل الفوضى الأمريكية الخلاقة للسوء، يتعرض المصحف مرة أخرى للاساءة والتطاول من خلال توظيفه كسلاح في أيدي عناصر تزعم احتكار الدين وتريد إعادة تشكيل المجتمعات حسب رؤاها الرجعية وفهمها المتخلف للحياة.

في اليومين الأخيرين لجأ فصيلان من قوى الاحتياطي الأمريكي في المنطقة العربية إلى محاولة استخدام المصاحف في تنفيذ مشروعين للقتل والتخريب، ففي مصر دعت "الجبهة السلفية" إلى خروج أنصارها وأتباع جماعة "الإخوان المسلمين" ضد الدولة وضد النظام وهم يحملون المصاحف، وذلك لإحراج قوات الجيش والشرطة التي يقدس أبناؤها كتاب الله ولا يقاتلون من يرفع المصحف.

لم تنجح الدعوة للحشد برفع المصاحف على أسنة الحراب، ومنيت القوى الظلامية بإحباط كبير بعد استنكاف الناس عن الاستجابة لهذه الدعوة المشبوهة، وبعد أن أكد المصريون حرصهم على المصاحف وعلى حمايتها من التوظيف السياسي والأمني، في مشروع ترفض الأغلبية الساحقة في مصر تصديق إسلاميته المزعومة.

وفي العراق، حيث يسعى إرهابيو "داعش" إلى فرض سيطرتهم على الدولة والمجتمع، كشفت اللجنة الأمنية في محافظة ديالى عن ضبط مصاحف مفخخة وضعها "الدواعش" في الجوامع وفي بعض المخازن لتوزيعها فيما بعد على القرى والمناطق التي تخضع لسيطرتهم. وهكذا تم تحويل المصاحف إلى قنابل مؤقتة يراد تفجيرها لقتل مسلمين يقرأون القرآن الكريم!

يقول العرب في أمثالهم: إذا لم تستح فافعل ماشئت. ويقول واقع الحال إن من لا يخاف الله ويزعم كذبا تطبيق شرع الله لا يتردد في التطاول على كتاب الله خدمة لأعداء الله في مراكز صنع القرار الغربي، وهي التي انتجت "داعش" ومن قبلها "القاعدة"، وحرصت وما تزال على رعاية "جماعة الاخوان" وحماية وجودها في المنطقة.

يقول العرب أيضاً: إن من يعش رجبا يرى عجبا. فما بالك بمن يعيش ربيعا أمريكيا يونع فيه الخراب بسقاية الدم!