الجمعة 16 يناير 2015 / 23:35

ما الذي نتكلم عنه حينما نتذكر أليس؟

إعداد وترجمة: أحمد شافعي

والت ديزني حولها إلى فيلم. جيفرسن آيربلين جعلها أغنية. والآن يصدر البريد الملكي طوابع على شرفها.

تحتفل "أليس في أرض العجائب" هذا العام بعيد ميلادها الخمسين بعد المائة ولم تزل فاتنة وساحرة، أو هي بالأحرى لم تزل تحظى بما وهبها لويس كارول من فتنة وسحر لتصبح أنجح كتاب للأطفال منذ كتبها في عام 1865. فلا يزال عالم حفرة الأرنب والقبعات المجنونة والكعكات السحرية والأبواب السرية يفتن الأطفال في شتى أرجاء العالم وفي شتى الصور الفنية التي يتحول إليها.

ولكن، هل "أليس في أرض العجائب؟" مجرد حكاية بريئة ومغامرة حالمة، أم أن فيها أكثر مما تراه العيون للوهلة الأولى؟ تحاول أجيال من القراء منذ نشأة الكتاب في العصر الفكتوري أن تنقب بين سطوره عن معان ورسائل خفية. فهل هي فعلا قصة عن المخدرات؟ وهل كان كارول بحق أقل براءة مما بدا؟

يقول البروفيسور ويل بروكر من جامعة كنغستن بلندن ومؤلف كتاب "مغامرات أليس: لويس كارول في الثقافة الشعبية" إن كل جيل يقوم بتأويل النص تأويلا تنعكس فيه ثقافة الجيل نفسه".

ويضيف أن هذه الانعكاسات تمثلت في "التحليل النفسي في ثلاثينيات القرن الشعرين، ثم العقارات المنشطة في الستينيات، ثم الولع بالأطفال [البيدوفليا paedophilia] في التسعينيات. ففي الثلاثينيات بدأ الناس ينظرون إلى ما اعتبر في بدايته قصة أطفال مسلية مبهجة ذاهبين إلى أن ثمة ما هو أعمق وأخفى تحت سطح النص، وهذا تأويل فرويدي".

"ثم بدأ الناس في الستينيات يفترضون أن كارول لا بد كان يتعاطى نفس المخدرات الواردة في القصة، إذ إن تجارب تعاطي العقاقير في القصة تتطابق مع تجربة تعاطي عقاقير الإل إس دي والقنب. ورأوا أن كارول يتكلم نفس لغة المتعاطين".

وأنصتوا إلى كلمات أغنية "الأرنب الأبيض" لجيفرسن آيربلين إذ يقول فلا يملك أحد أن يخالفه الرأي "هناك حبة تجعلك أضخم، وهناك حبة تجعلك أضأل...".
فلا بد أن كارول خاض التجربة؟



ثم جاء عقد التسعينيات، واجتاح المجتمع ذعر أخلاقي من البيدوفيليا. وبدأ البحث والتنقيب في علاقة كارول بأليس الحقيقية ـ التي كانت ابنة أحد أصدقائه.

يقول البروفيسور بروكر إن "الناس بدأوا يتساءلون: ما الذي يجري هنا بحق؟ أهذه علاقة وثيقة بين راشد وفتاة؟"

ولكن بروكر يرى أن علاقة هذه التأويلات بالعصر الذي تظهر فيه أكبر من علاقتها بحكاية الأطفال القديمة نفسها.

فكارول ـ واسمه الحقيقي تشارلز لوتفدج دودغسون ـ كان رجلا أميل إلى الاعتدال منه إلى تعاطي المخدرات، بحسب ما يقول أول من كتب سيرته. ويتفق بروكر مع هذا قائلا إن "الناس في عهد كارول كانوا يتعاطون الأفيون وغيره، أما هو فلا أعتقد أنه كان يتعاطى شيئا". خاصة وأنه كان عالما في زمانه متخصصا في الرياضيات، بل وكان شماسا انجليكانيا

ومثل ذلك ينطبق على توهم ذلك السر الوضيع بوجود علاقة بين كارول وأليس. فهذه الفكرة أيضا هي نتاج زمنها. يقول بروكر إن هذه الفكرة "انعكاس لعرض في ثقافة التابلويد في زماننا، وهذا العرض هو الذي يجعلنا نظن أنه لا بد للناس من أسرار، وإنه لا بد من وجود فضيحة ما. في حين لا أعتقد أنا أن حياة كارول كانت تنطوي على فضائح سرية".

وتبقى القصة ناجحة وجماهيرية منذ صدورها. فلم يكن فيلم ديزني عنها سنة 1951 هو الفيلم الوحيد، بل أعقبته أعمال كثيرة، أحدثها فيلم مقبض لتيم بيرتن سنة 2010، كما استلهمت القصة في ألعاب فيديو، وأوحت بألعاب في مدن ملاه، وغيرها.
وقد ترى الأجيال القادمة معاني أخرى خفية، ففي قصة بهذا الثراء، يبدو العثور على معان جديدة احتمالا كبيرا، أما بالنسبة للصغار فسوف يبقى بحث مراهقة بريئة عن معنى عالم الكبار الغريب كافيا تماما.

فلننزل إذن وراء الأرنب إلى حفرته، ولنترك وراءنا تأويلات عالمنا الحديث وافتراضاته.