الأحد 5 أبريل 2015 / 22:40
احتفلت جماعة أمناء الهيكل بأحد الأعياد اليهودية، في القدس، قبل أيام. وقد ارتدى المحتفلون ثياباً يُعتقد بأنها تعود إلى زمن الهيكل، ومارسوا طقوساً يُعتقد، أيضاً، بأنها مورست في الماضي، بما فيها حرق أجزاء من خروف تم ذبحه لهذه الغاية، وتقديمه كقربان. وفي الآونة الأخيرة، أيضاً، تناقلت منابر إعلامية مختلفة خبر العثور على البقرة الحمراء في مزرعة تعود ليهودي في الولايات المتحدة.
تبدو أخبار كهذه، وما يدخل في حكمها، للوهلة الأولى، في نظر غير المُختصين، مجرّد تمثيلات جامحة لأفكار تعتنقها جماعات دينية يهودية، تعيش على الهامش، خارج الزمن والتاريخ. ومع ذلك، إذا حدث واندلع جحيم الصراع الديني في الشرق الأوسط، والعالم، ينبغي أن نفكر، دائماً، بأن هذه الجماعات، التي لا تختلف كثيراً عن داعش، هي التي تحمل عود الثقاب.
يعرف المهتمون بنشاط جماعة أمناء الهيكل المتطرفة أن غاية الجماعة بناء الهيكل الثالث، في القدس، في موقعه الأصلي المزعوم، الذي يٌقال إنه يقع في مكان الحرم الشريف، وهذا يستدعي تدمير الحرم نفسه.
ثمة أكثر من عائق يعترض هذا المسعى، فالحكومة الإسرائيلية، وعلى الرغم من تنامي نفوذ اليمين الديني والقومي، تدرك أن الاقتراب من الحرم الشريف يعني اللعب بنار، لا يعرف أحد متى وكيف تنطفئ.
ومع ذلك، فإن أهم عائق يأتي من جهة الديانة اليهودية نفسها. فمنذ تدمير الهيكل على يد الرومان، في القرن الأوّل للميلاد، تبنت مرجعيات اليهودية الأرثوذكسية (النسخة السائدة من الديانة اليهودية حتى القرن التاسع عشر، والوحيدة المعترف بها في إسرائيل اليوم) فكرة أن دمار الهيكل تم بأمر إلهي، وأن شتات اليهود تعبير عن الإرادة الإلهية، ولن تتم عودتهم، ولن يتم بناء الهيكل، إلا في آخر الأيام، وبأمر إلهي، أيضاً، يتجلى في ظهور المُخلّص.
لهذا السبب، كان الحاخامات في أوروبا القرن التاسع عشر، وحتى أواسط القرن العشرين، من أكثر اليهود عداءً للمشروع الصهيوني في فلسطين، إذ رأوا فيه تدخلاً في الإرادة الإلهية، بينما بررت القلة من الحاخامات موقفها المؤيد للصهيونية بفكرة تعجيل الخلاص.
وما تزال الأحزاب الدينية اليهودية التقليدية على درجات متفاوتة من العداء للصهيونية، ولعل أشدها تطرفاً جماعة ناطوري كارتا، التي يرفض أعضاؤها الاعتراف بوجود الدولة الإسرائيلية نفسها، وعلى النقيض تقف جماعات تمثل اليمين الديني والقومي المتطرف مثل جماعة أمناء الهيكل، التي يدعو أعضاؤها لبناء الهيكل لتسريع الخلاص، وعودة المُخلّص.
ولكن حتى أشد الجماعات الدينية اليهودية تطرفاً ما تزال تعترف باستحالة بناء الهيكل دون تمكين الكاهن الأكبر من أداء طقوس الطهارة، وهذه تخضع لشروط تبدو مستحيلة، وتتمثل في إحراق بقرة حمراء لا يشوب لونها شائبة، أو حتى شعرة واحدة من لون كالح أو مختلف، بعد إحراق البقرة قرب الهيكل، يمزج الكاهن رمادها بالماء ويغتسل به، وذلك يصبح صالحاً للاقتراب من قدس الأقداس، ووضع اللبنات الأولى للهيكل.
يبدو الأمر أسطورياً تماماً، ومع ذلك، وعلى مدار العقود القليلة الماضية، تكاد لا تمر سنة واحدة دون شيوع أخبار عن اكتشاف بقرة حمراء في مكان ما، ولهذا الغرض تسافر جماعات من الحاخامات اليهود لفحص البقرة، والتأكيد من صحة مزاعم أصحابها، كما وتوجد في إسرائيل والولايات المتحدة مزارع خاصة للأبقار مهمتها توليد البقرة الحمراء.
ولأن العثور على بقرة حمراء، بالمواصفات المطلوبة، يكاد يكون مستحيلاً، اجتهد علماء آثار إسرائيليون، وباحثون دينيون، منذ سنوات، في البحث عن بقايا رماد بقرة قيل أنها قُدمت كقربان، وأحرقت في القدس، في القرن الأوّل للميلاد، وفي هذا الصدد يجري البحث في أماكن مختلفة في القدس، عن جرّة تضم رماد بقرة أحرقت قبل عشرين قرناً من الزمان.
يبدو الأمر عبثياً إلى حد كبير، ولكنه ليس كذلك في نظر أشخاص من نوع المتطرفين الإنجيليين في الولايات المتحدة، وهم معادون للسامية في الجوهر، لكنهم يعتقدون أن عودة اليهود، إلى أرض فلسطين، وتجميعهم هناك، تمهد لظهور المُخلّص، وعودة اليهود إلى أحضان الكنيسة في نهاية الأمر، ونهاية الأيام.
ثمة الكثير من عيدان الثقاب القابلة للاشتعال، هنا، وثمة ما يستدعي التذكير بحقيقة أن دواعش اليهود لا يقلون خطورة وجنوناً عن دواعش المسلمين، ولا يوجد في جعبة هؤلاء وأولئك سوى الويل والثبور، وعظائم الأمور