السبت 9 مايو 2015 / 13:29
مثل أبطال فيلم " كابوريا" لخيرى بشارة، الذين كانوا ينحشرون فى عربة حسن هدهد الملاكم الشعبى، والذى قام بدوره أحمد زكى، لتقلهم خارج حدود هذا الحى الشعبى الفقير الذى يسكنون به؛ كنا ومعى مجموعة من الأصدقاء ننحشر جميعا فى عربة صديقنا الفيات 127 سبور.
كانت هذه العربة القريبة من الأرض فى هذا الوقت (نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات) إحدى علامات الحداثة فى الشارع. عادة كنا أربعة، بما فيهم صاحب العربة، وهى قسمة صداقة لها أركان متماسكة وشكل هندسى صارم.
من ينظر لنا من الزجاج الخلفى للعربة يلمح تلك الأجساد المحشورة والتى تشكل كتلة مندمجة. نتحرك على أنغام موسيقى وكلمات شريط " لاتنسانا" لمحمد نوح. كان هذا الشريط هو المنقذ طوال سنوات دراساتنا فى الكلية. بمجرد أن ندخل العربة حتى يدس أحدنا الشريط فى الكاسيت. فى أغنية " لاتنسانا" الذى سمى الشريط باسمها يهتز صوت محمد نوح الأجش ومن خلفه تقسيم لآلة العود وهو يبوح "ماعشق حبيب إلاك/ ياللى ماليش غيرك". وفى النهاية يصرخ بعمق صوته "ياحبيبى". حبيب جديد هو من يناديه ويصرخ فى وجه محمد نوح، يقول له إنه صادق فى حبه وفى حزنه. داخل هذا الصوت الأجش كان الحبيب آخر قريباً يمكن التفاهم وتبادل الحوار معه وأيضاً إقناعه وليس فقط التلظي بنار بُعده.
مع الأغنية الثانية، يسرى الانتشاء بيننا، وربما نبدأ فى إشعال السجائر داخل هذا الحيز الضيق الذى صار بلا سقف كظلام السينما. فى الأغنية يبدأ الكورس بالنداء "ياعصفورين على الشجرة هناك". ربما تحذير للحبيب أو المغنى. الحوار مع الكورس، بالمناسبة، يشكل جزءاً أصيلاً من نسيج موسيقى وأغانى محمد نوح. "ياعصفورين على الشجرة هناك / الصيادين واقفين بشباك". ثم يتلوها صوت تصفيق هو مقدمة أغنية "أدينى قولت إن أنا بهْواك" سريعة الإيقاع والراقصة، كانت أصواتنا تنسخ وتسبق الأغنية قبل ظهورها. نغنى فى فضاء العربة "أدينى قولت إن أنا بهْواك/ ومافيش فى قلبى وروحى سواك". هذا الاعتراف المتأخر بالحب. لم يكن اعترافنا متأخراً مثل محمد نوح، بل حملناه معنا حتى قبل أن ندخل الكلية ونسبح وسط هذا البحر الملىء بالفتيات والجماعات الإسلامية وسوء الفهم. تتلبسنا حالة محمد نوح، ونقسم بقوة مع قسمه فى أغنية "حبيبى ياحبيبى" حين يقول بثقة "والله ياحبيبى مركبنا جاية .. جاية" وأيضاً" والله ياحبيبى إحنا قد التحدى". هذه الأغنية المليئة بالقسم والعهود والألوان "حبيبى ياحبيبى يازهرة المداين/ جايبلك توت فى جيبى / وبزرع لك فى الجناين"، و" بكره أخضر"، و" يابو القلب المواردى". نضحك بدون إسراف أو سخرية على تلك البقع التى يخلفها التوت على جيب الحبيب. وفى أغنية "كانت" يأتى هذا الصوت الأوبرالى النسائى ويبدأ حوار بديهى بينه وبين الكورس. هذا الحوار الذى كنا نبحث عنه بيننا وبين المجتمع، الذى لم نكن نحدد كيف يمكن الدخول إليه والتفاعل معه. يقول الكورس فى الأغنية موجها كلامه للمغنى "كانت حبيبتك مخلصة" فيرد المغنى مؤمنا على كلام الكورس "كانت حبيبتى مخلصة"، ليرد الكورس موجها كلامه لجموع خارج هذا الثنائى، كأنها توجه كلامها للسماء لتشهد على هذه الحبيبة "كانت حبيبته مخلصة". كنا نكلم أشخاصاً محددين بصوت محمد نوح الأجش، وبنبرة الحب هذه، وننادى مجتمعاً بعيداً بأن يلتفت لهذا الألم والغياب والسأم. كانت تغمرنا تماما السحابة الممطرة لتلك الجملة الموسيقية، فى نفس الأغنية، حين يقول بشجن عن حبيبته" كانت بتوهبنى الأمان / فى اللحظة ميت مليون سنة/ كانت بتسقينى الحنان/ وتقول لى إشرب يا أنا".
بعدها تبدأ الساعة الباطنية للعربة فى التنبؤ بنهاية الشريط القريبة، فيضع أفرادها كل طاقتهم فى الأغنية السادسة، وقبل الأخيرة، والتى يتواجد فيها الكورس أيضا، وهى من كلمات سيد حجاب " من صغر السن/ ياه/ وحمام البِن / ياه / بينادينى/ ماعشتقتش حد/ لحد ماخد قلبى وعينى". ليصل إلى الجملة المركزية" بجد بجد / ياه/ .. ده الحب مالوش غاية ولا حَدْ". ثم يتلوها بمجموعة جمل سردية تماما منها " على صدرك طيرت حمامى/ على حِجْرك بعترت سلامى/ على بابك نصبت خيامى/ صحِّيتك على لحن أدانى" ، ثم تأتى صرخة أخرى، كصرخة غريق، مثل صرخته فى أول أغنية الشريط : " قلبى معااااااكى". عند هذه الأغنية يكون الشريط قد انتهى إكلينيكيا حتى قبل سماع الأغنية الأخيرة، والتى لم يتفاعل معها أبدا أربعتنا.
كان محمد نوح يشكل علامة على انتماء ما وسط سياق غير منتم لأى شىء. أنظر الآن لهذه العربة الصفراء ولزجاجها الخلفى، أراه فارغا، بعد أن تفرقت تلك الكتلة القديمة فى بلاد شتى. ولكن كل منا، وبصمت، يحمل شاهدا لهذه العربة ولهذا الزمن " غير الجميل" . ماكان جميلا فيه هو الصداقة وفضاء العربة المشبع بأغانى وأحلام وقسم وعهود وقوة حب محمد نوح. كان صديقى، صاحب العربة ، يسير بسرعة على الدوام، ونحن نسمع الأغانى، كأنها نغزة بمهماز فى المكان الصحيح لبطن الحصان، لينطلق ويسابق ويتجاوز هذا الزمن الراكد، وباتجاه المستقبل. حملتنا الموسيقى، التى تتجاوز الزمن، والعربة؛ للمستقبل. لولاهما لتحللت تلك الكتلة فى مكانها، وتحولت بالفعل إلى كتلة زمنية مُعذبة. الموسيقى، كالعربة، مخزن انتماء وعبور لكل ماهو غير فان. داخل كل عصر مأزوم وسائل للانتقال والعبور خارجه كالسرعة والموسيقى