الأحد 26 يوليو 2015 / 13:18
لن تجد توصيفاً للجماعات الجهادية أفضل من وصف أبي مصعب السوري- أحد قادة هذه المجموعات المخضرمين- بأنها توليفة من أفكار جماعة الإخوان المسلمين بنكهة المنهج الحركي لسيد قطب، مضافاً إليه قسط وفير من الفقه السياسي لابن تيمية.
وإذا أمعنا النظر في مصادر الفكر الجهادي في الزمن الراهن، لوجدنا بين أبرزها، المصادر التالية: "ملة إبراهيم" لأبي محمد المقدسي، "تأملات في المنهج" لأبي قتادة الفلسطيني، "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية" (في١٦٠٠ صفحة) لأبي مصعب السوري المذكور آنفاً.
وتشير هذه المصادر إلى أربعة تحولات مهمة داخل هذه التيارات الجهادية لابد من أخذها بعين الاعتبار عند التحدث عن مكوناتها كما لاحظها عدد من الباحثين:
١- التحولات العقدية: والتي تنطلق من تكفير الأنظمة التي لا تحكم بالشرع، وأخطر هذه التحولات هو مبدأ ادخال جنس العمل في مسمى الإيمان، مما سيستلزم تكفير كل من عملاً محرماً، وهذا هو عين فكر الخوارج وهو ما تتبرأ منه السلفية الكلاسيكية في أدبياتها رغم ممارسة بعض أتباعها لهذا المبدأ.
٢- التحولات الفقهية: حيث صار التركيز على أحكام حلق اللحية والموسيقى وتغطية وجه المرأة والتصوير، ومثل هذه الفروع لا تجد لها حماسة كبيرة في كتب الفقهاء القدماء كما عند فقهائهم اليوم، فمثلا حلق اللحية وتقصير الثوب لم يكونا سوى فروع فقهية منكمشة في كتب التراث حتى رأيناهما اليوم بحوثاً مستقلة قد ينال بها أحدهم رسالة دكتوراه في الشريعة.
٣-التحولات الفكرية: والتي تشمل الموقف الشرس والعنيف من العلمانية والليبرالية والتيارات الفكرية الأخرى السائدة اليوم.
٤- التحولات الدعوية: والتي تشمل الموقف المعادي للانتخابات والعمل البرلماني والنقابي والذي تحلحل عند جماعات الإسلام السياسي، ومازال يتململ منه التيار السلفي ويتقدم فيه بخطوات ينتابها الريبة والحذر.
لاشك أن تنظيم داعش الإرهابي، يسعى إلى التمايز عن السلفية التقليدية فقهياً واعتقادياً، فبينما يحرم الخروج على ولي الأمر المتغلب عند السنة -حتى جعل ابن تيمية الصبر على جور الحاكم أصلاً من أصول السنة- فإن الدواعش جعلوا شرط "القدرة على الخروج" على الحاكم المبتدع فقط، أما الحاكم الكافر - الذي يمتلكون ألف دليل ودليل على تكفيره - فهو واجب الخلع سواء وجدت القدرة أم لم توجد، والكافر عندهم يدخل فيه حكام بلاد المسلمين اليوم قاطبةً، ومن فتاويهم الغريبة تجويز قتل أطفال ونساء الشرطة المحاربين لهم حتى لو لم يكونوا في أرض المعركة، تماماً كما فعلت الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر ثم أقرهم على ذلك "أبوقتادة الفلسطيني" بحجة درء هتك الأعراض وتخفيف الوطأة على نساء المجاهدين والمسجونين، بل إن أبوقتادة نفسه أفتى لهم بجواز قتل أحد قادتهم - وهو محمد الوناس- لأنهم اكتشفوا أنه أشعري العقيدة مستدلاً بكلام لابن تيمية يجيز قتل الداعية إلى البدعة المخالفة للسنة، فضلاً عن كلام آخر لابن تيمية يستدلون به في تجويز قتل الحرورية والرافضة الداعين لمذهبهم عند تحقق عدم وجود مفسدة راجحة من هذا القتل.
ومن الصور التي حكموا على أصحابها بالكفر المخرج من الملة: الجلوس مع الأمريكان للهدنة / تكفير من يدخل الانتخابات حتى لو كان إسلامياً / خروج قيادي من سجون الاحتلال لافتراضهم أنه لم يخرج إلا بعد أن باع دينه / تكفير عناصر الشرطة والجيش والحكم بقتلهم حتى لو كانوا يحرسون بيوت أمهاتهم، لافتراض أنهم لو كلفوا باعتراض طريق المجاهدين لفعلوا / تكفير جماعات جهادية سلفية / التوسع في مفهوم من لم يكفر المكفر فقد كفر، وبذلك يستطيعون تكفير كل من لم يقبل تكفير من حكم فقهاؤهم بكفره.
أما مع أهل الذمة فيكفيك قراءة عنوان كتاب أبي منذر الشنقيطي (إعلام الأمة بانقراض أهل الذمة)، فالمسيحيون اليوم عندهم بلا ذمة ولا عهد لأنهم لا يؤدون الجزية، فليس لهم إلا السيف، لكن الحمدلله أنه بقي شيء من عقل في رأس الشنقيطي هذا وطلب عدم البدء بسبي نسائهم للمصلحة العامة وليس لأي سبب إنساني آخر، أما الشيعة الإمامية فهم طائفة شرك وردة كما صرح الطرطوسي، إلا أن "أبومصعب السوري" ومعه جمهور الجهاديون وعلى -رأسهم الظواهري- يجعلونهم ضلالاً مبتدعين ولا يكفرونهم، ونقل السوري عن أقلية من المجاهدين عدم إعطاء هذه المسألة أهمية حالياً لأسباب سياسية.
أما فيما بينهم فبأسهم لا يقل شدة عن بأسهم مع من هو خارج مدينتهم الفاضلة المقاتلة، فكان "أبوحمزة المهاجر" يجمع البيعات لتنظيم داعش في العراق من قادة الفصائل ويقول لهم اشترطوا علينا ما شئتم ، فإذا اشترطوا طوى ما كتبوه في جيبه حتى إذا بايعوا يصير لا يسعهم الخروج إلا ويكون حكمهم القتل.
أما أبوبكر البغدادي خليفة داعش فاسمه إبراهيم بوبدري ويدعي أنه قرشي، مع أن جمعية "تنزيه النسب العلوي" نفت في عام ٢٠٠٩ انتساب عائلة بوبدري إل الحسن بن علي بن أبي طالب، وأما صاحبه محمد منصور صاحب كتاب "الدولة الإسلامية بين الحقيقة والوهم" فيقول إنه اكتشف محدودية ذكاء البغدادي وبطء استيعابه أثناء دراستهم لمتن زاد المستقنع - وهو متن في الفقه الحنبلي - وأن البغدادي لا يتقن كتاباً واحداً في العقيدة ولا في الفقه، وفوق ذلك لم يكن من أصحاب الجولات والصولات المشهودة في ساحات الجهاد والالتحام.
ويتساءل العديد من الناس عن الفرق بين داعش وتنظيم القاعدة، ويبدو أن الفرق بينهما لا يتعدى الفرق بين فرعون وهامان، فأحدهما أشد طغياناً وجبروتاً وبطشاً من الآخر، ومن خلال رسائل أيمن الظواهري وفتاوى أبي محمد المقدسي يتبين أن تنظيم القاعدة شن حملة تحذيرية على داعش بسبب كونه أكثر تطرفاً منه في التكفير والعدوانية، وربما يوجد سبب آخر وهو الحرص على عدم سحب بساط الجهاد من تحت أرجلهم والذي انعكس على التباين والاختلاف بين التنظيمين، فمثلاً يفضل الظواهري تحييد السنة غير المقاتلين والشيعة والمسيحيين والسيخ والهندوس من ساحة المعركة لأنهم لم يحاربوا مقاتلي القاعدة مباشرة، ويستتبع ذلك رفضه التعرض لمساجدهم وكنائسهم ومعابدهم وتجمعاتهم الدينية، أما داعش فكان أول من كفر وحارب واغتال هم إخوان السلاح بتهمة بالمداهنة والتزلف واللين مع أعداء مشروعهم الجهادي.
داعش يريد فعلياً أن يرث القاعدة، ولقد صار يستقطب جموعاً من المجاهدين من أمريكا وأوروبا وسيناء واليمن وكثير من الدول العربية بسبب حرقه مراحل التمكين للوصول إلى ما يسميه التنظيم الخلافة الإسلامية التي تصبو لها الجماعات الإسلامية السلمية وغير السلمية، فوجود خليفة بعد انقراض دام قرابة التسعين عاماً يجعل باقي التنظيمات أقماراً تدور حول كوكب هذا الخليفة المزعوم، وبذلك يكون البغدادي قد قطع الطريق على باقي التنظيمات التي ترددت في إعلان الخلافة بسبب المصلحة، والآن يمتلك البغدادي الحق في نحر الخلفاء الجدد بحديث "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما".
إن انتشار داعش المتسارع في غضون وقت قصير نسبياً جعل علماء الصحوة الجهادية يتهمون التنظيم بأنه صنيعة المخابرات السورية كما اتهمهم بذلك عدنان عرعور، ولقد تبرأ منهم شيوخ هذه الصحوة من أمثال عبدالعزيز الطريفي وسليمان العلوان ويوسف الأحمد وأبوقتادة الفلسطيني وأبوبصير الطرطوسي وأبومحمد المقدسي، وإذا قسنا على ما يعد له هذا التنظيم من خطط، فإن ما شهدته المنطقة في كفة، وما هو آت (إن لم يتم القضاء على هذا التنظيم) في كفة أخرى؟ فبحسب ما كتبه "أبوبكر ناجي" في كتاب "إدارة التوحش" - والذي هو اسم وهمي غير معروف و كان يكتب مقالات في منتدى "أنا المسلم" وقامت وزارة الدفاع الأمريكية بترجمة مقالاته للغة الإنجليزية لأهميتها - فإن مشروع الجهاد على مشارف المرحلة السادسة وهي مرحلة المواجهة الشاملة مع الجميع في المنطقة بعد المرور بمراحل الإفاقة وفتح العيون والنهوض والثورات وإعلان الدولة، وهنا نحن أمام خيارات مصيرية في حالة عدم وأد التطلعات الفاشية ومحاربة جذورها وأسبابها، قد يكون أهونها سفر الناس بجوازات داعش من ذوات الهالات "الإيمانية".