خطابات مرسي (24)
خطابات مرسي (24)
الإثنين 28 يناير 2013 / 13:21

مرسي: من "أهلي وعشيرتي" إلى تهديد المصريين بما هو أعظم

24 ـ محمد أبو زيد

البدايات تنبئ بالخواتيم. وهكذا تبدو خطابات الرئيس المصري محمد مرسي التي بدأها مخاطباً "أهله وعشيرته"، لكنه قرر في خطابه الأخير أن يتصرف ككبير لهذه العشيرة، فيعاقبهم جميعاً.

لا يغرنّكم حلم الحليم
بدأ مرسي خطابه الأول بجملة "أهلي وعشيرتي"، وخاطب المصريين بقوله "أحبائي"، وهي الكلمة التي كان يستخدمها مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، لكن مرسي في خطاباته الأخيرة خاطبهم بقوله "الإخوة والأخوات" كما كان يفعل حسني مبارك، و"شعب مصر العظيم" كما كان يفعل المجلس العسكري، وهذا لا يعد اضطراباً في الخطاب بمقدار ما يمكن اعتباره جمعاً بين سوءات الثلاثة أطراف.

انعكس هذا التطور الظاهري على مفردات الخطابات الأخيرة التي انتقلت من الحديث عن النهضة والنعيم المقيم الذي ينتظر المصريين إلى الوعيد والتهديد وتجاهل مطالب المتظاهرين الذي بدأه عندما قرر أن يخطب بين أنصاره في ذكرى حرب أكتوبر في استاد القاهرة بعد مرور 100 يوم على حكمه ساخراً من المعارضة التي "لا تصلي الفجر"، لكن الأمر اتخذ بعداً أكثر فجاجة عندما خطب في المتظاهرين المؤيدين له أمام قصر الاتحادية، متحدثاً عن المأجورين الذين يدبرون المكائد في "حارة مزنوقة"، مهدداً أنه لن يسمح لهم بذلك.

هذا الخطاب التهديدي تطور بعد ذلك ليقول في خطاب آخر: "لا يغرنّكم حلم الحليم"، ثم يهاجم في خطاب ثالث من طرف خفي وسائل الإعلام "المأجورة" عن طريق الإشادة بالإعلاميين الشرفاء، وهو الأمر الذي وصل في خطابه الأخير للحديث عن مواجهة أي تهديد "بحزم وقوة".

مرسي والخطاب الإخواني
يروي محلل الشؤون السياسية في مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إيريك تراجر أنه التقى مرسى عام 2010 ضمن لقائه ما يقرب من 70 من وجوه المعارضة المصرية، لسؤالهم عن خلفياتهم الشخصية: أين ولدوا؟ ماذا كانت مهن آبائهم؟ ما إذا كانوا أول من اقتحم عالم السياسة في أسرهم؟ ويقول إن معظم إجابات مرسي كانت: "لا أعتقد أن هذه الأسئلة لائقة، لن أواصل المناقشة لو استمرت بهذا الشكل، مثل هذه الأسئلة لا يمكن أن تكون أبداً جزءاً من بحث ما، أنا لا أقبل هذه الطريقة".

تكشف هذه الحكاية البسيطة الطريقة التي يفكر بها مرسي ويخاطب بها شعبه. هو لا يرى نفسه مخطئاً أو قابلاً للنقد حتى لو كان ما يطرح عليه سؤال وليس اتهاماً، لأنه يرى أنه الصواب وغيره باطل، لذا ردد في خطاب أخير له أن "الحق أبلج والباطل لجلج"، وهي صيغة تبدو استبدادية لأنها تعني أن الحق مع من يتكلم، وهو ما يقطع أي حديث عن حوار أو حلول وسطى.

كان مرسي وقتها أحد قيادات الإخوان البارزة، وكان يستخدم طريقتهم نفسها في الرد وبعد قرابة 3 أعوام من الحوار يستخدم الطريقة نفسها، إذ تأتي خطاباته دائما صدى لبيانات الجماعة التي تسبقه دائماً بيوم، يكرر فيها ما سبق أن قالته الجماعة.

في خطابه الأخير أشاد مرسي بالداخلية، وهو ما فعلته الجماعة في بيان لها. وهاجم من أسماهم مثيري الشغب وهو ما سبقته إليه الجماعة، وحمّل المعارضة المسؤولية ثم دعاها إلى الحوار وهو ما قالته الجماعة بالحرف.

تطور  مفردات مرسي
على الرغم من كثرة خطابات مرسي إلا أنه يمكن اختصار معالمها في أسطر قليلة. في خطابه الأول عقب إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية كرر مرسي كلمات "أحبائي" و"أهلي وعشيرتي"، و"إنني رئيس لكل المصريين أينما وجدوا وجئت باختياركم أنتم"، و"لا مجال للتخوين فيما بيننا"، وفي خطابه في ميدان التحرير كان أشهر ما قال: "جئت إليكم بدون واقي رصاص"، و"أنتم مصدر الشرعية"، و"لا سلطة فوق سلطة الشعب".

أما في خطابه بعد إصداره الإعلان الدستوري فقد قال فيه: "سوف نمضي إلى الأمام ونتصدى بكل حسم وحزم لمن يريدون تخريب مصر"، و"من استغل الإعلان الدستوري من أجل العنف سيحاسب وسيعاقب". أما أبرز ما جاء في خطابه الأخير، الأحد، بعد اشتباكات بورسعيد وفرضه حالة الطوارئ "سأضطر لأكثر من ذلك"، و"سنواجه أي تهديد للوطن بقوة وحسم"، و"الشعب المصري يرفض هذه الأفعال ويرفض من يسكتون عن إدانتها".

هذا التطور في خطابات مرسي إلى الأعنف، يسميه المصريون "طق حنك" أي أنه مجرد كلام لا يعني شيئاً، فهو لا يغير حقيقة ثابتة طبعت كل تصرفاته منذ وصوله إلى الحكم، وهي التسويف وعدم قول الحقيقة، وعدم تنفيذ ما يقول.

هذا الكلام لا ينطبق فقط على حديثه عن الإنجازات المنتظرة و"طائر النهضة" والدولة المدنية، بل على تهديداته أيضاً فقد تحدث أكثر من مرة عن معاقبة المتآمرين الذين يعرفهم بالاسم ولمح لهم، لكن شيئاً لم يحدث.

الميل إلى الخطابة
يحب مرسي "الخطابة" ويرى نفسه متحدثاً بارعاً ظلمته الظروف عندما حصرته في دَوْر رئيس الجمهورية، لذا فهو لا يترك فرصة دون أن يخطب، سواء في مؤتمر أو خطاب رسمي أو عقب صلاة التراويح أو عقب صلاة الجمعة أو في برنامج تلفزيوني أو عبر تويتر، بل إنه خصص برنامجاً إذاعياً خلال شهر رمضان الماضي لكي يلقي عبره كلمة يومية إلى الشعب على مدار الشهر.

وحينما أجرى معه مذيعان من التلفزيون المصري حواراً، صرح المذيع عقب اللقاء أن مؤسسة الرئاسة نصحته بأن يقاطع الرئيس ولا يتركه يستطرد كثيراً. وفي خطابه الشهير الذي ألقاه في ميدان التحرير قال بعد ساعة من الخطاب إنه يعتذر عن هذه الكلمة "القصيرة" واعداً بخطابات أخرى. وربما يكون هذا هو "الوعد" الوحيد الذي صدق فيه منذ أن تولى الرئاسة، فلم يبخل بخطاباته الطويلة أبداً على الشعب الصبور.

هذا النهم الشديد إلى "الكلام" يقودنا إلى القاعدة التي تقول إن من يتكلم كثيراً لا يسمع أبداً. وهذا هو ما يتضح من خطابات مرسي التي تبدو لأول وهلة أنها جاءت رداً على مطالب المعارضة والشعب الثائر في الشوارع، لكن يتضح فيما بعد أنه لم يسمع شيئاً عن هذه المطالب، بل إنه يتحدث إليهم بمنطق "كبير العائلة" الذي إذا تحدث وجب على الجميع الاستماع إليه.

مرسي خطيب مسجد
وربما يكون هذا هو السبب في أنه بالرغم من طول خطابات مرسي إلا أنه لا يقول شيئاً في النهاية، وهذا يعود إلى ميله لاستخدام أساليب البلاغة القديمة من استطراد وتكرار كما يفعل أئمة المساجد لترهيب المصلين وترغيبهم.

استخدام مرسي لوسائل خطباء المساجد لا يقتصر على هذا فقط، بل يبدو ذلك ملمحاً أساسياً في خطابه الذي يأتي في أغلبه طائفياً، يبدأه بالبسملة والصلاة على النبي واستشهاده بالكتاب والسنة والنظر إلى القضايا السياسية من زاوية الحلال والحرام.

يميل مرسي لاستخدام المحسنات البديعية، من تكرار وإطناب في غير موضعه، ليس إلا من باب الإطالة وملء الوقت، وهو ما حدث في خطابه الأول عندما ذكر أسماء 24 محافظة مصرية، كان يمكن ذكرها في جملة واحدة، ولأنه نسي 4 محافظات عاد ليذكرها في خطابه التالي.

ويستخدم مرسي الخطاب الديني "الدوّار" أي الذي ينطلق من نقطة محددة ثم يعرج إلى أخرى، ثم ينتهي إلى النقطة الأولى مرة أخرى، ويعتمد بصورة أكبر على التكرار من أجل تثبت المعلومة في ذهن المتلقي، كما أن إصرار مرسي على الارتجال والابتعاد عن الخطب المكتوبة يرجع إلى أن مرسي من جماعة دينية تتخذ العمل الدعوي وسيلة لخدمة العمل السياسي.

مرسي والسادات
يحلو للبعض أن يشبه خطابات مرسي بخطابات الرئيس السابق مبارك، لكنه يبدو أقرب إلى خطابات أنور السادات الأخيرة عقب خروج الشعب عليه بعد اتفاقية كامب ديفيد. إذ نجد حالة التوعد الغضب والتهور ونفاد الصبر نفسها، وإلقاء المسؤولية على المعارضة والتلميح بمسؤولية أشخاص عما يحدث دون تسميتهم. لم يصل مبارك لهذه الحالة، كان أقصى ما قاله عن المعارضة "خليهم يتسلوا"، لكن مرسي فضل أن يستبدل الشين بالسين في عبارة مبارك الأخيرة، معلناً حربه على المعارضة.

الرابط الوحيد بين مبارك ومرسي هو الاستقواء بالشرطة واستعمال مفردات "المواطنين الشرفاء" و"المعارضة" و"هموم المواطنين البسطاء" و"حماية مؤسسات الدولة"، والدعوة للحوار الذي يبدو في باطنه تحذيراً من الحضور أكثر منه حافزاً.

مرسي: أنا الرئيس
في حواره الأخير مع مجلة "تايم" الأمريكية استخدم مرسي كلمة "أنا" 110 مرات أثناء الحوار، وقد تجعل هذه الإحصائية خبراء الطب النفسي يقولون إنه لا يرى إلا نفسه. أيا كان ما يقولونه فإن التهديدات التي استخدمها في خطابه الأخير وتلويحه بإصبعه قابلها المصريون بالسخرية، بل ردت عليه جماعة "بلاك بلوك" بأن رسالة التهديد وصلت وعليه أن ينتظر الرد.

حاول مرسي أن تكون كلماته في خطابه الأخير قوية، لكنها جاءت مرتجفة لأنه يدرك أن الشارع أقوى منه ومن جماعته ولن يسمح لأحد بتقييد حريته، بل بدا في خطابه الأخير فاقداً لأعصابه أخيراً، أو أنه خلع قناع "النهضة" وارتدى قناع الطوارئ الذي أسقط مبارك.

في أحد خطاباته الأولى الشهيرة فتح مرسي سترته وقال إنه لا يرتدي قميصاً واقياً لأن الشعب سيحميه، وفي خطابه الأخير هدد هذا الشعب وفرض عليه قانون الطوارئ وحظر التجوال مهدداً باتخاذ المزيد من الإجراءات "الحازمة". ما بين المشهدين يبدو سيناريو النهاية واضحاً لمن يجيد القراءة، لكن كيف ستأتي هذه النهاية؟ الإجابة عند الشعب المصري.