جامع الشيخ زايد الكبير
الجمعة 4 ديسمبر 2015 / 10:44
نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 4 ديسمبر (كانون الأول)، تحت عنوان "الإبداع والابتكار".
وتناولت الخطبة الحديث عن أهمية الابتكار وتطور الأمم والطاقات الإبداعية، مؤكدة أن حسن استثمار الطاقات الإبداعية مطلب شرعي ومنهج نبوي، كما دعت إلى مقاومة العجز بإبداع طرق مبتكرة لحل المعضلات وتخطي العقبات وتحقيق مرتكزات التقدم ومقومات التنمية والإعلاء من قيم العمل والإنتاج والابتكار، إذ أنها سبل النمو والازدهار.
نص الخطبة
الحمد لله رب العالمين، بديع السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، حث على الإبداع والابتكار، وحض على التقدم والازدهار، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال تعالى:( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون). وقال الله عز وجل:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
مطلب شرعي
أيها المسلمون: إن تطور كل أمة وتقدمها متوقف على طاقات أهلها الإبداعية، وسواعد أبنائها الفتية، وهي مما أنعم الله تعالى على الإنسان به لينظر كيف يعمل، قال تعالى:( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا). وحسن استثمار هذه الطاقات مطلب شرعي، ومنهج نبوي؛ قال عليه الصلاة والسلام: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز". ففي هذا الحديث تقوية للآمال، ورفع للهمم, وتحفيز على الابتكار, حيث أراد الإسلام لنا أن نقاوم العجز، بإبداع طرق مبتكرة لحل المعضلات، وتخطي العقبات، وتحقيق مرتكزات التقدم، ومقومات التنمية، والإعلاء من قيم العمل والإنتاج والابتكار، فهي سبل النمو والازدهار، وقد مدح الله تعالى الإبداع وشرفه بأن جعله من أسمائه الحسنى، فهو سبحانه البديع، ووصف به ذاته العلية فقال عز وجل:( بديع السموات والأرض). أي: خالقهما على غير مثال سبق.
عباد الله: والإبداع والابتكار: هما إنتاج أفكار إيجابية جديدة أو تطوير فكرة قديمة ينتج عنها شيء جديد متميز ومفيد، ونجد في كتاب الله عز وجل الدعوة إلى التأمل والتفكر، والتدبر وإعمال العقل في أكثر من مائة وثلاثين موضعا، منها ما جاء بصيغة الأمر الواجب، ومنه قوله سبحانه:( قل انظروا ماذا في السموات والأرض). وفي هذه الآية إشارة إلى علوم الفلك وعلوم الأرض على اختلاف أنواعها، كما أمرنا القرآن الكريم أن نتفكر في أنفسنا، فقال سبحانه:( فلينظر الإنسان مم خلق).
التأمل والتدبر
والتأمل والتدبر فيما حولنا عبادة نؤجر عليها، فهو يزيد الإيمان، ويثمر الاكتشافات، وينتج الإبداعات، وقد أمر الله تعالى بالتفكر في آياته العظيمة، ومننه الكبيرة. قال تعالى:( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). ومن العلم والفكر ينتج الإبداع، ويحصل التطور، وقد جمع الله تعالى في آية كريمة بين العلم وإعمال العقل، فقال سبحانه:( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) أي: إن الذين لهم عقول متفتحة، وفكر مستنير؛ يدركون حقائق الأشياء، ولذلك كان حفظ العقل من مقاصد الشريعة الخمسة، فحرمت كل ما يعوقه عن دوره في الإبداع وتطوير الحياة، وبناء نهضة الإنسان، وعمارة الأوطان، قال الله عز وجل:( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). وإعمار الأرض يقتضي بالضرورة وجود الإنسان المستثمر عقله، المتميز في تخطيطه، المبتكر في عمله، المطور مجتمعه.
أيها المسلمون: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه ويحاورهم رضي الله عنهم ليغرس فيهم التفكير الإيجابي، وصولا إلى الفكر الإبداعي، والمتتبع للسيرة يجد أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أبدعوا أفكارا كان لها تأثير كبير، وتحول في المجتمع آنذاك، فرب فكرة نهضت بأمة، وكانت سبب قوتها وعزتها، وكل ما نراه من إمكانيات سهلت لنا الحياة كانت أفكارا قدمها مبدعون خدموا بها الإنسانية، فقد ابتكر جابر بن حيان قانون الأوزان المتكافئة، وأسس ابن الهيثم علم الضوء، واكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى، وفصل الخوارزمي بين علمي الجبر والحساب، ورسم الإدريسي أول خريطة للعالم، وغيرهم من منارات العلم ومفاخر الحضارة الإسلامية, الذين كان الإيمان لهم وازعا للعلم، ودافعا للإبداع، فرفع الله عز وجل قدرهم، وأعلى شأنهم، وانتشرت علومهم، قال تعالى:( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) فجمعت الآية بين العلم والإيمان.
الأفكار الناجحة
أيها المصلون: إن الأفكار الناجحة، والعقول المبتكرة، تكون دائماً واعية ومتيقظة لما تقوم به من مشاريع وأفكار, ومتابعة لأداء وتقييم الأعمال, فتسعى إلى التطوير وتحسين الأداء، فترفع من مستوى فاعليتها وقدرتها, وتشجع موظفيها على الابتكار والتجديد، وتقدير جهدهم وإبداعهم .
وإن الأسرة لها الدور الرائد والأساسي في تنمية قدرات أبنائها الإبداعية، وترشيد ميولهم الفكرية, ليحوزوا السبق في التفوق والتميز، فهذه أم الإمام مالك بن أنس لما رأت في ولدها مالك الذكاء والنجابة ألبسته العمامة، وأرسلته إلى مجلس ربيعة ليطلب العلم، فصار إمام دار الهجرة، فما أجمل أن ننمي قدرات أبنائنا، ونشجع مواهبهم, لينفعوا أنفسهم، ويرتقوا بوطنهم، وينهضوا بأمتهم العربية، ويسهموا في رفعة بلدهم، وقد حثنا الله تعالى على استثمار نعمه، فقال سبحانه: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون).
فاللهم ارزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأنر بصائرنا, ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المصلون: إن أول ما نتواصى به تقوى الله تعالى واتباع كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإعمال عقولنا وصولا إلى الابتكار، فإن له ثمرات عظيمة على الفرد والمجتمع، تختلف باختلاف مجال الإبداع، فمنه ما يمثل ثروة للوطن، ومنه ما يكون للاقتصاد نماء وقوة، ومنه ما يرسخ مكانة الدولة، ويسهم في بناء مستقبل مزدهر للأجيال، ويشارك في المحافظة على المكتسبات، ويطور الخدمات.
وإن الكثير من الأفراد إذا وجدوا الأجواء صالحة للإبداع، والبيئة مشجعة على الابتكار؛ أثمرت عقولهم وأذهانهم اكتشافات وإبداعات، وقد وهبنا الله تعالى في دولة الإمارات العربية المتحدة قيادة رشيدة ترعى المواهب، وتستقطب العقول والخبرات، وتشجع على التميز, وتدعم الابتكارات، وترغب أبناءها وتحفزهم على الإبداع, ليكونوا سباقين في التنافس على الريادة والتقدم في كل ما هو جديد وفريد؛ لنحقق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".