الأحد 20 ديسمبر 2015 / 22:47

تمثال الشيخ زايد: تحية لقائد تاريخي وإحياء لفن عريق

يمكن وصف تمثال الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي أزيح الستار عنه قبل يومين في مصر، بأنه بادرة نوعية ومفاجأة سارّة. فقد امتنع العرب المعاصرون، لأسباب دينية في الأغلب، عن نحت تماثيل للشخصيات المؤثرة والريادية والفاعلة التي كانت مصدر إلهام واستلهام في البناء والتنمية والوحدة أو في الثقافة والتنوير، لأنّ المنحوتات المجسدة للإنسان، حسب المتشددين، محرّمة، بعدما مزجت بصورة فاسدة بين الفن المعشوق والوثن المعبود، على الرغم من أن التراث العربي القديم زاخر بذكر التماثيل والمنحوتات في بيوت الأمراء وقصور الخلفاء.

ولعل هذا المزج الفاسد بين التمثال الذي شيّد لأسباب جمالية والآخر الذي تم نحته بقصد العبادة والتقديس، هو الذي قاد إلى تراجع الفنون التجسيدية عند المسلمين المعاصرين الذين هدموا ما تركه أسلافهم زورا وبهتانا، ولقد شهدت المنطقة العربية مؤخراً بطولات زائفة لبعض الإرهابيين من المتطرفين الذين عاثوا في الأرض فسادا، فدمروا بعض النصب التذكارية، بحجة هلامية، تلك الحجة التي ترى بأن الإنسان سرعان ما ينسى، بتعاقب الزمن، المقاصد الجمالية للمنحوتات فينكفئ إلى تقديسها وعبادتها. وهو ما فعله داعش في العراق وفي سوريا وما سبق للقاعدة أن قام به في أفغانستان، مع أنّ تلك التماثيل ظلت في أثناء تعاقب حكم المسلمين من غير أن يمسوها بسوء.

لقد سبق للإمام محمد عبده أن توقف عند هذا الأمر بوعي تام يوم زار صقلية عام 1904 وكتب في "المنار" يشيد بحفاظ أهل البلاد على تراث المسلمين وعدم تدميره، وما جاء في مقالته تلك قوله "إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر، وضبطه في دواوينه، والمبالغة في تحريره، خصوصاً شعر الجاهلية، وما عني الأوائل - رحمهم الله - بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يُرى ولا يُسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسمع ولا يُرى". ثم يضيف إضافة نوعية مهمة فيقول: "إنّ الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان".

واستطرد: "إذا أوردت عليه (المفتي، وهو نفسه كاتب المقال) حديث: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون، أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول اللهو، والثاني التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين. والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه. والمصور في الحالين شاغل عن الله، أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات".
وأضاف مفتي الديار المصرية: "يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرّم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين لا من جهة العقيدة ولا من وجهة العمل".

لقد ساعد على انتشار الأفكار الظلاميّة تخاذل بعض الحكومات العربية التي آثرت أن تجعل من هذا الاتجاه الهامشي المتشدد الذي يحرم التماثيل الرمزية اتجاها عاما رياديا، وكانت في كل ذلك إما مجاملة أو سعيا منها إلى اتقاء النقد، ذلك، لأنّ نقد المتشددين مر علقم، وليس لقناعة بعض الحكومات العربية بأن التماثيل والنصب لا قيمة لها، وهي من باب الترف لا أكثر، فأهملت العمل عليها، والتشجيع على نحتها وتعزيز إنتاجها وعرضها، رغم احتفاء العالم أجمع بالفنون التجسيدية وإيمانه بجدواها وأثرها الإيجابي على الإنسان والجمالي على المكان.

لقد ميّز القرآن الكريم بين نوعين من التماثيل، تماثيل تعبد من دون الله، أطلق عليها أصناما وأنصابا، وقال تعالى في وصفها: "وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنيّ أنّ نعبد الأصنام…"، فدلالة الآية، كما هو واضح تحرّم التماثيل المعبودة لكن القرآن نفسه نص على أن هناك تماثيل محمودة، تلك التي لم تتخذ أيقونات للتعبد، وفي ذلك قال تعالى وهو يحكي عن سليمان عليه السلام: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ...". وكذلك ما ذكره الآي الحكيم نقلا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: "أتعبدون ما تنحتون؟ والله خلقكم وما تعملون"، فلم يقف أبو الأنبياء موقفاً سلبياً من النحت بل رفض التمثال الذي ينحت ليتخذ آلهة تعبد من دون الله، فمشكلة سيدنا إبراهيم ليست مع النحت إن كان نصبا تذكارياً أو جمالياً أو فنياً بل مع الأنصاب والتماثيل التي كانت تقرب المشركين إلى الله زلفى.

ورغم أن مبادرة رجل الأعمال محمود الشناوي في دعم الفنان التشكيلي المصري د. عصام درويش لنحت تمثال للراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بميدان الشيخ زايد في مدينة الشيخ زايد التي تم إنشاؤها عام 1995 مغامرة، إلا أنها مغامرة فنية استطاعت أن تستنطق فن النحت ليعبر من خلاله عن صور رمزية شتى ظلت تستجلي بعض ملامح الراحل في وجدان أبنائه الإماراتيين، فمكانة الشخصية الرفيعة كانت مجسدة في إنتاج أكبر تمثال برونز يقام فى العالم العربي خلال الـ60 عاماً الماضية، وأول تمثال مكتمل يناهز طوله أربعة أمتار ونصف ويفوق وزنه ستة أطنان ارتفع على قاعدة من الجرانيت.
ولعل الملمح التعبيري في التمثال الأكثر تعبيرا يتجسد في العصا التي يحملها حكيم العرب في يده اليسرى، رافعا ذراعه اليمنى إلى الأعلى كما يفعل سلاماً ومحبة وإقبالاً وتقديراً لأبنائه، أما العصا فكانت معبرة عن ملمح من ملامح سيرة الشيخ زايد رحمه الله، فكثيراً ما كان يظهر حاملاً عصاه في شبابه وشيبته، فالعصا شديدة الحضور في التراث العربي، وكما يذكر عند العرب بأنها سنة الأنبياء وزينة الصلحاء وحضورها رمز للحكمة العربية، كما ذكر الفرزدق وهو يحكي عن زين العابدين بن الحسين:

في كفه خيزران ريحه عبـق
من كف أروع في عرنينه شمم

وهي مأخوذة كما قالت العرب من أصل كريم، ومعدن شريف، لا ينكرها إلا جاهل. كما أن عادة العرب الفصحاء اللسن البلغاء أخذ العصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب.

إننا وإذ نحيي مصر التي أحبها الراحل الكبير على هذه البادرة الشجاعة, فإنّ الأمل يحدونا أن يبادر متحف الشيخ زايد الوطني إلى نحت تماثيل فنية معبرة تضم الشخصيات الفاعلة في تاريخنا ابتداء من زايد الكبير الذي كان زعيما ملهما سار على خطاه أبناؤه وأحفاده الغر الميامين، فشادوا دولة وصنعوا مجداً وكان مثل شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.