عادل أسعد الميري (أرشيف)
الأربعاء 23 ديسمبر 2015 / 16:31
يعتمد الكاتب المصري عادل أسعد الميري في كل أعماله على محطات من سيرته الذاتية، ومع هذا لا يمكن تصنيفها باعتبارها أدب سيرة، الميرى يحقق في كل أعماله ومنها "القارئ الفضيّ" 2004، و"القارئ الجالس القرفصاء" 2005، و"تأمّلات جوّال في المدينة والأحوال" 2006، و"تسكّع" 2008، و"كلّ أحذيتي ضيّقة" 2010، و"لم أعد آكل المارون جلاسيه" شرطاً مهماً من شروط الكتابة، وهو المتعة. هنا حوار معه.
ما الجديد الذى تعمل عليه حالياً؟
عندي أربعة مشروعات قطعت فيها خطوات متفاوتة الطول: أولاً.. بحث في الأصول المصرية القديمة للديانة المسيحية، وهو في البداية كان مشروعا لترجمة كتاب بهذا العنوان، من الفرنسية إلى العربية، لمؤلف مصري هو الدكتور ثروت الأسيوطي، الذي تعرّفت عليه منذ ربع قرن أثناء إلقائه محاضرة في السوربون، والكتاب كان رسالته للدكتوراة في السوربون، قبل حوالي ثلاثين عاما، ثم بعد ذلك فكرت في قراءة عدد من مؤلفاته، ومحاولة تبسيطها من ناحية المعلومات اللاهوتية أو المصرية القديمة التي فيها، وكتابتها وعرضها بأسلوب يجذب القارئ المصري المتوسّط الثقافة. لأن أغلب مؤلفات د. الأسيوطي كانت كتب جامعية في فلسفة الأديان موجّهة الى العقلية الأوروبية. يتعرّض الكتاب لمناقشة أفكار عن مولد المسيح دون زرع بشر، ومعجزاته مثل إقامة الموتى وشفاء المرضى، وموته ثم قيامته من الأموات، وكيف أن الفكر الديني المصري القديم كان قد تعرّض لكل تلك الأفكار، خلال أكثر من ثلاثة آلاف سنة، خاصة في مراكز عبادة أوزير، الذي مات كقربان إلى الربّ، لفداء الجنس البشري، ثم قام من الأموات، والابن حورس الذي وُلد دون زرع بشر، وهو نفس ما ادّعى عدد من الملوك المصريون وقوعه لهم، بداية من أوسركاف في الأسرة الخامسة. أنا درست مصريات في كلية الآثار.
ثانياً.. رواية مستوحاة من فترة عملي كمرشد سياحي، سيكون الراوي فيها هو شخص أجنبي عمل في شركة سياحة مصرية فرنسية، كقائد مجموعات سياحية، والكلمة المستعملة لتوصيف مهنته هي تور ليدر، وعاش في مصر عشرين عاما في الثمانينات والتسعينات. ستتعرّض الرواية لسلبيات الحياة في مصر، وسلبيات العمل في هذا القطاع. ظللت فترة طويلة متردّدا، بين أن يكون الكتاب أقرب إلى التسجيلية، كما هو الحال في شارع الهرم، أو يكون أقرب إلى القالب الروائي. ثم أدركت أن جاذبية كتاب شارع الهرم هي في ذكر الأسماء الحقيقية للفنّانين الذين عرفتهم في تلك الفترة، أمّا في مجال العمل السياحي فليس هناك ما يدعو إلى التسجيلية.
ثالثاً.. كتاب عن كل الأفلام السينمائية والكتب والرحلات، بالترتيب الزمني، التي كان لها تأثير قوي على ميولي الثقافية أو المهنية. سأذكر لك هنا بعض الأمثلة، كيف كتبت أول تعليق عن فيلم مصري وكنت في العاشرة، والفيلم هو (إجازة نص السنة) لفرقة رضا. معسكر أوائل الطلبة في بورسعيد سنة 1966. مجلد يجمع أعداد مجلة المقتطف لعام 1930 ورثته عن جدّي سنة 1967. وهكذا كل موضوع من هذه المواضيع يأخذ صفحة واحدة.
وأخيراً لديَّ مشروع طبع كراسة عن الآثار الاسلامية، كنت رسمتها أثناء دراسة الآثار الإسلامية في كلية الآثار جامعة القاهرة، بها رسومات لواجهات مساجد القاهرة، خاصة في العصر المملوكي، وبها كذلك عرض لقطع من الخشب من مجموعة المتحف الإسلامي بالقاهرة.
ـ لماذا تبدو بعيداً عن الوسط الثقافى، وأقرب إلى فكرة العزلة؟
ـ في كل المناسبات الأخيرة التي حضرت فيها ندوات أو أنشطة ثقافية تمّت إهانتي بطريقة غير مباشرة، قد أكون مبالغا في احساسي، إلى درجة قد يعتبرها البعض مَرَضِيّة. كأن يسخر الدكتور محمود الضبع دون أي داع، في ندوة (رحلة العائلة غير المقدّسة)، من فكرة أن يعبر يسوع المسيح وهو طفل صحراء سيناء على ظهر حمار، ثم يغادر المنصّة هربا مني، عندما يدعوني عمرو العادلي إلى التعليق على روايته الذي كنت قد أعددته. أثناء ندوة عماد فؤاد (الحالة صفر) عندما ذكرت أن أغلب الفنّانين والمؤلّفين ذوي الإحساس العالي يتعرّضون في حيواتهم لفكرة الانتحار وأضفت (حتى أنا نفسي)، فعلّقت واحدة من السيدات الحاضرات (يا ريتك يا أخي كنت عملتها). انعدم الإحساس وانتهى الذوق. بالإضافة إلى أن أغلب المعلّقين يجاملون المؤلّفين الى درجة كبيرة تجعل المسائل تبدو مزيّفة. بالإضافة إلى سبب شخصي وهو أنني كنت قد وقعت في حفرة منذ حوالي عام ونصف، بسبب حالة الشوارع المتهالكة، وضعف الإضاءة، وبالتالي أصبحت أخاف من النزول وأتجنّبه قدر المستطاع. بسبب حادثة الوقوع أُصِبتُ بتمزّق عضلي، جلست بسببه في المنزل لمدة ثلاثة أشهر.
ـ فكرة اعتماد معظم أعمالك على ما يشبه السيرة.. هل هذا يجعل النص قريباً منك ومن القارئ؟
ـ أنا لا أعرف إن كانت موضوعات السيرة الذاتية هي الأقرب إلى القارئ. لكن القاعدة هي أن تكتب عمّا تعرفه، أن تكتب عن خبرات ذاتية، حتى إميل زولا عندما أراد أن يكتب (جيرمينال) عن عمّال مناجم الفحم في شمال فرنسا، ذهب ليشاركهم حياتهم ستّة أشهر. القاعدة هي أن حياة المؤلف هي المنبع الرئيسي لأعماله الأدبية. أنا كتبت (شارع الهرم) لأني كنت موسيقيا فيه. وكتبت (بلاد الفرنجة) لأني سافرت فرنسا عشرات المرات وعشت فيها فترات متصّلة تقدّر كل مرة بعام كامل، وعرفت جزائريين يعيشون هناك. كتبت (فخ البراءة) عن واحد من أعزّ أصدقاء طفولتي. وروايتي التالية التي لن أعلن الآن عن اسمها، تدور أحداثها حول خبرتي كمرشد سياحي. أما في الأدب العالمي فأنا لن أعدم الأمثلة. مارسيل بروست في روايته النهر، التي تبلغ مليون كلمة في نصّها الفرنسي، (البحث عن الزمن الضائع)، لا يحدّثنا إلا عن حياته. بوريس فيان Boris Vian كان موسيقيا يلعب الجاز على مركب سياحي في المحيط الأطلنطي، ومؤلفاته تدور في هذا الإطار. دي اتش لورانس في (أبناء وعشاق) لا يتحدّث إلا عن الأجيال المتتالية من أسرته. هنري ميللر في كل رواياته لا يحدّثنا الا عن حياته.
ـ فى معظم أعمالك هناك سهولة فى القراءة فهل أنت حريص على أن تحقق ذلك الشرط كنوع من ضمان المتعة للقارئ؟
ـ هذه مجاملة كبيرة منك، لأن سهولة القراءة هي دليل على الوصول إلى مرحلة متقدّمة في الكتابة. طول عمري كنت أرى أن أهم مؤلّفَيْن مصريّيْنِ هما توفيق الحكيم ويحيى حقي، وكنت قد تعرّفت عليهما في سن مبكّر، حوالي السادسة عشرة، في الإجازة بين ثانية وثالثة ثانوي، وكنت أجدهما أسهل في القراءة من طه حسين أو العقاد، وحتى أسهل من نجيب محفوظ، وكنت خلال العام التالي وهو عام الثانوية العامة، معترضا داخليا على أن يكون الكتاب المقرّر علينا في منهج اللغة العربية، هو (عبقرية خالد) لعبّاس العقّاد، لأن به قدراً كبيراً من المفردات العربية الصعبة، ولأن به الكثير من المعلومات التي كان التلميذ المسلم أقرب إلى معرفتها من التلميذ المسيحي.
ـ ما الجيل الذى تحسب نفسك عليه؟ ولماذا؟
ـ أنا من مواليد 1953، أي أن مجايليي هم جيل السبعينات، الذين بدؤوا النشر في منتصف السبعينات، وهم في أوائل عشريناتهم، وهذا هو ما يفترضه صديق هو أحمد سراج في مشروع كتاب له بعنوان (السبعينيون)، وكان مشكورا قد أجرى معي حوارا ليضعني بينهم. إلا أن حياتي لا تقبل أي تصنيف، أنا أعتبر نفسي خارج أي تصنيف، فبسبب انشغالي بالحصول على بكالوريوس الطب، ومعرفتي الداخلية بحقيقة أنني لن أعمل طبيبا، لأنني لا أريد أن أعمل طبيبا، كنت أبحث عن مهنة أخرى. وقتها لم أفكر في الكتابة أو الصحافة كمهنة بديلة، بل فكرت في مهنة الإرشاد السياحي، لأنني أحببت الآثار المصرية واللغات، وكذلك في الحقيقة بسبب الأوضاع المادية لمهنة مرشد سياحي، التي مارستها لأكثر من عشرين عاما. ورغم أنني اعتدت طوال حياتي على كتابة تعليقات وملحوظات وتدوينات ورقية، عن الأحداث والشخصيات والرحلات، استعملتها بعد ذلك في كل ما طبعت، الا أن فكرة أن أطبع عملا أدبيا لم ترد إلى خيالي على الاطلاق، إلا وأنا في الخامسة والخمسين. لذلك كله أقول لك لا يمكن أن أنتمي الى أي جيل.
ـ ما الذى تقرؤه حالياً وترشحه للقراءة؟
ـ سأضع لك هنا قائمة بكل ما قرأت وأعجبني خلال الستة شهور الأخيرة:، أصوات سليمان فيّاض، أداجيو، إبرهيم عبد المجيد، قاهري، أحمد مجدي همّام، مُهر الصياح أمير تاج السر، بياض ساخن، الدكتورة سهير المصادفة، برلين 69، صنع الله إبراهيم، باب الخروج، عز الدين شكري فشير، مصابيح أورشليم، علي بدر، يوميات مصرية، تأليف ويليام جولدنج، وترجمة سمير محفوظ بشير. هذه كلها أعمال جميلة وجديرة بالقراءة. الا أن التالي هو ما اعتبره فعلا تحفا فنية:
أهم أسباب الليل، عبده جبير، أبناء النيل، تأليف محمد ماردوك بكتال، وترجمة سمير محفظ بشير، عدّاء الطائرة الورقية، تأليف خالد الحسيني، وترجمة منار فيّاض، بريد بغداد، تأليف خوزيه ميجيل باراس، وترجمة صالح علماني، قلب ناصع البياض، تأليف خابير مارياس، وترجمة د. طلعت شاهين، وشيطنات الطفلة الخبيثة، تأليف ماريو بارجاس يوسا، ترجمة صالح علماني.