جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي
الجمعة 19 فبراير 2016 / 09:39
نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 19 فبراير(شباط) تحت عنوان "الحمدلله رب العالمين".
ذكرت الخطبة نعم الله العديدة على الإنسان، وأوضحت أهمية حمده وشكره على ما أعطاه وأظهرت أثر وثواب ذلك على حياة الأفراد والأمم، فيما دعت الخطبة الثانية إلى الإكثار من حمد الله على كل حال.
نص الخطبة
أيها المصلون: إن حمد الله تعالى هو شكر لنعمه، واعتراف بفضله، وثناء عليه، وهو من أجل الطاعات، فنحن نقرأ في كل صلاة سورة الحمد- أي الفاتحة- ونتلو قوله عز وجل:( الحمد لله رب العالمين). فالكون كله مذعن لله بالحمد والثناء، قال جل شأنه) وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون). والحمد من أعظم ما مدح الله عز وجل به نفسه، فقال سبحانه:( وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون). وتسبح المخلوقات بحمده، وتردد الكائنات بشكره، قال تعالى:( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفوراً).
وحي الله ونبيه
وأمر الله سبحانه نبيه نوحاً عليه السلام بالحمد، فقال له: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين). وقال إبراهيم عليه السلام:( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء). وقال داود وسليمان عليهما السلام:( الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين). وأمر به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم فقال له:( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى). وتوجه إليه بالحمد الملائكة المقربون، فقال سبحانه عنهم:( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين).
أجرعظيم
أيها الحامدون: إن للحمد أجراً عظيماً، قال صلى الله عليه وسلم "الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ - ما بين السموات والأرض". ومعناه عظم أجر الحمد، وأنه يملأ الميزان ثوابا، ولو قدر ثواب التسبيح والتحميد لملأ ما بين السموات والأرض، لما اشتملا عليه من التنزيه لله، والتفويض والافتقار إليه. وكفى بالحمد فضيلة أن الملائكة تسارع إلى تسجيله، وتبادر إلى تدوينه؛ فحين رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع وقال:"سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم من المتكلم؟ قال: أنا، قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها- أي يتسابقون إليها- أيهم يكتبها أول".
أفضل دعاء
والحمد أفضل الدعاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أفضل الدعاء الحمد لله" وذلك لأن الدعاء ذكر لله وطلب للحاجة منه، والحمد يشملهما، وهو رأس الشكر. وأحب الكلام إلى الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم :"إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده". ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يملأ بالحمد حياته، ويستثمر به أوقاته، فإذا استيقظ بدأ بالحمد يومه، فقال:"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". وإذا أكل صلى الله عليه وسلم أو شرب قال:" الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه". ويعلمنا صلى الله عليه وسلم فضل ذلك فيقول:"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها". فإذا أنهى صلى الله عليه وسلم يومه، وأخذ مضجعه، حمد ربه على كثير نعمه، وواسع فضله؛ فقال:" الحمد لله الذي كفاني وآواني، وأطعمني وسقاني، والذي من علي فأفضل، والذي أعطاني فأجزل، الحمد لله على كل حال".
والحمد عند حلول المصائب والمحن محمود، وثوابه غير محدود، فمن ابتلي فلجأ إلى الله تعالى وحمده؛ نال الرضوان، وفاز بالغفران، يقول صلى الله عليه وسلم :"إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد". ذلك لأنه لم يتسخط على قدر الله، بل حمد واسترجع، فكافأه عز وجل بالجنة.
نعم الله
أيها المصلون: إن تذكر نعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى يعين على الإكثار من الحمد، قال عز وجل:( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم). فمن أكرمه الله سبحانه بالأمان والاستقرار، والرخاء والازدهار، فقد حيزت له الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :« من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». وكم نعيش في نعم عظيمة؛ ومنن كثيرة حرم منها غيرنا، فما أجمل أن يحمد المرء خالقه، ويشكره على نعمه بالقول والفعل، فاللهم اجعلنا لك شاكرين، ولنعمك حامدين، وبفضلك معترفين، ووفقنا لطاعتك أجمعين، وطاعة رسولك الأمين محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
الخطبة الثانية
أما بعد: فيا أيها المصلون، إن أول ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، والإكثار من حمد الله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله، فإن الحمد سبب في إسباغ النعم، وزيادة العطاء والمنن، ويورث الشعور بالراحة والرضا، وإن النظر إلى من هو دوننا يعيننا على تقدير نعم الله وحمده، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" انظروا إلى من هو أسفل منكم, ولا تنظروا إلى من هو فوقكم, فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم". فمن كان من أهل الحمد في الدنيا فإنه يوم القيامة من أعظم الناس فضلا، وأكثرهم أجرا، قال عمران بن حصين رضي الله عنه: اعلم أن خير عباد الله تبارك وتعالى يوم القيامة الحمادون.
فلنتساءل أين نحن من حمد الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ولنكثر من حمد الله وشكره على نعمة الإسلام، ونعمة استقرار الوطن، ونعمة الحاكم العادل، ونعمة العيش الرغيد، وعلى غيرها من النعم الوفيرة، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على رسول الله القائل صلى الله عليه وسلم:" من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا". اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعلنا ممن أنعمت عليهم فشكروا، وأعطيتهم فحمدوا, ومن علينا من واسع كرمك وفضلك يا أرحم الراحمين.