الجمعة 18 مارس 2016 / 18:02
تقديم:
جورج بهجوري ( ولد 1932) رسّام مصر العالمي، جاوز الثمانين، ويتمتع بالحيوية الجمالية، يحضر في الشارع، وفي المعارض، يرسم بحماس، وقد سبق أن أقام معرضه الأخير في القاهرة.
بهجوري رسم الناس البسطاء والزعماء، وحان الوقت ليرسمه الناس، فخصص الملتقى الدولي الثالث الكاريكاتور (20 مارس 2016) جائزة موضوعها: جورج بهجوري، وفاز بالجائزة الأولى رسّام الكاريكاتور العراقي المعروف علي المندلاوي.
وها هو يرسم لوحة رفض أن يبيعها، لأنه رأى أن يهديها إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وهنا رسمة بالكلمات لبهجوري
1
لقد أحسّ الطفل جورج الذي كان يدرج من قرية "بهجورة" في الأقصر هو أنه منذ البدء محتاج لأصابعه التي هي رئته الثالثة، أصابعه تساعده على سدّ حاجته، وطمعه الكبير في أوكسيجين الحياة.
وكانت كراسات المدرسة. هي متنفّسه البكر، لهذا الشيء الذي سيسميه جورج "شخبطة" وسيظل يبحث عن نفسه وسط الشخبطة واللخبطة والخطخطة.
2
أصابع جورج المبتلاة بغريزة الرسم قادته. إلى كل مكان، فضاء، فسحة، سواء على كراسته المدرسة ( ويا ما زحفت خربشات الرسوم على كراسة العلوم)!
- أو أمام سبورة الفصل حيث إنّه كان يرسم أصدقاءه التلاميذ والمعلم (الذي يأمره بمحو رسومه على السبورة)
- أو فوق الحائط - أو في الطريق العام - وفي استوديو تلفزيون (وفي حوار معه. كان يحكي بلسانه، ويرسم على الورقة دون أن يرفع يده الا بعد الانتهاء منها، فالرسم، مثل التنفّس لا يتوقف).
3
-إذا كان الكاريكاتوري هو عاشق مجنون بالحرية.
- وإذا ضاق حبر الطفل الشخباط اللخباط الخطاط الذي يرفض أن يكبر محتجّاً (مثل حنظلة ناجي العلي الفلسطيني)، فإنّ الوطن يضيق،
ولعل الواقع أراد أن يكون كاريكاتورياً مع بهجوري العجيب، وهو يولد برأس واحدة، ولكن بالتقسيط وعلى عهديْن متباعدين، وفي مَهْدين بين قارتيْن وحضارتيْن!
وهكذا كتب البهجوري (بهجر في المهجر) وأنه وُلِد للمرة الثانية في باريس، فأعلن أنه ولد مرتين: في بهجورة سنة 1932 وباريس سنة 1969.
4
لقد رأى البهجوري الحرية وشم نسائمها في باريس فلاحظ أنه من الممكن أن ترسم العمدة، والوزير، بل ورئيس الجمهورية، وتنام في البيت دون انتظار زائر الفجر، ودون أن يناديك المدعي العام الاشتراكي للبحث والتحقيق والمساءلة.
5
البهجوري بات مقتنعاً بأنه لا يستطيع التنفس إلا بالنقد.
واعتاد أهل الكاريكاتور على السخرية من كل شخص لسبب واضح هو:
أن إقناع الناس بوجهة نظرك الساخرة لا بد أن تمرّ عبر نقد ذاتك، ذلك أن أهل السخرية، بالريشة أو بالقلم أو بالكاميرا، هم أوّل المسارعين إلى استهداف أنفسهم والنظر إليها بعين النقد.
وهذا هو القانون الساري منذ ذلك الشاعر القديم الحطيئة إلى الساخر الأكبر الجاحظ، وصولاً إلى برنارد شو إلى شارلي شابلن إلى فان كوخ، وبابلو بيكاسو وسلفادور دالي وفرناندو بوتيرو، حتى جورج بهجوري:
هؤلاء كلهم أقنعوا منقوديهم، لأنهم فنانون أولاً، ولأنهم وضعوا أنفسهم على رأس قائمة المستهدفين بالنقد.
لقد فعل البهجوري بنفسه ما فعله بالرؤساء عبد الناصر وأم كلثوم وأنور السادات وحسني مبارك ومحمد مرسي وعبد الفتاح السيسي، مع جرعة نقد عالية جداً لأنور السادات ومحمد مرسي، مع حب معلن لعبد الناصر الذي رسمه مئات المرات، والسيسي، الذي رسمه مؤخراً ورفض أن يبيع لوحته (في معرضة الأخير "مدوّنات العمر" فبراير 2016) وذلك لأن بهجوري نوى إهداءها لصاحب موضوع اللوحة.
6
قضية أن البهجوري رسام كاريكاتور فقط، هي مسألة مؤرقة للبهجوري لأنها تهضم حقه في إضافته المبدعة للفن التشكيلي، وكذلك في النحت، فللبهجوري منحوتات تدخل الألوان عليها بهجة خاصة، والحال أنه فنان تشكيلي متكامل، بل وصاحب أسلوب مخصوص في الرسم، والنحت، والكاريكاتور.
7
وللبهجوري تقاطعات كثيرة، أولها مع بيكاسو: يحب الخطوط، ولذلك فالقلم لا يفارقه، وهو غزير الإنتاج، ويرسم حيثما حل، وبسرعة فائقة .
ويتقاطع مع "خوان ميرو" في بساطة الخطوط وعمقها وطفولية تداخل الأشكال، وسر البهجة في اللون.
ويتقاطع مع سلفادور دالي في خداع اللوحة، التي لا تمنح نفسها للمتفرّج من أول نظرة، وكذلك في عادة رسم الزوجة في عديد اللوحات.
كما يتقاطع مع محمود بيرم التونسي في نموذجية الشخصيات الشعبية والرسمية التي عالجها بالقلم الساخر.
8
انطلق حلم جورج من ذاته، من أقصى جنوب مصر من "قرية بهجورة" التي ستكون له لقَباً، وقلباً، وهوية رسمية.
-سيظل البهجوري موزّعاً في إقامته بين مصر وفرنسا، يرسم هنا وهناك، ولكن الشيء الذي لا يستطيع أن يتخلى عنه، هو هذا الصندوق الأسود الذي يحمله حيثما حلّ وارتحل.
- و في هذا الصندوق طفولة ذلك الولد الشقيّ، وهو يوزّع ألوانا مصرية خالصة، كانت جواز سفره إلى العالم، وباتت مصدراً للجوائز التي نالها تكريما لألوانه المصرية العتيقة .
ورغم الحزن الشفيف الذي تبوح به لوحاته، فإنّ ألوان البهجوري لم تكفّ عن فلاحة أرض البهجة بالألوان.