الثلاثاء 19 أبريل 2016 / 20:17
ربما كانت بداية نظرية التطور الحقيقية على يد العالم الفرنسي الشهير "لامارك" القائل بمبدأ أن الوظيفة هي التي تخلق العضو ، فحاجة الزرافة إلى قطف الغذاء من أعلى الشجرة أعطاها الرقبة الطويلة التي تم توريثها إلى الأجيال اللاحقة - و لأن طبيعة العلم في تغير مستمر- فقد نقض الداروينيون الجدد ذلك بقولهم أن الطفرات الإيجابية -على قلتها- تتراكم خلال فترات طويلة جداً من الزمن وتشكل من خلال الانتخاب الطبيعي أساساً لا غنى عنه في تطور الأنواع من خلايا بدائية إلى كائنات حية متنوعة ، مع أن المعروف من تجارب "مورغان" على ذباب الفاكهة أن الطفرات الوراثية تنتج على الأغلب تنوعات جديدة لكنها أقرب ما تكون إلى ما كان عليه سلفها القديم، فالانتخاب الطبيعي يفرز ويراكم في اتجاه تكيفي وتطوري الطفرات الصغيرة ويضمن ذلك تكيفاً تدريجياً للكائنات الحية.
اشتبكت الداروينية مبكراً مع الفكر الديني الحرفي إلا أن نقاط هذا الاشتباك بدأت بالتراخي مع الاعترافات الدينية الرسمية المتوالية بنظرية التطور بعدما تم تجاوز عقدة خلق الكون منذ 6000 سنة مع نقض علم الآثار والبيولوجيا و الفلك لتلك الحقيقة التوراتية المهيمنة، أما في الإسلام فلم تكن تلك الفكرة الإسرائيلية ملزمة بل وجد ما يناقضها من نصوص روائية متضاربة فيما بينها ، ولقد نُقلت نصوص تراثية لابن مسكويه و ابن خلدون تتحدث عن نظرية التطور في بداياتها الوسيطة، و قد يكونان اقتبسا تلك الفكرة من أحد علماء السلف الصالح ك الفيلسوف أرسطو اليوناني أو الشاعر لوكريتيوس الروماني.
من الكتب الجيدة في فض الاشتباك بين العلم وممثلي الأديان كتاب (نظرية التطور: تاريخ و مجادلات) لـ "بيكان" و"جريمو" واللذان يران وجود ثلاثة أنواع من العلاقات قد تكونت ما بين العلم والدين وهي : الاندماج و المواجهة والتعايش السلمي ، إن العلماء الحقيقيين يعلمون أن ما يمتلكونه من معارف تكون نسبية وقابلة للدحض، ويرى المؤلفان أن "ريتشارد دوكنز" قد وقع في الفخ حين أعلن أن العلم بإمكانه إنكار وجود الله ، فالعلم والإيمان - كما يرى ستيفن كولد- ينتسبان لمجالات منفصلة ولا ينبغي أن يتعارض أحدهما مع الآخر، ولقد نشبت معركة كبرى بين التكوينيين و التطوريين في مدارس التعليم في أمريكا، ورفعت قضايا في المحاكم كان من نتائجها حظر تدريس نظرية التطور في بعض الولايات أو منح قصة الخلق التوراتية وقتاً مماثلاً لمادة التطور من حصص التدريس، وأحيانا كان الرؤساء الأمريكيون المحافظون يدعمون تدريس نظرية الخلق التوراتية كما حصل مع الرئيسان المحافظان رونالد ريجان وجورج دبليو بوش.
تشوه صفاء داروينية داروين بمجرد ما دخلت نظريته ميدان السياسة الذي انحدر بها إلى "الداروينية الاجتماعية" و أرغمها على الدعوة إلى تصفية الناس على حسب قوتهم وضعفهم من أجل استخلاص مجتمع قوي كما حصل في روسيا ستالين و ألمانيا هتلر، فالجماعات السياسية في نهاية القرن ال١٩ هي من استخدمت نظرية التطور لصالح النموذج السياسي الاجتماعي الخاص بها وبأفكارها كما فعل "ماركس" و"إنجلز" في ترويجهما لمبدأ صراع الطبقات الشيوعي تماما كما هو في حالة الصراع من أجل البقاء عند الداروينية.
إن نتائج العلوم مثل نتائج الانتخابات النزيهة، يجب احترامها والاعتراف بصدقيتها و استقلاليتها عن أمانينا و أفكارنا المسبقة، وإذا تسلطنا على العلوم و أفقدناها حياديتها فستكون النتيجة صورة مزورة عن الحقيقة.