الخميس 21 أبريل 2016 / 19:09
والمخطوطة العربية الوحيدة التي وصلتنا هي مخطوطة "مشهد"التي عُثِرَ عليها في مدينة مشهد(طوس) الإيرانية، وهي مخطوطة فيها نقص كبير في عدد الصفحات وطمس في صفحات أخرى
أذكر مروية طريفة رواها لي والدي_حفظه الله_ في طفولتي، قال لي وهو يسرد ذكرياته:"كان المطوّع المرحوم الملا سالم بن خليفة الفضلي مدرس الدين بمدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية القديمة القريبة من قلعة الرفاع يحفظ الطلاب القرآن الكريم في الستينيات من القرن الماضي بطريقة مميزة جداً. ففي سورة "الكافرون" وعندما يقرأ طلاب الصف "قل يأيها الكافرون" يطلب منهم جميعًا أن يؤشروا بأياديهم و يلتفتوا بأجسادهم كاملة إلى جهة الجنوب من مدينة الرفاع حيث تقع مدينة العوالي التي أُنشِئَت إبان الانتداب البريطاني كي تكون سكنًا آنذاك للإنجليز أو "الكافرين" بحسب تعبير الملاسالم! الذي صاغ بفهمه البحريني الشعبي البسيط تحديدًا جغرافياً عقائديًا لدار المسلمين ودار الكافرين أو الكفار! تذكرت هذه المروية الطريفة وأنا أقرأ قبل بضع سنوات رحلة عربية قديمة هي"رحلة ابن فضلان"، أعدها الرحلة الأكثر إثارة وجاذبية وتشويقًا في تاريخ الرحلات العربية القديمة بخاصة في علاقة الذات العربية المسلمة الساكنة"دار الإسلام" بالآخر في دار الحرب أو عالم الكفار.
فقبل أكثر من ألف عام ارتحل ابن فضلان من بغداد(دار السلام) وحاضرة الخلافة الإسلامية العبّاسية الزاهرة في بعثة سفارية إلى بلاد الصقالبة(والصقالبة هم سكان شمال القارة الأوروبية وكانوا يسكنون على أطراف نهر الفولغا وتقع عاصمتهم بالقرب من قازان اليوم في خط يوازي مدينة موسكو الروسية). أرسل ملك الصقالبة المسلم ألمش بن يلطوار رسالة إلى الخليفة العبّاسي المقتدر بالله يطلب منه إرسال من يفقه قومه في الدين الإسلامي كما يطلب منه عونًا ماليًا لبناء حصن يقيه وقومه شر ملك الخزر اليهودي المجاور لمملكته، وقد بلغ من طغيان هذا الملك اليهودي أنه كان يتزوج بنات ملك الصقالبة المسلم برغم عدم رضا الملك المسلم وبرغم اختلاف المعتقد الديني الذي يحرم مثل هذا الزواج.
وقد تكونت البعثة السفارية التي أرسلها الخليفة العبّاسي من ابن فضلان فقيه البعثة إلى جانب أربعة رجال ينتمون إلى أعراق غير عربية من الخزر والروس والترك والصقالبة هم: سوسن الرسي مولى نذير الخرمي وتكين التركي وبارس الصقلابي وأحمد بن فضلان ومعهم دليل هو رسول الصقالبة. ووصلت هذه البعثة السفارية إلى مملكة الصقالبة بعد أشهر قاسية شارف فيها رجال البعثة على الفناء بسبب وعورة تضاريس تلك المناطق، ولم يتمكنوا بسبب تفرقهم وخلافاتهم من جمع أموال الخراج التي طلب منهم أمير المؤمنين أن يوصلوها
إلى ملك الصقالبة كي يتمكن من بناء حصن ومسجد. وهذا ماجعل ملك الصقالبة يغضب منهم أشد الغضب ويخالف تعاليم الأذان والإقامة نكاية بهم. وقال لابن فضلان بوصفه فقيه البعثة: "فوالله إني لبمكاني البعيد الذي تراني فيه وإني لخائف من مولاي أمير المؤمنين وذلك أني أخاف أن يبلغه عني شيء يكرهه فيدعو عليّ فأهلك بمكاني، وهو في مملكته وبيني وبينه البلدان الشاسعة. وأنتم تأكلون خيره وتلبسون ثيابه وترونه في كل وقت خنتموه في مقدار رسالة بعثكم بها إليّ إلى قوم ضعفى وخنتم المسلمين!".
والمخطوطة العربية الوحيدة التي وصلتنا هي مخطوطة "مشهد"التي عُثِرَ عليها في مدينة مشهد(طوس) الإيرانية، وهي مخطوطة فيها نقص كبير في عدد الصفحات وطمس في صفحات أخرى. وابن فضلان في هذه النسخة العربية ينظر إلى الآخر خارج دار الإسلام من منظور التفوق الحضاري. فبغداد آنذاك كانت مركز العالم الإسلامي المتفوق حضارياً على أوروبا الشمالية الغارقة في بحر الظلمات التي يرتدي أناسها الجلود ويؤمنون بالخرافات والشعبذات ويسودهم الدين الأسطوري، واشتملت هذه الرحلة الفريدة على وصف أثنوغرافي للأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وللطقوس والخرافات السائدة في تلك الأماكن القصية مما يجعل هذه الرحلة أول وصف أثنوغرافي للتواصل بين العرب وهذه الديار الأوروبية الشمالية. وقد حظيت هذه الرحلة بعناية عدد كبير من المستشرقين الروس والألمان.
وقد حقّقها الدكتور سامي الدّهان، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1959م اعتمادًا على تحقيقات بعض المستشرقين الروس والألمان الذين سبقوه في اكتشاف الرحلة مثل راسموسن وفرمن ووستنفلد وفون روزن ودفورجالك وبرتولد وماركوارت. وقد أعاد مشروع ارتياد الآفاق مؤخرًا نشر تحقيق سامي الدّهان مع مقدمة علمية ضافية أنجزها شاكر لعيبي الذي أشار إلى بعض الملابسات فيما يتصل بنشر هذه الرحلة ودراستها عربيًا. وفي السبعينات من القرن الماضي ألف ميخائيل كرايتون وهو كاتب أفلام هوليودي كتاباً عن رحلة ابن فضلان إلى بلاد الشمال الأوروبي أسماه"أكلة الأموات"Eaters of The Dead,The Manuscript of Ibn Fadlan. والكتاب يزعم أن ابن فضلان اخُتطِفَ قبل وصوله إلى بلاد الصقالبة ووصل إلى بلاد الفايكنج وأصبح محاربًا في جيوش الوندال يحمل رقم المحارب الثالث عشر! وهناك يشرب الخمر ويزني ويتغنى بالقرآن الكريم ويبتعد عن دينه وورعه! ورواية كرايتون عن ابن فضلان داخلة في إطار المتخيّل الروائي ورواياته التي ذكرها عن رجوعه إلى مخطوطات تكمل النقص الحاصل في المخطوطة العربية الوحيدة هي روايات مختلقة ومخطوطات مختلقة أيضاً لم يطلع عليها أحد سواه! وفي كتابه هذا يصوّر لنا ابن فضلان العربي جبانًا غبيًا غير ثابت على معتقده الديني ويعاني من الازدواجية في مقابل شجاعة رجال الفايكنج وجسارتهم! وعن هذه الرواية ظهر الفيلم الهوليودي"المحارب الثالث عشر" The Thirteenth Worrior من بطولة أنطونيو بانديراس وعمر الشريف مع كثير من التشذيب والتهذيب لرواية كرايتون من خلال التركيز على تحضر ابن فضلان قياسًا إلى همجية الفايكنج الذين يخالطهم. وهذا الفيلم يعطي صورة مشرقة عن الإسلام والمسلمين برؤية حضارية ابتعدت عن عنصرية كرايتون الواضحة ضد العرب في روايته"أكلة الأموات". والعجيب في الأمر أنّ باحثًا عربيًا هو حيدر غيبة انبهر برواية كرايتون وعدها رواية حقيقية فجمع في كتاب واحد بين مخطوطة مشهد ومخطوطة كرايتون، واعتقد بهذا الجمع أنّ المخطوطة قد اكتملت ولم يعد بها أي نقص! وكان آخر تناول لرحلة ابن فضلان المسلسل السوري"سقف العالم" الذي أُنتِجَ سنة 2007 بهدف الرد على الرسومات الدانمركية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد زاوج المخرج نجدت أنزور بين إطارين عصري عن قصة الإساءات الدانمركية وإطار تاريخي يتتبع فيه رحلة ابن فضلان إلى بلاد الفايكنج ويسرد فيه قصة التفوق الحضاري على البربرية المتخلفة لشعوب الشمال الأوروبي ومن بينها الدانمرك! كانت هذه حكاية مخطوطة ورحلة عربية قديمة تباينت تأويلاتها وتلقيها باختلاف زوايا النظر التي ينطلق منها من وظفها إمّا لتقوية الذات العربية المعاصرة المنهارة والمهمشة بالنسبة إلى مركزية الغرب المتفوقة الآن وإمّا لتحقيق تأويل مضاد يجعل الغرب متفوقًا منذ القدم! وبين ابن فضلان الفقيه الورع في المخطوط العربي وابن فضلان الرجل المزدوج ضعيف العقيدة في رواية كرايتون وابن فضلان المتحضر حسب رؤية فيلم المحارب الثالث عشر! بين هذه التأويلات يبرز السؤال: هل نعثر على نسخة أخرى للمخطوطة تجيبنا عن هذه الأسئلة العالقة عن علاقة الذات العربية المسلمة بالآخر الغربي أو تجعلنا نفك جزءًا من التعقيد المتشابك بتراكمه التاريخي وخزانه الثقافي في علاقة العرب بالآخر الغربي؟ ربّما من يدري!