زحام لا ينتهي في القاهرة(أرشيف)
زحام لا ينتهي في القاهرة(أرشيف)
السبت 25 يونيو 2016 / 09:54

حرب الكل ضد الكل

وحيد عبد المجيد ـ الأهرام

وصف الفيلسوف توماس هوبز (1588-1679) حالة المجتمع البريطاني في القرن السابع عشر بأنها حرب يخوضها الجميع ضد بعضهم البعض. ورغم أن ما يحدث في المجتمع المصرى اليوم لا يشبه تلك الحالة، تظل العبارة التي استخدمها هوبز صالحة للتعبير عنه.

في مصر الآن فائض في العنف اللفظي والإرهاب الفكري والمهاترات الصاخبة والمزايدات المتهافتة والصراخ والضجيج. وفيها، من ناحية ثانية، ندرة في الأفكار والحوارات الموضوعية والمجادلات الهادئة والهادفة.

ويرتبط التوتر والاحتقان السائدان في المشهد العام على هذا النحو بتدهور ثقافي وفقر معرفي ينعكسان في السطحية التي تجعل معظم النقاشات هابطة، وأغلب القضايا التي تدور حولها متهافتة.

وحين يحدث نقاش حول قضية جديرة بالاهتمام، فقليلاً ما يمضي في الاتجاه الصحيح. وفي هذا كله يبدو قطاع واسع من المجتمع عازفاً عن المعرفة والتفكير المنطقى والنظرة الموضوعية.

لم تكن هذه هى حالة المجتمع قبل عدة عقود. كما أنها لم تبلغ المدى الذي وصلت إليه فجأة أو بين عشية وضحاها. وإذا كانت ذاكرتنا ضعيفة، يمكن أن نعود إلى أرشيف الصحف في العقود الثلاثة الأخيرة، وإلى مواقع التواصل الاجتماعى منذ ظهور "فيس بوك"، لنتذكر ما حدث وكيف وصلنا إلى هذه الحالة بشكل تدريجى وتراكمى. ورغم تعدد العوامل التى أدت إلى ذلك، كان لانغلاق نظام الحكم وتحويل التعدد الحزبي إلى "ديكور" أثر جوهري أخذ يتراكم تحت السطح حتى ظهر واضحاً في السنوات الأخيرة. فقد أنتج هذا الانغلاق ثقافة سياسية تقوم على الإقصاء والاستبعاد ورفض الآخر، وصولاً إلى التكفير والتخوين. وقد حدث مثل ذلك في مجتمعات أخرى خلق فيها انغلاق نظام الحكم لفترة طويلة ثقافة أحادية لا مكان فيها لقيم الاختلاف والتنوع والتعدد والانفتاح وقبول الآخر واحترامه والتعايش معه. وفي مثل هذ الثقافة، يتعذر الحوار الجاد الموضوعي بين أطراف يظن كل منهم أنه يملك الحقيقة المطلقة.

ومع ذلك، يظل الإصرار على هذا الحوار هو السبيل إلى تغيير الحالة التي تبدد طاقات المجتمع، مهما كانت الصعوبات التي تواجه أية محاولة في هذاالمجال. فالأخطار المترتبة على حالة "حرب الكل ضد الكل" تفرض بذل أقصى جهد من أجل تجاوزها تدريجياً للوصول في النهاية إلى الحالة الطبيعية التي يمكن أن نسميها حوار الكل مع الكل.