الخميس 4 أغسطس 2016 / 19:20
هذا الكتاب هو سيرة ذاتية فكرية جديرة بالتأمل أولاً لاستقلالية ريكور في مساراته الفكرية وعدم خضوعه لتأثير الآخرين رغم محاولات ليفي شتراوس لضمه إليه في مساره وأيضًا لاحتفائه بقوة الإرادة الإنسانية
تُعد حياة الفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور الطويلة (27 فبراير 1913_ 20 مايو 2005) مزيجًا من مفارقة كبرى تجمع بين المأساة القادمة من الفقد وبين التشبث بالسعادة بسعي حثيث لتحقيقها. فقد بول ريكور أسرته منذ مولده؛ فبعد أربعة أشهر من قدومه إلى هذه الحياة فقد أمه وفي العام التالي ومع اندلاع الحرب العالميّة الأولى كان والده واحدًا من ضحايا تلك الحرب الذين يقدرون بالملايين . وفي سن شبابه الغضَّ كان له موعد مع فقد آخر إذ توفيت أخته الوحيدة. ولكنَّ هذا الفقد كلّه لم يثنه عن الإنجاز الفكريّ؛ فقد تفّوق في مسابقة أستاذية التعليم الثانويّ وكان زواجه في سن الثانية والعشرين. كان ريكور مناهضًا لقيام الحروب ورغم ذلك اُستدعي بوصفه ضابط احتياط في الجيش الفرنسيّ وأُسِرَ عام 1940 وبقي في أسر الألمان لمدة خمس سنوات قادمات.
بعد تحرّره من الأسر عاد إلى اشتغالاته العلميّة، وبالفعل أنجز أطروحته للدكتوراه في زمن قصير وبعدها عُين أستاذًا في جامعة ستراسبورغ الفرنسية الواقعة على الحدود الألمانيّة ثم أستاذًا في جامعة السوربون الفرنسيّة العريقة. وبعد ثورة الطلاب الفرنسيين عام 1968 وبعد تهميشه من قبل الفلاسفة الفرنسيين الآخرين من أمثال كلود ليفي شتراوس وميشال فوكو وجاك دريدا ولويس ألتوسير وجيل دولوز قرّر ريكور حزم أمتعته والرحيل إلى جامعة شيكاغو. لقد أصدر ريكور كتابه"الاستعارة الحية" الذي كان رده الفلسفيّ المباشر على البنيوية. يقول جورج زيناتي مترجم كتاب ريكور المهم "الذاكرة .. التاريخ .. النسيان"" في الثمانينات من القرن الماضي ومع صدور الأجزاء الثلاثة لموسوعته الزمان والسرد تصالح ريكور مع الجمهور الفرنسيّ، وكانت موجة البنيوية قد أخذت بالأفول، إلا أنَّ هذا الحدث السار قابلته مأساة شخصية تمثّلت في إقدام ابنه أوليفييه، الذي كان بالنسبة له رمز السلم الذي استعاده بعد عودته من الأسر الألمانيّ، على الانتحار.كان لهذا الابن منزلة خاصة عند والده وقد رُزق به بعد انتهاء الحرب".
إنّ فيلسوف الإرادة وهو لقب ريكور في سيرته الذاتية "بعد طول تأمل" يعرض مساراته الفكرية منذ كتاباته الفلسفية الأولى وعلى رأسها كتابه" فلسفة الإرادة" بجزأيه الإرادي واللاإرادي واشتغالاته التأويلية الأخرى في كتبه من مثل "صراع التأويلات" و"في التأويل، محاولة في فرويد" وغيرهما في رحلته للبحث في أعماق الإنسانية في كونيتها وفي اختلافاتها الثقافية العميقة، وهذا ما جعل الفيلسوف الفرنسيّ كريستيان دو لاكومبان ينعته بفيلسوف كل الحوارات الممكنة أمَّا جاك دريدا قد جعله فيلسوف التسامح والغفران. لقد عنوّن ريكور سيرته منذ الفصل الأول بالسيرة الذاتية الفكرية، ومنذ المفتتح السرديّ حرص على تصنيف الفوارق الدقيقة المائزة للترجمة الذاتية التي عرّفها بأنها " ترتكز على الهوية، أي على غياب المسافة الفاصلة بين شخصية السرد الرئيسية التي هي الذات_ صاحبة الترجمة_ وبين الرواي الذي يتحدث بضمير الأنا ويكتب بصيغة المتكلم".
ورغم تركيز ريكور على مساراته الفكرية التي اشتغل عليها على مدى زمني طويل استمرَّ ثمانية عقود إلا أنَّ ثمة حديثًا عن الذاتيّ ينسرب في سرده لتلك المسارات التأسيسية الكبرى. يقول" يعد صيف 1935 حدثًا بارزًا في حياتي الشخصيّة والعائلية. فقد أنهيتُ دراساتي الجامعية بنجاح في شهادة التبريز في الفلسفة( لم نكن نحضر، آنذاك، شهادة الدكتوراه في الجامعة، على الأقل بالنسبة إلى الطلبة)، وتزوجتُ، بعد أيام قلائل من هذه النهاية السعيدة لدراساتي، من رفيقة صباي التي كانت تقاسمني التزاماتي. وهكذا باشرتُ في الآن نفسه حياتي العائلية الزوجية وحياتي المهنية؛ ولكن أنَّى لي أن أنسى ما كابدت من فواجع الموت التي اختطفت مني جدييّ اللذين ربياني، وكذا مصابي المرير بفقدان أختي أليس بعد مصارعة قاسية لمرض السل. لقد وسمتْ هذه النوازل نجاحي الاجتماعيّ وسعادتي العائلية بميسم ذاكرة الأموات". وأخيرًا أقولُ هذا الكتاب هو سيرة ذاتية فكرية جديرة بالتأمل أولاً لاستقلالية ريكور في مساراته الفكرية وعدم خضوعه لتأثير الآخرين رغم محاولات ليفي شتراوس لضمه إليه في مساره وأيضًا لاحتفائه بقوة الإرادة الإنسانية إنْ كان في حياته الشخصية أو حتى مشروعه الفلسفيّ الضخم الذي أسّسه وصار هو بنفسه علامة دالة عليه.