سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة.(أرشيف)
سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة.(أرشيف)
السبت 24 ديسمبر 2016 / 19:43

"داعش والغبراء".. التاريخ ممتزجاً باللحظة العربية الحالية

تحية لسمو الشيخ الدكتور سلطان ين مجمد القاسمي صاحب الرؤية الإبداعية في كتاباته وفي مبادراته الثقافية الابتكارية المؤسسة ومن آخرها فكرة مهرجان المسرح الصحراوي

هو ذكاء حاكم سياسي ومبدع في الوقت ذاته عندما التقط الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة يومًا حافلاً من أيام العرب الكبرى هو "يوم داحس والغبراء" ليؤسّس من خلاله آخر مسرحية له وهي مسرحية "داعش والغبراء". وهي المسرحية التي ألفها سموه في يومين فقط؛ فعندما أُحضر إليه النص الذي كان سيعرض في مهرجان الشارقة الصحراوي الذي ألفه أحد المؤلفين العرب ارتأى سموه عدم صلاحية موضوعه، وقال للمشتغلين في المهرجان إنه سيمدهم بنص من تأليفه في غضون يومين، وهكذا وُلِدَت مسرحية "داعش والغبراء".

 ودائمًا أرى أنَّ الإبداع ليس مقيدًا بزمن طويل أو قصير؛ إنَّ لحظة الإبداع المفصلية عندما تتدفق بكثافة عند المبدع كفيلة باختصار حيز الزمن فكثير من أهم الأعمال الإبداعية الكبرى حتى في تاريخ البشرية كانت وليدة لحظات إبداعية من الزمن. كما أنَّ أهم شيء في نظري هو توفر الرؤية الإبداعية الحقيقية عند المبدع كي ينتج؛ لأنَّ بدون هذه الرؤية الإبداعية ستكون الأعمال الإبداعية محض تشتت لاناظم له.

إنَّ مسرح الدكتور سلطان القاسمي يتوفَّر على وجود قضية أصلية يدافع عنها المبدع وبقوة؛ فمسرحه ليس مسرحًا تاريخيًا صرفًا. وهو مسرح يمتزج فيه الإبداعي بالسياسي والتاريخي والثقافي ويستحضر فيه الحدث التاريخي كي يمتزج باللحظات التاريخية العربية الراهنة.لقد اتخذ الدكتور القاسمي من حرب "داحس والغبراء" الجاهلية مادة تاريخية ونواة عمله المسرحي الذي قام على تناص تاريخي خلاَّق مع تلك الحرب الضروس التي أكلت الأخضر واليابس واحتفظت بها ذاكرة الشعر والسرد العربية. و بذكاء التقط الدكتور القاسمي اللحظة التاريخية العربية الراهنة من وجود حركات متطرفة مثل داعش وغيرها للربط التاريخي بين عنفين، العنف الجاهلي والعنف الإرهابي المعاصر، ولهذا أصبح عنوان مسرحيته "داعش والغبراء" في تحويل إبداعي متميز. فحرب "داحس والغبراء" ولَّدت انقسامًا بين بعض القبائل العربية واستمرت أربعين عامًا وخلَّفت عددًا كبيرًا من القتلى وحروب المنطقة العربية الحالية نتيجة العنف والتطرف خلَّفت كذلك آلاف القتلى والمشردين اللاجئين الذين تشتتوا في مختلف أنحاء العالم.

يذكرني عمل الدكتور القاسمي بما فعله الكاتب المسرحي السوري الراحل ممدوح عدوان في تأليفه لمسلسل "الزير سالم" عندما وظَّف الخبر التاريخي والأدبي المتعلق بحرب البسوس مع السيرة الشعبية المتخيّلة المسماة"الزير سالم". ولم يكن عمله أيضًا محض محاكاة تاريخية صرفة وإنَّما كان محاكاة إبداعية تناول من خلالها عدوان إشارات إلى قضية العرب الكبرى مع إسرائيل. ولذلك اشتمل المسلسل على قصيدة " أخوي لاتصالح" المقتبسة من قصيدة أمل دنقل الشهيرة "لاتصالح".

نحن بحاجة بالفعل إلى أن تكون الأعمال الإبداعية العربية مؤثرة وأن تتناول مفهوم الوسطية لإبعاد التطرف بكافة أشكاله عن الشباب العربي كي ننتج أجيالاً لديها الاعتدال السياسي ولديها الانفتاح على الآخر ومؤمنة بالتعدديات الثقافية والتسامح الإنساني الذي هو القيمة الإنسانية الأعلى.

وهذه تحية لسمو الشيخ الدكتور سلطان ين مجمد القاسمي صاحب الرؤية الإبداعية في كتاباته وفي مبادراته الثقافية الابتكارية المؤسسة ومن آخرها فكرة مهرجان المسرح الصحراوي، وهو المسرح الذي يحتفي بالصحراء العربية بوصفها سينوغرافيا المسرح وفي خروج إبداعي لافت على مسرح العلبة الإيطالي، وتحية لسموه أيضًا لتأسيسه مجمع اللغة العربية في الشارقة التي أعدها إمارة ثقافية من الدرجة الأولى.