أول رئيس وزراء للهند جزاهر لال نهرو.(أرشيف)
أول رئيس وزراء للهند جزاهر لال نهرو.(أرشيف)
الثلاثاء 24 يناير 2017 / 14:42

علمانية الهند توليفة عبقرية لإدارة التنوع.. أحد أهم إنجازات العصر الحديث

في ذروة التطرف الإسلامي حول العالم، أظهرت الهند، الديمقراطية العريقة، مناعة لافتة حيال تأثير داعش وأخواته، في ظاهرة تعود أساساً إلى تقليد طويل من التوافق بين المعتقدات الدينية في هذه البلاد الشاسعة، وتوليفة غالباً ما وصفت بأنها "عبقرية" لإدارة التنوّع في إطار الديمقراطية.

بعد 70 عاماً وعلى الرغم من الطقوس العنيفة لولادتها، استمرت الهند في البقاء بل وبدأت في الازدهار كأكبر ديمقراطية في العالم ودولة علمانية بشكل كبير

فوفقاً للأرقام الرسمية، لم يلتحق إلا 23 من أبناء الهند، ثالث كبرى الدول المسلمة من حيث عدد السكان، بداعش، أي خمسين مرة أقل منه بالنسبة إلى الفرنسيين.

وعن هذه الظاهرة، يقول شيشير غوبتا، مؤلف كتاب: "المجاهدون الهنود: العدو من الداخل" الصادر عن دار هاشيت الفرنسية عام 2011 "إنها إحدى أكبر الجاليات المسلمة حول العالم التي وقفت في وجه التطرف"، لافتاً إلى أن عدد الهنود الذين نفذوا هجمات انتحارية هو واحد فقط، وكان ذلك في تسعينات القرن الماضي في كشمير". وقبل فترة، نددت 105 منظمات مسلمة هندية بصوت واحد، بعمليات داعش، واصفة إياها بأنها "غير إنسانية".

180 مليون مسلم
تعد الهند 180 مليون مسلماً هم من الأكثر فقراً والأقل تعلماً في البلاد. ولا يتجاوز تمثيلهم في الوظيفة العامة أكثر من 3 في المئة، مع أنهم يشكلون 15 في المئة من عدد السكان. ومع ذلك، لم تشهد البلاد منذ هجوم 2013 الذي تبنته مجموعة "المجاهدين" الهندية المتطرفة والذي أوقع 16 قتيلاً في حيدر أباد، أي اعتداء إرهابي.

العلمانية
ويجمع المراقبون على أن الهند تدين بتماسكها الاجتماعي الى العلمانية التي دافع عنها نهرو وغاندي، أبوا الاستقلال والتي ترسخت في الدستور.
ويمثل الدين عاملاً محورياً في حياة الشعب الهندي. ويدين نحو 82% من السكان بالهندوسية و 12% يدينون بالإسلام خاصة من بين سكان الحضر، و2.3% بالمسيحية، و2% سيخ، و4% بوذيون، بالإضافة إلى أقليات تدين بديانات أخرى. ومع ذلك، فإن الهند دولة علمانية كما جاء في مقدمة الدستور.

وتندرج العلمانية الهندية في سياق تقليد طويل من التعددية الثقافية. فقبل وقت طويل من غزو المغول شمال الهند في القرن السادس عشر، كان التجار المسلمون يتخذون من ولاية كيرالا مقراً لهم للاتجار بالفلفل، منذ بدايات حضارة الإسلام.

ويقول سعيد ناكفي، وهو مؤلف كتب عدة عن مسلمي الهند إنه "خلافاً للغزاة، لم يفرض التجار إرادتهم أو ثقافتهم، وإنما تكيفوا مع الثقافة المحلية".
وبعد ذلك بعقود ذهب الإمبراطور المغولي جلال الدين محمد أكبر إلى مزج العادات الدينية الهندوسية والمسلمة في ديانة توفيقية واحدة سميت، دين إلهي.

الاستقلال

في آب (اغسطس) عام 1947، ارتسمت خريطة الهند الحالية، ليبدأ هذا البلد الذي يضم ألف طبقة اجتماعية و22 لغة رسمية ولهجات أكثر بكثير وتقطنه أغلبية هندوسية وثالث أكبر عدد من المسلمين في العالم، مسيرة نضالية نحو الديمقراطية، لم تخل من القتل في كثير من الأحيان.

وكان رئيس وزراء بريطانيا الراحل ونستون تشرتشل حذر عام 1931 من أنه إذا غادر البريطانيون الهند، فإن الغالبية الهندوسية ستكون لها "السطوة المسلحة" وستنهار الخدمات العامة، وقد تعود البلاد بشكل سريع "إلى همجية القرون الوسطى".

وبالفعل، حصل التقسيم في 14 اب (اغسطس) عام 1947. وعن ذلك اليوم، يروي رانبير راي هاندا الذي كان عمره 14 عاما فقط آنذاك، أجبر على الهروب من لاهور، مسقط رأسه في قطار متجه من باكستان المستقلة حديثاً الى الهند، قائلاً إن ما رآه لدى وصوله إلى أمريستار مازال يقض مضجعه.

فقد قتل آلاف من المسلمين من الرجال والنساء والأطفال الذين كانوا ينتظرون استقلال قطار في الاتجاه المعاكس بوحشية أمام عينيه وقطعت رؤوسهم.
وقال هاندا ل"رويترز": "رأيت مسلمين يحرقون أحياء ويتم إلقاؤهم في أتون من النار. رأيت جثثاً، رأيت دماء رأيت أشياء كثيرة. الجنون الذي ساد أول يوم كان يمكن أن يقضي على الجميع".

هذا المشهد يلخص مأساة التقسيم، الذي فر خلاله نحو 12 مليون شخص من المسلمين والسيخ والهندوس للنجاة بحياتهم، ومات نحو مليون شخص. وعبرت قطارات محملة بالجثث الحدود في كلا الاتجاهين.

ازدهار

ولكن بعد 70 عاماً وعلى الرغم من الطقوس العنيفة لولادتها، استمرت الهند في البقاء بل وبدأت في الازدهار كأكبر ديمقراطية في العالم ودولة علمانية بشكل كبير. ويقول المؤرخ بيبان تشاندرا: "على الرغم من تقسيم البلاد وكم الدماء التي أريقت فقد أصبحت الهند بلداً علمانياً وديمقراطياً. أعتقد أن هذه واحدة من أعظم الانجازات في العصر الحديث".

وهناك عوامل كثيرة تقسم الهند من طوائف اجتماعية الى التفاوت الطبقي والاقتصادي ومن اللغة الى الدين. وكل هذا سبب صراعاً واحياناً عمليات قتل وحشية. ومع ذلك لا شيء غير خريطة الهند التي رسمت في عام 1947. وفي كل مرحلة من تاريخ الهند بعد الاستقلال واجهت أوراق اعتماد الهند كديمقراطية علمانية تحديات.

تحديات
ففي عام 1975، علقت رئيسة وزراء الهند الراحلة أنديرا غاندي الديمقراطية وسجنت زعماء المعارضة وفرضت أحكام الطوارئ. وبعد عامين تراجعت عن موقفها وأطيح بها في الانتخابات. إلا أن اغتيالها على يد حراسها الشخصيين السيخ في عام 1984 أثار أعمال شغب عنيفة أدت الى قتل 2700 شخص .

وتضرر البنيان العلماني للهند أيضاً بسبب صعود اليمين الهندوسي في التسعينات وأعمال الشغب الطائفية التي وقعت في جوغارات في عام 2002، وأدت الى قتل 2500 شخص معظمهم من المسلمين.

ورغم ذلك، أطيح بعد ذلك بعامين باليمين الهندوسي من السلطة، وتراجع بعد انتخابات عامة شارك فيها 400 مليون شخص. ووصف تطبيق الديمقراطية في الهند بأنه "أكبر مقامرة في التاريخ". وقال منتقدون إن بلداً فقيراً ومتنوعاً ومقسماً مثل هذا لا يمكن أن يتحمل انتخابات حرة ونزيهة.
واليوم تبدو الديمقراطية الهندية بعيدة عن الكمال ولكنها رسخت أقدامها. ويقول المؤرخون انها نجحت في الأغلب في توفير حرية الحركة والتعبير، وإن تكن أخفقت عندما يتعلق الامر بعمل الساسة والمؤسسات السياسية. ورغم كل ذلك فانها توفر صمام ضغط حاسماً حافظ على سلام أوسع.
وكان الزعماء الأوائل ولاسيما أول رئيس وزراء للهند جواهر لال نهرو أعطوا الهند الحديثة الولادة متنفساً من خلال تشجيع وجود هوية علمانية ووطنية ديمقراطية والدفاع عنها.