السبت 28 يناير 2017 / 20:17
يبحث مشروع أدونيس في جذور "الاتباع والإبداع" في الثقافة العربية ـ الإسلامية، ليحدد البنية الفكرية المسؤولة عن هذين النقيضين. ويقول أدونيس أنه بدأ بدراسة الشعر العربي من الجاهلي حتى الحرب العالمية الأولى، فوجد أنه بذاته لا يفسر الاتباعية في الحياة العربية، ثم بحث عنها في الرؤية الدينية الإسلامية، خاصة بعد أن ثبت لديه أنه لا يمكن فهم الرؤية الشعرية العربية ذاتها بمعزل عن الرؤية الدينية، نظرا لأن "الظاهرة الشعرية جزء من الكل الحضاري العربي، لا يفسرها الشعر ذاته، بقدر ما يفسرها المبنى الديني لهذا الكل"، وهنا توافرت لديه فرصة تعيين "الثابت والمتحول" في العطاء الحضاري العربي ـ الإسلامي.
وهذا المشروع هو في الأصل أطروحة تقدم بها على أحمد إسبر المعروف باسم أدونيس للحصول على درجة الدكتوراه من معهد الآداب الشرقية، جامعة القديس يوسف، ببيروت وأشرف عليها د. الأب بولس نويا اليسوعي، وقام بعد ذلك بإضافة أجزاء إليها، حول "الحداثة" في الفقه والفكر والشعر، لكن تظل الأطروحة هي أصل مشروعه وأهم ما فيه.
يعرف أدونيس الثابت في إطار الثقافة العربية بأنه "الفكر الذي ينهض على النص، ويتخذ من ثباته حجة لثباته هو، فهما وتقويما، ويفرض نفسه بوصفه المعنى الوحيد الصحيح لهذا النص، وبوصفه، استنادا إلى ذلك سلطة معرفية"، بينما يكون المتحول هو "إما الفكر الذي ينهض هو أيضا على النص، لكن بتأويل يجعل النص قابلا للتكييف مع الواقع وتجدده، وإما أنه الفكر الذي لا يرى في النص أي مرجعية، ويعتمد أساسا على العقل لا النقل".
لكن أدونيس يؤكد أن الحدود بين الثابت والمتحول ليست جامدة، إذ يقول: "لا يعني ما أسميه بالثابت لم يعرف أي تحول في التنظير والممارسة عبر التاريخ، أو أن ما أسميه بالمتحول لا يتضمن بعض عناصر الثبات، إنما قصدت أن أشدد على الطابع الغالب، والأكثر إلزاما وحضورا في اتجاه الثبات بالقياس إلى اتجاه التحول، أو في هذا الاتجاه بالقياس إلى ذلك الآخر". ونجد هنا أن التعريف جعل الثابت والمتحول "مصطلحين إجرائيين"، مكنا أدونيس من دراسة الظواهر الثقافية بمعزل عن قاعدتها المادية، الأمر الذي انتقده الكثيرون، خاصة من بين الذين ينظرون إلى الثقافة بوصفها "بنية فوقية" لا تفهم إلا في إطار "بنية تحتية" ذات طابع مادي.
ويخصص أدونيس القسم الأول من مشروعه لدراسة مظاهر الثبات والتحول منذ نشوء الإسلام وحتى منتصف القرن الثاني الهجري، التي تتأسس في بداية الدعوة الإسلامية بين الدين والشعر، وبين الخلافة الأولى والسياسة من جهة، وبينها والثقافة بعامة من جهة ثانية. وتتجلى مظاهر الثبات في العصبية والسياسة، وفي الشعر واللغة، وفي السنة والفقه. وفي المقابل تظهر تجليات المتحول في الحركات الثورية والفكرية والشعرية، والصعلكة الاقتصادية ـ السياسية. والقسم الثاني، يعرض مظاهر الثبات في مفاهيم القديم والسنة والإجماع والبدعة، وفي تنظير الأصول الدينية ـ السياسية، والأصول اللغوية ـ الشعرية. وفي المقابل يقدم مظاهر التحول في الحركات الثورية (القرامطة ـ الزنج)، وفي المنهج التجريبي، وإبطال النبوة، وأولية العقل على النقل، حسبما ذهب المعتزلة، وأولية الحقيقة على الشريعة، والباطن على الظاهر، كما تجلى في التصوف ونظرية الإمامة. أما القسم الثالث فقد خصص لدراسة نماذج من الفقهاء التراثيين، وفقهاء عصر النهضة العربي، في ضوء ما تعرف بـ "صدمة الحداثة" بألسنتهم جميعا. والتراثيون هم القاضي عبد الجبار المعتزلي، وأبو حامد الغزالي، وابن تيمية، والفارابي. وفي عصر النهضة يعرض آراء محمد بن عبد الوهاب، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي. وتناول الجزء الرابع الحداثة في مجال الشعر العربي من خلال مجموعة مقالات متتابعة.
وبذلك يكون أدونيس قد فرق، فكريا وليس زمنيا، بين الحداثي والسلفي. ففي التراث هناك عناصر حداثية مرتبطة بالتحول، وفي المعاصرة هناك عناصر سلفية مرتبطة بالثبات. فالسلفية لديه هي "امتداد للثبات، ينطلق من افتراض الكمال في المعرفة بالنص والنقل، بحيث لا يعود للحداثة معنى في لغة حققت إبداعها الأكمل، الذي لا يمكن تجاوزه، وبذلك تنتفي الحاجة إلى الفكر الآخر، وإلى الابتداع معا .. وما يحتاجه المجتمع هنا هو جعل الماضي حاضرا باستمرار. أما الحداثة فهي "امتداد للتحول، تنطلق من افتراض نقص أو غياب معرفي في الماضي، ويعوض بنقل فكر ما ومعرفة ما من هذه اللغة الأجنبية أو تلك، وإما بالابتكار الإبداع .. ولذا فهي قول المجهول وقبول بلانهائية المعرفة".
ويرى أدونيس أن السلفيين ينزلقون إلى نوع من "العرقية المركزية" تشابه "النزعة المركزية الأوروبية"، فهم يرون أن الأمة الإسلامية، مركز العالم بوصفها تحمل خاتمة الرسالات، وأكملها، ومن ثم يرفضون الآخر، مثلما يرى بعض الأوروبيين أن قارتهم هي المركز الحضاري للعالم أجمع، وينكرون على الآخرين إسهامهم الحضاري الراهن، أو حتى الماضي، الذي أثر في أوروبا ذاتها، واندمج في بنيتها الحضارية. ولا يقصر أدونيس الحداثة على ما يقدمه الغرب في الوقت الحالي، بل يبحث عن أصولها في تراثنا وتاريخنا العربي ـ الإسلامي، من خلال تتبعه لثلاثة عناصر أساسية تشكل الرؤية الحداثية وهي الحرية الإبداعية دون قيد، ولانهائية كل من المعرفة والكشف، والاعتراف بالاختلاف والتعدد.
وفي قراءته لأصول الاتباع والثبات في "الخلافة والسياسة"، ينطلق أدونيس من واقعة "السقيفة"، التي أعقبت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، حيث ظهر خلاف بين المهاجرين والأنصار حول مت يخلف النبي في إدارة دفة الحكم. وفي نظره أخذ هذا الخلاف ثلاثة أشكال، الأول يستند إلى أولوية دينية خالصة وهو أحقية الأنصار لأنهم الأسبق للإيمان بالإسلام ونصرته، والثاني يستند إلى أولوية الدين والقبيلة معا وهو أحقية قريش لأنها عشيرة الرسول، والثالث يستند إلى أولوية قبلية ويقوم على تعدد الإمارة. ومن ثم نشأت سلطة الخلافة في مهد سياسي ـ ديني ـ قبلي .. وقدمها أصحابها على أنها مستمدة من الله .. وكما أن العصبية عنف باسم القبيلة، فقد أصبح الإجماع عنفا باسم الجماعة، والسلطة عنفا باسم الدين".
وجاءت الخلافة الأموية لتسوغ ممارساتها على أساس أنها "نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا"، وادعت أنها "الإمامة الكبرى" و"الأصل الجامع" ولذا فإن كل خروج عليها، هو خروج على الإسلام. وبات الصراع بين الفئات التي سيطرت على السلطة، وتلك التي غلبت يدور في جوهره حول فهم القرآن الكريم والسنة النبوية. وبينما تمسكت الفئة الغالبة بما استقر، راح المغلوبون يطرحون فهم جديد للإسلام، يلائم حياتها وحاجاتها وطموحها. ومن ثم كانت رؤية هؤلاء تعبر عن التحول في المجتمع الإسلامي، وعلى النقيض عبرت أفكار من بيدهم السلطان عن الثبات.
أما الاتباعية في السنة والفقه، حسبما يرى أدونيس، فيمكن أن نلمسها في عدة مواقف، بالنسبة لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، فالأول ظهرت اتباعيته في أول خطبة يلقيها على المسلمين بع توليه الخلافة، وفي إتمام بعثة أسامة بن زيد التي كان قد أعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأديب الروم، وفي حروب الردة. والثاني اقتدى بالرسول في إدارة معركة اليرموك، وفي التقشف والزهد ورفض الظلم. ويؤكد أدونيس أن الاقتداء بالسنة رافقه حركة للتفقه بها ومعرفتها، وكان ينظر إلى من يحفظ أكثر من القرآن والسنة على أنه الأعلم. ويكشف تاريخ الاقتداء بالسنة أن محاكاتها كانت تامة في ما يتصل منها بالعبادات، بينما ساد الرأي في ما اتصل بالسياسة.
وتجلت الاتباعية في الشعر والنقد، من خلال توظيف الإسلام للشعر كأداة أيديولوجية لمحاربة أفكار الجاهلية. فالرسول صلى الله عليه وسلم حافظ على النواة الأساسية لدور الشعر في القبيلة، وعلى العلاقة التي تربط الشاعر بقبيلته، غير أنه أعطى هذه النواة مضمونا جديدا، فنقل دور الشعر من إطار "الفضائل القبلية" إلى "الفضائل الدينية"، وحول العلاقة بين الشاعر والقبيلة إلى علاقة بين الشاعر والدولة الإسلامية. ومن هنا بدا الشعر فاعلية أخلاقية اجتماعية ترتبط بعقيدة الدولة ومصالحها، ولذا لا ينظر إليه لذاته، أي لجماله وفتنته، وإنما إلى ما يحمله من أفكار، وما يفيد به المجتمع، وقد تبنى الصحابة موقف النبي حيال الشعر.
وبالنسبة للإبداع أو التحول فيرى أدونيس أنه كان كامنا في الحركات الثورية والفكرية والشعرية. وفيما يخص الأولى، يحدد بدايتها في نواة معارضة السلطة التي نشأت في عهد الخليفة عثمان بن عفان، على أيدي المحرومين والمبعدين. وفي المقابل نشأت نواة من المدافعين عن السلطة من بين المنتفعين منها. ومن هنا برز حضور السياسة في حياة المسلمين، أكثر من أي وقت مضى. وغذت الأوضاع الاقتصادية هذا الحضور، حيث انقسم المجتمع إلى فئتين، مستغلة تقف إلى جانب الحكم، ومستغلة يقصيها هذا الحكم، فلا تجد مفرا من مناهضته. وهنا برز اتجاهان، الأول يتخذ من القرشية والسنة والجماعة أساسا مطلقا، والثاني، يتلمس مصالح الناس وحاجاتهم أساسا، دون أن يهمل السنة والقرشية، لكنها ترى أن الأحقية لا تنبع من مجرد اتباع السنة، أو من مجرد القرشية، وإنما من تفهم حاجات الناس، والسعي إلى الحكم بالعدل.
واستمر هذا الزخم في عصر بني أمية، فازداد جهد أبي ذر الغفاري في مناهضة التفاوت، والانتصار لإنسانية الإنسان، فكان هو، في رأي أدونيس، الذي "وضع اللبنة الأولى في بناء العدالة والمساواة بناء نظريا، ومن هذه الناحية كانت مواقفه وآراؤه بذرة تفتحت عن الحركة الثورية من جهة، وعن الحركة التأويلية العقلية، من جهة ثانية". ونشأ الخوارج فشككوا في نظرية الإمامة أو الخلافة، سواء من ناحية القرشية أو الطاعة. ووضعوا بدلا من ذلك نظرية خلع الإمام الجائر، واستعاضوا عن مبدأ القرشية بالجدارة، وساووا بين المسلمين كافة في تولي الإمامة. وجاء علي ابن أبي طالب ليشدد على "الجهد والطاقة" في متابعة القرآن والسنة، ولم يعط اهتماما للنسب القرشي، وأكد على مبدأ المبايعة العلنية، ورفض الالتزام الحرفي بما فعله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.
ووفرت الحركات الثورية التي أخذت تنشأ منذ السنة الأربعين للهجرة فرصة قوية لظهور العديد من عناصر "التحول"، حيث لم تتوقف الجماعات التي عارضت حكم بني أمية، والتي كان رموزها على الترتيب التاريخي، سليمان بن صرد، وقيس بن سعد بن عبادة، وحجر بن عدي، ومختار الثقفي، وصالح بن مسرح التميمي، ومطرف بن المغيرة، وعبد الرحمن بن الأشعث، وزيد بن علي بن الحسين، والحارث بن سريج، وأبو حمزة الخارجي، وأخيرا أبو مسلم الخراساني، الذي علي يديه جاء بنو العباس إلى الحكم. وكان "مقتل الحسين بن علي مرحلة حاسمة انتقلت فيها المعارضة من النظر إلى العمل". ومن الأمور التي يجب ذكرها في هذا المقام أن هذه الحركات جميعها، كانت تنادي بالعودة إلى صحيح الدين الإسلامي، لمقاومة طغيان بني أمية، وإقامة العدل الاجتماعي. وكان كل يحرص على أن يبدو أنه الأشد تمسكا بالسنة والجماعة، والأكثر بعدا عن البدع. وكرست هذه الحركات مبدأ مفاده أن نقد المجتمع وتغييره لا يمكن أن يتم إلا بالممارسة العملية الثورية، وفي هذا كانت هي بمثابة نفي السائد، والتطلع إلى ما هو أفضل، ورفعت من منزلة التحقيق على حساب التبشير في الرؤية الإسلامية، ومن هنا أصبحت كيفية تحقق الدين، أي كيف يتحقق الإنسان، الذي نادى به الدين؟ هي التساؤل الذي أخذ يشغل الناس.
وبالتوازي مع النزاع في المجال السياسي، وما يتصل به، نشأ نزاع في المعاني، وما يرتبط بها، ورافقت الحركات الثورية حركات فكرية. فالخوارج قرنوا النظر بالممارسة، ووحدوا بين الإيمان والعمل. والمرجئة نادوا بأن يكون الحكم على الإنسان أو له، وعلى العالم أو له، لله وحده، وليس للإنسان، الأمر الذي يعني ضرورة التخلي عن الجدل حول تحديد المؤمن والكافر، وتوجيه الناس إلى الاهتمام بشؤون الحياة اليومية. وكان هذا يعني، بالنسبة لأدونيس، ثورة على ما أسماه "الإسلام الشكلي والظاهري". وظهر مناهضو الجبرية، التي استند إليها نظام الحكم الأموي ليسوغ استبداده. وفيما أكد الحسن البصري على حرية الإنسان، نشأت في مناخ التشيع "نظرية الإمامة" التي استعاضت عن القياس والرأي بعلم الإمام، الذي هو في نظرهم علم لدني يقوم على التأويل وقراءة الباطن وما في الآفاق والأنفس، مما يرشح الإمام، في نظرهم، للولاية، التي تعني سياسة الدنيا، بتفويض إلهي لا يجعل الإمام مستقلا تماما، لكنه معصوم من الخطأ.
ويتمثل التحول الذي أسسته الحركة الشعرية في التمرد على "النموذج الأخلاقي"، والخروج على نموذجي المعاني والتعبير، ومعارضة السلطة الحاكمة. ويعطي أدونيس أمثلة لشعراء مثلوا هذا الاتجاه، مثل أمرؤ القيس، الذي تمرد على نظام القبيلة وقيمها السائدة، وخرج عن أساليب المعاني والتعبير التي كان يعرفها الشعر الجاهلي، وهناك عروة بن الورد الذي تمرد على القرابة الدموية أو القبلية وأكد على الاحتفاء بالإنسان، بغض النظر عن لونه أو جنسه أو فقره وغناه. ويوجد كذلك شعراء الخوارج، الذين أعطوا الشعر مضمونا أيديولوجيا حيال الدين والسياسة، مثل عمرو بن الحصين، وحبيب بن خدرة الهلالي، وزياد الأعسم. وهناك من تمرد بشعره على النظرة التقليدية للمرأة مثل عمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر.
وفي تصوره لتأصيل الاتباع أو الثبات، يتخذ أدونيس من الشافعي، في الفقه، والأصمعي والجاحظ في الأدب، مثالا على ذلك. فالشافعي، في نظره، كان يتعامل مع كل تفكير لا يكون اتباعا للسنة النبوية على أنه "هذيان" وكل بحث عقلي على أنه "تردي" وكان يمقت ممارسة علم الكلام، بدعوى أنها دليل على التجرد من الدين، وينظر إلى الإنسان على أنه شخص مكلف ووجوده في الدنيا اختبار له، ولذا يجب أن يكون مطيعا على الدوام، الأمر الذي يعني أن الحرية بمثابة عصيان وتفلت. أما الأصمعي والجاحظ، فقد تصورا أن كل جديد هو تنويع على القديم، أو ترميم له، أو إعادة إنتاج له، بشكل أو بآخر. ومن هنا صار لديهم الفكر هو تأمل الذات لنفسها، وبدا العرب لا يعرفون من الفكر إلا بعده الغيبي، أي الدين، وإلا مظهره البياني، أي اللغة. وهذا الاتجاه يعبر عن ثقافة سلفية، ويكرس النظام السياسي والاجتماعي القائم.
أما تأصيل الإبداع أو التحول، فيرى أدونيس أنه يتمثل في ثورة الزنج (255 هـ ـ 270 هـ ) والحركة القرمطية (بدأت سنة 264 هـ)، فالأولى كانت، في تقديره، ثورة عبيد على أسياد، ووعدت هؤلاء العبيد بحياة كريمة يمتلكون فيها ملك أسيادهم. والثانية، التي انتشرت في البحرين واليمن ومصر والمغرب، كانت نوعا من العمل الجماعي لتوليد الشروط المادية الملائمة لحياة الإنسان، وهي شروط كانت تبدو عارضة أو كانت لا تتعدى كونها هبة من الخلافة العباسية. وقد دعا القرامطة إلى خلع الخليفة الجائر، ونادوا بإسلامية العروبة وليس عروبة الإسلام، ووحدوا بين النظر والممارسة، من خلال اتخاذهم الطبقات المسحوقة قاعدة اجتماعية ومادة أساسية للعمل السياسي ـ الديني، وانتهاجهم أسلوب الملكية الجماعية "الإلفة"، وأعطوا الدين بعدا ماديا اقتصاديا، فكانوا بذلك في رأي بعض المستشرقين، أول من وضع بذرة العمل النقابي في العالم الإسلامي.
كما يتجلى التحول، من وجهة نظر أدونيس، في ما أسماه "المنهج التجريبي وإبطال النبوة"، ويجد هذا المنهج في أعمال ابن المقفع، التي خلت من أي عنصر للتدين، وركزت على الأدب الخالص، وآراء ابن الراوندي، الذي قال بأن العقل أصل العلم والعمل، وبذلك قدم العقل على النبوة، وكذلك آراء محمد بن زكريا الرازي، الذي اعتبر، هو الآخر، أن العقل أصل المعرفة، مما يفرض ضرورة أن يكون متبوعا وليس تابعا. كما وجد أدونيس في المنهج التجريبي العلمي لجابر بن حيان، الذي يقيس الغائب على الشاهد، ويقوم بإحلال النسب الكمية محل الخواص الكيفية في تفسير أي مظهر من مظاهر الوجود، دليلا على التحول والإبداع، في التاريخ الفكري العربي. وعلى العكس من الأصمعي والجاحظ، اعتبر أدونيس أن أبو نواس وأبو تمام أقاما أسس الجديد في الشعر العربي، حيث لم تكن الكتابة بالنسبة إليهما تنويعا على القديم أو ترميما له، إنما إبداع ذو طابع مغاير، ومثلت بالنسبة له "الصوفية" بتأكيدها على الحقيقة في مقابل الشريعة، وتركيزها على طوية الإنسان وحريته في إقامة علاقة خاصة مع ربه، مصدرا من مصادر التحول.
وينتقل أدونيس في الجزء الثالث من مشروعه إلى تحليل سلطة الموروث الديني في الإنتاج الفقهي لكل من القاضي عبد الجبار وأبو حامد الغزالي والفارابي وابن تيمية، ليبين موقع العقل لديهم. وأعلى هؤلاء شأنا في الانتصار للعقل هو الفارابي الذي يميل إلى الفلسفة ويعتمد البرهان في التعلم، ويملح إلى الوظيفة الاجتماعية والفكرية للشعر والخطابة، حين يعتبرهما وسيلة لتعليم الجمهور ما قد استقر الرأي فيه وبات مبرهنا عليه من الأشياء النظرية والعملية. ويأتي بعده عبد الجبار في تأكيده أن النظر يوجب العلم وما اكتمل من الدين هو الشرع وليس النظر العقلي. أما أقلهم انتصارا للعقل، في نظر أدونيس، فهو ابن تيمية، الذي هو أقوى من نظر لنفي المحدث، من خلال ردوده الشهيرة على "الابتداع" الذي هو ناجم، في رأيه، عن فهم فاسد للنصوص، وعبر تأكيده أن منشأ الضلال هو الإعراض عن الكتاب والسنة، وطلب الحق في مصادر أخرى غيرهما. أما الغزالي فقد اعتبر أن العقل محدود واستخدامه مشروطا بالقرآن والشرع، وأن الفكر هو استخدام العقل للوصول إلى المعرفة، لكن هذه المعرفة تكون مذمومة إذا تعارضت مع الشرع، ودور العقل هو أن يهدي إلى صدق النبي وفهم سنته، وما عدا ذلك يجب تنحيته جانبا ولزوم الاتباع، لأن العقل قاصر. ويرى الغزالي أن العلم هو معرفة القديم، وبما لا يتعارض معه، بل يكمله. وهذه الآراء في نظر أدونيس أصبحت "نصا ثانيا حل محل النص الأول ـ نص الوحي، بحيث يتعذر اليوم أن نتجاوزه، لكي نقرأ قراءتنا الخاصة، ونكتب نصنا الحديث، بدءا من النص الأول".
ولا يكتفي أدونيس بتحديد الثابت والمتحول في التراث العربي ـ الإسلامي القديم، بل ينتقل إلى عصر النهضة العربي، ليدرس استمرار هذه المسألة عند كل من نحمد بن عبد الوهاب، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الرحم الكواكبي. وفي رأيه فإن آراء ابن عبد الوهاب ليست سوى استعادة ما قاله الفقه الإسلامي القديم بشروحه وتفاسيره، وأن ما فعله لا يعدو كونه تبويب أو تصنيف هذا القديم، وأن عرض ابن عبد الوهاب للتوحيد، الذي يمثل الفكرة المركزية لديه، أظهر أنه يقلل من شأن الإنسان في هذا العالم. أما الإمام محمد عبده، فهو في نظر أدونيس، صاحب رؤية إسلامية متجددة وتوفيقية. ويتجلى التجدد بوجع عام في أنها تستند إلى القرآن مفسرا بمقتضى حالة العصر، وبوجه خاص في نفي محمد عبده أن تكون في الإسلام سلطة دينية، وأن الحاكم في المجتمع الإسلامي هو حاكم مدني من جميع الوجوه، إذ أن الأمة هي التي تقوم بتنصيبه وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وأنه إذا تعارض العقل مع النقل أخذ بما يدل عليه العقل. أما التوفيقية فتظهر في تأكيد الإمام أن مدنية السلطة في الإسلام لا تتنافى مع وجود الشرع، وفي رؤيته التفسيرية التي تقوم على نقد الجاهلية السائدة اليوم في فهم الدين، وتفسيره القرآن بما يلائم ارتقاء المجتمع، أي التوفيق بين الوحي والتاريخ، بهدف السيطرة على التقدم المادي وتوجيهه لخدمة الإنسان في روحانيته على الأخص.
أما رشيد رضا، فإن خير ما يعبر عن توجهه، في رأي أدونيس، هو ما وصف به هو نفسه تفسيره للقرآن الكريم، حين قال أن هذا التفسير (سلفي، أثري، مدني، عصري، إرشادي، اجتماعي، سياسي). من هنا ينطلق رشيد رضا من أن أصل الإسلام وحيا وسنة ليتفقه في المشكلات المعاصرة، التي ولدتها غالبا مجابهة العالم الإسلامي للغرب. ولا ينادي رضا بتجديد الإسلام إنما فهم المشكلات في ضوئه، بما هو وكما هو، وبذلك يكون الوصول إلى النهضة أمرا يسيرا وهو العودة إلى الإسلام الصحيح. من هنا تكون هذه الرؤية الفقهية امتدادا للسلفية التي أرسى دعائمها الإمام أبو حامد الغزالي، وضعها ابن تيمية في منظومة محكمة ومغلقة.
ولأن الكواكبي قد سلك مهجا نقديا في مواجهة الاستبداد، فهو لدى أدونيس صاحب فكر إصلاحي، إذ أنه شخص الحاضر وأعراضه، ليستنتج أن سبب الخلل هو الجهل الشامل، ثم لام الأمراء والعلماء والكافة لتقاعسهم عن فعل ما يقود إلى النهضة. وبوجه عام حدد الكواكبي أسباب الانحطاط في تحول السياسة من نيابية إشتراكية ديمقراطية إلى ملكية أشبه بالمطلقة، واستعمال المسلمين بأسهم بينهم، وتأصل الجهل في أغلبية حكامنا المترفين. واعتبر الكواكبي أن قضية المفكر اليوم هي التعرف بعمق وشمول على مجتمعه وقضاياه، في الماضي والحاضر، وذلك بالاستناد إلى واقعه المتحرك المتناقض والمتنوع وليس بالاستناد إلى معجم المصطلحات الغربية، ونادى بأن يأخذ المسلمين بأسباب القوة، اقتصاديا وعلميا وعسكريا وسياسيا . ولأن الكواكبي قد أعطى أفكاره بعدا تحريضيا، ونظر إلى النص القرآني على أنه نص مفتوح قابل للتلاؤم مع واقع الحياة المستجدة وتجاوز المذهبية، التي تأسر النص ضمن منظورها وتقاوم أي منظور مخالف، فهو لدى أدونيس يمثل استمرار التحول ( الإبداع )في الثقافة العربية، بينما يمثل ابن عبد الوهاب استمرار الثابت (الاتباع).
وينتهي مشروع أدونيس إلى المطالبة بعدم فصل الحداثة العربية عن تيار الحداثة في العالم، لأن التفاعل والتبادل هم من أهم خصائص الثقافة العربية منذ نشوئها. وفي نظره "إرادة الفصل باسم الأصالة حينا وباسم التراث حينا آخر، هي في التحليل الأخير ضد الأصالة وضد التراث". وفي هذا الشأن يرى أن إعادة تقويم الثقافة العربية يتطلب، "أولا إعادة تقويم النتاج الثقافي القديم ذاته، وثانيا إعادة تقويم المفاهيم والنظريات التي تولدت عن هذا النتاج، وثالثا إعادة النظر في إعادت النظر السابقة، ورابعا تقويم النتاج الثقافي الراهن، وخاسما رسم الصورة الممكنة في ضوء هذا كله للثقافة العربية الحديثة المقبلة".
ويؤكد أدونيس أن بحث القضايا السابق ذكرها، يجب أن يتم في ضوء عدة مبادئ، أولها هو القيام بتغيير جذري شامل للمجتمع العربي، يتضمن تغيير الإنسان من أعماقه البعيدة، بتغيير نظام حياته وفكره، وثانيها يرتبط بوضع مفهوم للثقافة أكثر شمولا من المفاهيم التقليدية السائدة وأكثر جذرية، بحيث تصبح هي ممارسة التحرر بشتى صوره وعلى مختلف مستوياته، بما لا يقتصر على تلبية الاحتياجات، بل يمتد إلى الاستجابة للرغبات، وثالثها يتمثل في عدم الاعتماد على الصراع الأيديولوجي والتغيير السياسي فقط في تجاوز الثقافة الموروثة، ورابعها يتعلق بالبحث عن الجذور التي تنهض عليها العلاقات التي تمثل للشعب العربي مجموع رموزه الحياتية والفكرية، نظرا لأن تغيير الثقافة العربية لا يتم إلا ضمن إنتاج سياق جديد، يختلف كلية عما هو موجود حاليا. لكن كيف يتم إيجاد هذا السياق الجديد؟.
يجيب أدونيس على هذا التساؤل، بشكل غير مباشر، من خلال مطالبته بإعادة النظر إلى النتاج الثقافي بذاته، بمعزل عن المنظور الديني ـ العقدي، والنظر إلى الفكر الديني كنتاج ثقافي، وعدم السماح لأي مؤسسة، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، بأن تعد التراث كأنه أرثها الخاص، وليس لها كمؤسسة أن تجيز أو تسمح باسم التراث، فهي وسيط لا غير، كما أن التراث نفسه ليس كاملا ولا مقياسا مطلقا، ولا حاكما، وهو غير ملزم، لأنه حقل ثقافي عمل فيه وأنتج فيه بشر مثلنا يخطئون ويصيبون، يبدعون ويبتدعون. وبذلك يكون من حقنا أن ننتج حقلنا الثقافي والاجتماعي الخاص بنا، الذي يتلاءم مع معطيات عصرنا، وينهض بتبعاته الجسام، وأن ننفذ إلى النص الأصل الذي يستند إلى الوحي، لنقرأه بعقل جديد في ضوء واقعنا المتطور، ونزيح في طريقنا النصوص التي أنتجها الفقهاء على مدار القرون الماضية، والتي يريدون كثيرون أن يلزموننا بها.