السبت 24 أغسطس 2013 / 11:48
من قال إن الإنسان يموت مرة واحدة، دفعة واحدة؟ . . الموت، في الأغلب، بالتقسيط. هذه حقيقة مؤكدة، وعلى الإنسان الحي، الحي خصوصاً، أن يستعد لموته كل يوم، ليأخذه جرعة جرعة كأي دواء مر مرير.
وعلى الدرب، كل حياة أو كل موت، يتساقط رفاق الدرب والعمر كأوراق الشجر أو فصول الخريف. بعض جسدك أيها الإنسان، أيها الشاعر، يدفن في تراب الأرض قبلك، أمامك . ذلك شعورك المتكرر الذي يسبب لك، في كل مرة، ثقباً جديداً في القلب. ثقباً يكفي لأن تتسرب، ولو بمقدار، بعض الذكريات القديمة .
سليمان الفليح، الأخ والصديق، توأم الروح، ترجل الأربعاء، تاركاً وراءه، كعادته كلما التقينا وافترقنا، حسرة مطوقة بالندم . شاعر الحياة هو، وسليل ثقافة الصحراء، وسفير بدو الصحراء إلى العواصم المزدحمة والمدن المتروبوليتية. عرفت سليمان قبل ثلاثة وثلاثين عاماً. أقصد عرفته شخصياً، وكنت أعرفه من قبل، منذ عهد الطفولة، في الشعر والصحافة والكتابة. أزعم مثلاً، وهذه حقيقة تعرفها الأوساط الثقافية في الخليج والوطن العربي، أن ديواني الأول الصادر عن دار الكلمة في بيروت في العام ،1980 وكان عبارة عن قصيدة طويلة وحيدة في كتاب بعنوان “هنا بار بني عبس . الدعوة عامة”، قد أثار إعجاب الكثيرين من الشعراء والنقاد والقراء، ونقل إلي شعراء من البحرين والسعودية والكويت إعجاباً خاصاً من شاعرين هما جار الله الحميد وسليمان الفليح .
ثم جمعتني مع سليمان لقاءات ومناسبات آخرها مهرجان دبي العالمي للشعر قبل نحو خمسة أعوام، حيث قضيت في رحاب المهرجان ليلة واحدة، حرص سليمان على أن يشاركني فيها طلاسمها وأحلامها. زارني هو وولده، وبحس البدوي العربي الأصيل الشاعر أيضاً، استأذن ابن سليمان بعد نصف ساعة، وكأنه يقول: "لكما" يا جيل العذوبة والعذاب، "وحدكما" ليل العذوبة والعذاب .
وأعرف سليمان في الليل والنهار. في الزمن كله، وفي المكان كله، منذ أن كان يكتب عموده اليومي الشهير "هذرلوجيا" في صحف عدة كويتية وسعودية. عبقرية العنوان بعض عبقرية الرجل، فعلى وزن تكنولوجيا وايديولوجيا، أراد سليمان الفليح أن يبني صنماً للعبث مطوقاً بالألم، فكان ذلك العنوان الذي يختصر عبث الدنيا كلها في كلمة، والذي ينطوي، شأن سليمان، على غرور الدنيا كله، وتواضع الدنيا كله .
منذ "هذرلوجيا" ومنذ “الغناء في صحراء الألم”، عرفت سليمان الفليح وتعرفت إليه أكثر، ومن خلاله أحببت بل عشقت على البعد، صحراء الجزيرة العربية وصحراء الشام. إن سليمان الفليح هو الكائن الشعري الوحيد في العالم الذي يستطيع أن يشتم ويتغزل باللغة ذاتها، والوحيد الذي يستطيع أن يتكلم عن أنبوب مدفون في الأرض لتصدير النفط كما يتكلم عن حبيبته .
وأحب سليمان الكويت واشترك في حرب تحريرها في العام ،1990 ومما يذكر في تاريخه المشرف أنه دافع عن مصر في حرب الاستنزاف قبل ذلك في السنوات الأولى من السبعينات، وولد في شمال السعودية أو في الكويت في العام 1950 أو 1951. فلا شيء مؤكداً حول سليمان. المؤكد انتماؤه إلى هذه الأرض، وأنه كان سنوات طويلة من عمره محسوباً على فئة “البدون” إلى أن نال وعائلته، الجنسية السعودية، يقول البعض إنه شاعر سعودي، ويقول البعض إنه شاعر كويتي، وتصح نسبته قطعاً إلى البلدين، وإلى مدارات بعيدة وكأنها الشمس، وإلى مدارات قريبة وكأنها بؤبؤ العين .
ولأنه عاش يتيماً قرر أن "يخلف" قبيلة لوحده. بهذه الروح المرحة كان يتعامل مع تعب العمر، وكان يقول ذلك لكل عارفيه الجدد وكأنه جزء مهم من سيرته الذاتية .
فإلى أين تأخذني يا سليمان . بهذه الطريقة لن أستطيع أن أختتم مقال موتك، يا أبا سامي، فما زلت بعد كل هذه السنين، وكما عبرت لك في قصيدة قصيرة قبل 30 عاماً أنني لا أعرف هل تناولني أم تتناولني .
سوف أقول لك رحمك الله، وأنسحب إلى أي ركن هادئ في أي مسرح مهجور .