محمد البكري مؤدياً دور "المتشائل".(أرشيف)
محمد البكري مؤدياً دور "المتشائل".(أرشيف)
الجمعة 29 سبتمبر 2017 / 19:44

"المتشائل" دون كيشوت الفلسطيني

محمّد البكري في دور سعيد أبي النّحس أكثر من شخص، بقدر ما هو جدّاً نفسه. إنّه في لعبه يقوم بما نستطيع أن نسمّيه الملحمة الفلسطينيّة.إنّه الفلسطينيّ في كلّ حركة له، في كلّ أمارة على وجهه وفي كلّ نكتة على نفسه وعلى غيره

"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل"رواية إميل حبيبي المعروفة التي هي أيضاً غريبة في بنائها على التّراث القصصيّ العربيّ الّذي هو في أساسه أدب شعبي، كما في بنائها على التراث الشعبيّ الراهن، في حين تنتسب هكذا إلى ما بعد الحداثة، في بنائها أيضاً على الرواية الأوروبيّة الحديثة. هذه الرواية كانت في أساس مسرحيّة الفنّان الفلسطينيّ محمّد البكري الذي جعل منها نصّاً مسرحيّاً منذ أكثر من عشرين عاماً. أعدّها للمسرح وأخرجها وقام بتمثيلها وإعادة تمثيلها إلى أيّامنا هذه فدخلت المسرحيّة كما دخلت الرواية في التّراث الفلسطيني وفي المقاومة الفلسطينيّة للإحتلال.

يصعب تلخيص المسرحيّة الّتي عرضت أخيراً على مسرح المدينة في بيروت الّتي زارها محمّد البكري، في ما يشبه التسلّل، ليحقّق كما قال حلمه منذ كان في الثالثة عشرة. وصرّح إلى جريدة "الأخبار" بأنّ إسرائيل عدوّ، ممّا سيعرّضه للمحاكمة كما ورد في الصحف الإسرائيليّة. يصعب تلخيص المسرحيّة كما يصعب تلخيص الرواية، بل يكاد هذا يستحيل لأنّ وقائع سعيد أبي النّحس ليست في الرواية وقائع فرديّة. وهذا لا يتجلّى كما يتجلّى في المسرحيّة الّتي تروي منذ أكثر من عشرين عاماً "خروج" الشعب الفلسطينيّ بل إنّ محمّد البكري خلال ساعتين وأكثر، كان على المسرح "دون كيشوت الفلسطينيّ" الّذي أعاد في وقت واحد تراث شعبه الّذي لم يبق له سوى لغته، كما لم يبقَ من دون كيشوت في سعيد أبي النّحس أيضا إلّا أوهامه الّتي تسوقه من مأزق إلى مأزق، ومن هزأة إلى هزأة، ومن مسخرة إلى مسخرة. إنّه أيضاً مكر التاريخ الّذي يحيل سعيد أبي النّحس نيابةً عن شعبه لقيطاً ومتروكاً ومهجوراً، يحيله ساخراً من نفسه ومن أمّته ومن الكون أجمع.

غير أن محمّد البكري في دور سعيد أبي النّحس أكثر من شخص، بقدر ما هو جدّاً نفسه. إنّه في لعبه يقوم بما نستطيع أن نسمّيه الملحمة الفلسطينيّة.إنّه الفلسطينيّ في كلّ حركة له، في كلّ أمارة على وجهه وفي كلّ نكتة على نفسه وعلى غيره، وفي نثريّات المسرحيّة وهوامشها. لقد بقيت المسرحيّة ما يزيد على عشرين عاماً لأنّها أوحت للإستيهام بأنّها فلسطين أو أنّها الذاكرة الفلسطينيّة. هذه موهبة محمّد البكري على أن يوحي بحركاته وتعابيره بأنّ المسرحيّة المؤدّاة بقدرة عالية على الإيحاء هي أكثر من حكاية فرد يلعب وحيداً المونودراما. إنّها تقمّص شعب وملحمته وذاكرته الّتي لم يبقَ له غيرها. حين يغنّي محمّد البكري أو حين يروي نكتةً أو حين يتحرّش بالجمهور، يظلّ على الموجة ذاتها، فلسطين الناطقة.

محمّد البكري هو فلسطين بقدر ما هو محمّد البكري. لم يبق اسم سعيد أبي النّحس في بال الحضور بقدر ما بقي اسم محمّد البكري. إذ خلال السّاعتين كان البكري يمثّل كأنّه لا يمثّل. منذ ظهر وهو يغنّي على أعلى درج المسرح وبدأ يهبط الدرج ببطْء حتّى وصل إلى المسرح. منذ تلك اللحظة تماهى الجمهور مع البكري وامتلك تماماً المسرح وأدخل الجمهور معه في اللعبة، بل حفزه إلى أن يلعب فصار الحضور يغنّون معه، وفي أحيان كثيرة كان الجميع يمثّلون. كان البكري فلسطين وبالدرجة نفسها وربّما للسّبب نفسه كان محمّد البكري. لقد كانت هذه قصّته هو العائد ليحاكم عليها، ولم يشكّ أحد بأنّها قصّته، وكلّما استغرق فيها بدت أكثر قصّته. تلك موهبة محمّد البكري على أن يكون الرمز، على أن يزيح في الوقت نفسه هذا الرمز ويخفيه خلف الفرد الّذي يحكي قصّته هو، لدرجة أن تمتلئ عيناه بدموع حقيقيّة حينما يتذكّر أو حينما تخطر في المسرحيّة وقائع كئيبة. ساعتان كان فيهما محمّد البكري لاعباً حتّى التماهي، آخذاً الجمهور إلى الّلعبة.