أصدر مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة كتاباً جديداً بعنوان "الاستشراق والقرون الوسطى"، للمؤلف جون م. غانم، وترجمة عبلة عودة.
تبحث فصول الكتاب في عدة مواضيع مثل الأدب والفن المعماري والتاريخ التي ميزت القرون الوسطى، حيث ظهرت في القرنين السادس عشر والسابع عشر اتجاهات تدين القوطية، وتدافع عن الكلاسيكية الجديدة في خطاب استغرابي يعتمد نماذج من الثقافات الشرقية، وظهر ذلك جلياً في عدد من الأجناس الثقافية التي أكدها أصحاب النزعة القروسطية كرموز خاصة بهم مثل الفن المعماري القوطي والأدب الرومانسي القروسطي. بالنسبة للعمارة القوطية فقد كانت تُقرأ على أنها عمارة محلية غربية، فالأقواس التي تميز الأسقف القوطية ترمز إلى الأشجار الضخمة في شمال أوروبا، غير أن تلك القراءة تؤكد أيضاً على الهمجية والبربرية التي عُرف بها القوطيين في أوروبا، وفي أحيان أخرى كانت الأقواس القوطية ذات الرؤوس المدببة تُعزى إلى تأثير الشرق الإسلامي والأسلوب الشرقي في البناء الذي أخذ ينتشر في جميع أنحاء أوروبا وخاصة في فرنسا.
مؤلف الكتاب جون م. غانم، أستاذ في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، وحاصل على شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة إنديانا في الولايات المتحدة. رأس جمعية تشوسر لمدة غير قصيرة، تتعلق معظم أبحاثه بالقرون الوسطى والأدب القروسطي.
قامت بنقل الكتاب إلى العربية المترجمة عبلة عودة، أكاديمية ومترجمة فلسطينية، تعمل في حقل التدريس الجامعي منذ عام 1993. حاصلة على شهادة الماجستير في اللغويات والترجمة من جامعة باث – إنجلترا، وهي عضو مؤسّس في الجمعية الأردنية للمترجمين واللغويين التطبيقيين في عمّان.
فصل من الكتاب:
الفصل الأول
القرون الوسطى: جنس أدبي
تمثل قصة الدراسات الرومانسية من عدة وجوه السرد الأساسي في دراسة الأدب القروسطي، والثقافة القروسطية عموماً، إذ نجد ضمن دراسات الأدب الرومانسي، منذ بداياتها الأولى، جدلية سياسية فريدة من نوعها تتضمن فانتازيا العرق، والجنوسة، والسلطة.
يبدأ تعريف الرومانسية في إنجلترا، وفي أماكن أخرى كذلك، بولع شديد بالأصول. وهو أمر مبرر، بالنسبة إلى جنس أدبي لا يحظى بشرعية واضحة، ولا يريد أن يتبناه أحد. فمن جهة، نُظر إلى الرومانسية على أنها أدب أهلي وقومي ومحلي، وأنها شكل من أشكال التاريخ قبل أن يتشكل الوعي التاريخي، ومن جهة أخرى يُنظر إلى جذور الأدب الرومانسي أنها رافقت ظهور الرواية، وكلاهما يصوَّر الآخرية التي كانت تعنى، في القرن الثامن عشر على الأقل، شكلاً من أشكال الاستشراق. أما بالنسبة إلى أدب الحب الفروسي في القرن التاسع عشر فله إشكالية اجتماعية ترد جذوره إلى مكان آخر ربما كان الشعر العربي، الذي وصل أوروبا عن طريق إسبانيا، وهذا ما يعرضه وارتون في مقدمة كتابه اتاريخ الشعر الإنجليزي، إذ يفترض أن الأدب القروسطي والفن الروائي الغربي عموماً قد بدأ بفعل الاحتكاك الثقافي بين الشرقيين والصليبيين. أما بيير دانيال هويت (1630-1721)، فيذكر في دراسته المهمة حول الأدب الرومانسي، التي ترجمت إلى الإنجليزية في القرن الثامن عشر، أن جذور الأدب الرومانسي ترجع إلى التأثير الموريسكي القادم من إسبانيا، في حين أن الرواية، بما فيها من مجاز وبلاغة، فأصولها شرقية، وقد وصلت إلى الغرب بطرق مختلفة.
لقد تمت مأسسة الدراسات الأدبية في الجامعات الحديثة خلال القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، بَيْدَ أنّ الدراسات القروسطية في الأدب الإنجليزي كان لها طريق آخر، إذ تعهد بها جيل من الباحثين الهواة، وسبقهم جيل آخر من الآثاريين، وقد حدث ذلك ضمن دراسات أدبية أخرى، بيد أنّ خصوصية الدراسات القروسطية ما قبل الأكاديمية، والهالة التي كانت تحيط بالخبراء في هذا المجال، جعلتا هؤلاء الخبراء يسقطون مواقفهم تجاه الأدب القروسطي، والقيم الثقافية المرتبطة بها، على الدراسات الأكاديمية في هذا الموضوع.
ولدت دراسات الأدب القروسطي من رحم الحنين إلى تلك الفترة، وما رافقها من قيم، بغض النظر عن الاهتمام بمؤلفين عظام مثل شكسبير أو نصوص بعينها، وقد كان هذا الدافع العاطفي هو المحرك الأول لهذه الدراسات، بما فيها من جوانب اجتماعية وتاريخية، وكذلك اللغة الأدبية التي مازالت حتى الآن تؤثر في حكمنا على الأعمال الأدبية الخاصة بتلك الفترة.
سنحاول في هذا الفصل تتبع هذه الجوانب وبخاصة كيفية تحول دراسة الرومانسية القروسطية إلى هدف في حد ذاتها، إذ يبدو أن الخطاب النقدي الرومانسي، منذ النشأة الأولى له في القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين، يبدأ بدراسة رومانسية القرون الوسطى ليتحول هو ذاته بعد ذلك تدريجياً إلى نوع خاص من الرومانسية. ويطغى هذا التماهي بين الماضي والجنس الأدبي على كل شيء، ويزداد تعقيداً بالنظر إلى طبيعة هذا الجنس الأدبي، فالرومانسية ومنذ ارتباطها بالقرون الوسطى، ارتبطت بنوع خاص من الغربة عن المكان والزمان أيضاً. وإذا كان التاريخ الثقافي لأوروبا الأممية يعود بأصوله إلى عصر النهضة، فإن تاريخ القوميات يرتبط عادة بالقرون الوسطى، والثقافة القروسطية عموماً، ولاسيما بالمخيال الجغراتاريخي الذي يربط الرومانسية والقومية. ومن هنا جاءت ازدواجية القرون الوسطى في كونها تمثل حالة من الانقطاع ونقطة أصل، وهي سجل قومي وفتنة مستوردة في الآن ذاته.
سنبدأ بعرض فقرة من كتاب هيبوليت تاين Taine تاريخ الأدب الإنجليزي: من المستحيل ترجمة هذه الأفكار المتضاربة التي لا تتماشى مع أسلوبنا الحديث، فهي غير مترابطة أبداً ولا تخضع للعرض المنطقي، كما أنها تخلو من الروابط وأدوات التعريف وكل ما يربط المصطلحات ببعضها، وليس فيها غير العواطف الجياشة التي تجتاح النص بجنون، إنها قمة الهمجية.
يناقش تاين هنا شعراً باللغة الإنجليزية القديمة، لكنه يصف البلاغة القروسطية بأنها همجية، وهي بلاغة يعود تاريخها إلى الحقبة القوطية؛ لتصبح القوطية ذاتها مرادفاً للهمجية. إن انعدام الذوق والافتقار للمنطق السردي، وطغيان العاطفة دون تطور درامي للأحداث، هي صور للهمجية في النص من وجهة نظر تاين، غير أن هذه الصفات جميعاً هي أيضاً الصفات التي ميزت الفن والعمارة القوطية، وهي ما كان يزعج الكلاسيكيين الجدد.
ينطوي نقد تاين اللاذع على تصنيف آخر، وهو تصنيف موجود ضمنياً في قصيدة هوراس اآرس بواتيكاب، ألا وهو الغروتسكية:
إذا حاول رسام جمع رأس إنسان فوق رقبة حصان، أو جمع بعض الأطراف المختلفة، ونثر بعض الريش عليها؛ ليحصل على مخلوق نصفه الأعلى سيدة جميلة، بينما يعود النصف الأسفل إلى سمكة سوداء بشعة، فهل يمتلك المشاهد لهذا المنظر بعد تأمله إلا أن يضحك؟ ألا يبدو هذا المشهد وكأنه حلم في مخيلة شخص مختل؟
يقدم لنا هوراس Horace هنا جانباً مهماً من جوانب الآخرية، فبينما ينتقد تاين ذكورية السرد القروسطي وهمجيته، يقدم هوراس الفن غير التقليدي على أنه منفر ويثير الاشمئزاز، وهذا الاشمئزاز يتمثل في صورة الأنثى. ومع أن تعريف الغروتسكية قد اختلف قليلاً فيما بعد، إلا أن ما قدمه لنا هوراس من صورة لهذا الفن يطابق الوصف السلبي الذي وُجد للمرة الأولى في الكهوف، والذي قدمه فتروفيو الروماني) منذ مئات السنين. أما الفقرة السابقة من شعر هوراس النقدي حول الفن غير اللائق، فقد كانت مقدمة لنظريات الكلاسيكيين الجدد حول الجمال.
تمثل هاتان الفقرتان نموذجاً لما قد يجده المرء في وصف القرون الوسطى من الناحية الأدبية، وناحية الفن المعماري، وكلتاهما تعبر عن الوحشية والهمجية، ويبدو أن هذين المفهومين شديدا الارتباط عند الحديث عن القرون الوسطى، وغالباً ما نجدهما في السياق ذاته،
غير أن إسباغ المغزى السلبي على كلمة القوطية ظهر أول ما ظهر في نظريات العمارة، التي كان من روادها جيورجيو فاساري Vasari (1511-1574)
هناك أعمال أخرى تدعى بالجرمانية تختلف في زخرفتها وتناسقها عن العمارة الأثرية والحديثة، غير أن المعماريين المحترفين لم يعودوا يستعملونها، بل إنهم يتجنبونها؛ لأنها تمثل الوحشية والهمجية، ذلك أنها تفتقر إلى التنظيم والأفكار الواضحةب.
ويشير فاساري في (ص128) إلى الثقافة القروسطية عموماً أنها اقوطيةب، وقد ظل هذا التعميم قائماً حتى جاء وارتو وعدد آخر من مفكري القرن الثامن عشر بمزيد من التوضيحات.
يقدم فاساري هنا واحداً من أوائل الفروقات بين ما هو قوطي وما هو كلاسيكي في مجال العمارة في القرون الوسطى، وقد جاءت الفقرة السابقة تعليقاً على فقرة أخرى لفتروفيو يتحدث فيها عن الغروتسكية الواضحة في تصميم المنحنيات، والأقواس التي وجدت للمرة الأولى على جدران الكهوف.
يخفي ازدراء فاساري لهذا النوع من العمارة مجموعة من الافتراضات المرتبطة بالعرق والجنوسة التي تُصنف تحت مفهوم االآخريةب، كما أننا نستشف وراء مصطلحات الوحشية والهمجية مجموعة من الرموز الخفية التي تشير إلى الشرق والغرب، ويرتبط بها مفهوما الأنوثة والذكورة، فالهمجية ذكورية أما الوحشية فهي مؤنثة، والغرب مذكر بينما صُنف الشرق مؤنثاً. ومع ذلك فإن القوطية والقروسطية تثيران الكثير من الارتباك؛ لأنهما لا تعترفان بمثل هذه التصنيفات، كما أن هذه التصنيفات لا تسير باتجاه واحد كما يقول بارثا ميتير Mitter؛ ولذلك فإن الفنون الهندية والآسيوية صُنفت عموماً لدى النقاد الغربيين بأنها وحشية.
ليست هذه القطبية اختراعاً حديثاً، ولكنها الفنتازيا التي ابتكرها مؤسسو القروسطية كمفهوم، إذ ردوا بناء السطوح الإبرية المدببة إلى أصول شرقية، كما فسروا وجود القناطر في العمارة القروسطية بتأثرها بأشكال الغابات الشمالية حيث كان يقطن القوطيون، ويظهر هذا الارتباط العرقي بين القوطية والقرون الوسطى في الكثير من النصوص حول العمارة والتاريخ الأدبي، حيث يشير الكتاب أحياناً إلى خلل في تناسق البناء، وأحياناً أخرى إلى همجية الزخارف ووحشيتها، وقد يطال النقد أيضاً أسلوب البناء عموماً.
يقدم السير جون إيفلين Evelyn (1620-1706) العمارة القوطية في كتابه سجل المعمار والمعماريين على أنها غزو عرقي: بعد توغل واكتساح هؤلاء المتوحشين من الشمال، بالإضافة للموريسكيين والعرب من الشرق والجنوب وسيطرتهم على العالم المتحضر، أخذوا يدمرون فن العمارة النبيل، ويشوهونه أينما حلوا. أما كريستوفر رين فيقول: القد انتشر الأسلوب الشرقي في العمارة المعروف في الشرق بسرعة في أوروبا ولاسيما في فرنسا.
هناك انتقادات أخرى للقوطية نجدها في بعض النصوص بطرق مجازية غير مباشرة، كما هي الحال في كتاب جون أوبري Aubrey (1626-1697) غير المنشور اتاريخ المعمارب، حيث يرصد الأساليب المعمارية الإنجليزية في القرن السابع عشر، ويؤرخ للمباني الموجودة، ويصنفها حسب طرازها المعماري، كما يلاحظ الانتقال من الأسلوب الرومانسي إلى الأسلوب القوطي، ويصف الأشكال المختلفة للأسلوب القوطي، لكنه يشير دائماً إلى الأسلوب القوطي وفق أنه نوع من التدهور، والتراجع في جميع مجالات التصميم بما فيها النقوش المكتوبة: لقد تدهورت العمارة الرومانية لتصل إلى الأسلوب القوطي، وينطبق هذا على النقوش الرومانية أيضاً
يصف أوبري الأسلوب القوطي بالوحشية، ويُصنف الرومانسية القروسطية تحت تصنيف الغروتسكية: ابالنسبة إلى الرومانسية القوطية ومحاولتها تشويه الطبيعة، فقد رأينا الكثير من الأعمال المقيتة لهذا الأسلوب، التي تظهر فيها كلاب وأسماك تتداخل مع أنواع من الزهور.
يُبدي أوبري حنيناً خاصاً وتعلقاً شديداً بقيم القرون الوسطى، بالإضافة إلى أسفه الشديد على بعض المعالم القروسطية التي دُمرت، ومع ذلك فهو يعتبر القرون الوسطى فترة تسودها الخرافات، وتسيطر عليها الغيبيات التي تتناقلها النساء على وجه الخصوص: اعندما كنت طفلاً، كانت العجائز يحكين لنا قصص الأشباح والأرواح قبل النوم... وكانت النساء تتناقل هذه القصص من الأمهات إلى البنات.
يتواصل الجدل حول الفن والأدب القروسطي خلال القرن السابع عشر والثامن عشر مع اختلاف بسيط في التصنيفات، كما نجد لدى جيمس بيتي Beattie (1735-1803) في كتابه رسالة النقد والأخلاقب حيث يعتبر أن تهميش الكلاسيكية في العصور الوسطى هو نتيجة طبيعية لوجود هذا الفن الوحشي: بينما يسود الذوق العام الذي يحبذ كل ما هو وحشي، لا بد أن نفترض أن البساطة الطبيعية في الفن الكلاسيكي لن تلقى رواجاً يذكرب. بالنسبة إلى بيتي، فإن هذا النقد الحاد للرومانسية ينسحب على كتب مثل رواية ادون كيشوتب لمؤلفها سيرفانتس، يقول: اإن وجود مثل هذا النوع من الأدب المتطرف إلى جانب الأدب الذي يراعي واقع الحياة الحقيقية في التصنيف ذاته، سيجلب بالضرورة الانتباه إلى النوع الأول؛ لما فيه من اختلاف واضح ومبهر 562-563. ويحاول بيتي في الواقع أن يدافع عما يدعوه بالرومانسية، وما سندعوه لاحقاً بالرواية في القرن الثامن عشر، ويستشهد بهذه الأعمال الرومانسية المتقدمة.
يُرجع المدافعون الأوائل عن الرومانسية تلك الأعمال الوحشية، عادةً، إلى القرون الوسطى، ومنهم توماس وارتون Warton الذي يقول: تثير هذه النصوص من الاهتمام أكثر مما تستحق؛ لما تحتويه من غرابة ووحشية لا تنسجم مع المنطق وقواعد الطبيعة والمجتمعب. أما ريتشارد هارد Hurd (1720-1808)، فإنه يستخدم لغة وأوصافاً مهنية حتى في دفاعه عن القوطية اإذا ما حاول المعماريون تطبيق القواعد الإغريقية على الأبنية القوطية، فإنهم لن يجدوا شيئاً سوى الفوضى والتشويه.
يحاول ريتشارد هيرد في كتابه ارسائل حول الفروسية والرومانسية أن يحلل موقف الكلاسيكية الجديدة السلبي من القوطية، بناء على أسس نظرية، مستلهماً هوراس، لكنه في الآن ذاته يرفض مواقفه؛ باعتبارها عائقاً أمام جموح الخيال) بقوله: افإذا لم تكن الدنيا قنطوراً ولا هاربي ولا عملاقاً بعين واحدة (كلها وحوش كلاسيكية.. فمن أين سيأتي الشعر؟
علينا أن نتذكر بالطبع أن هيرد يناقش هنا مضمون الرومانسية وليس الشكل، بيد أن ما يهمنا في هذه الدراسة هو ما يفعله بهذا المضمون، إذ إنه يدافع أحياناً عن حرية الخيال التي تسمح بوجود مثل هذه المخلوقات ضمن السرد، وأحياناً أخرى يسعى إلى ترميز هذه المخلوقات بحيث يصبح العملاق والوحش رمزاً للسيد المتغطرس، أو البارون المستبد في عدد من الأعمال الرومانسية، وهنا يقاتل الفارس ضد الظلم لا ضد غير الطبيعي؛ إلا إذا كان هذا الظلم هو ذاته غير طبيعي. هذه هي الطريقة التي يتبعها هيرد في الدفاع عن الرومانسية، التي تحاكي الترجمة الأخلاقية لعمل هوميروس الخيالي: السحر والفتنة
يقول هيرد القد فقدنا عالماً من الأساطيرب) ويدعم مقولته هذه بمجموعة من الافتراضات التي توحي بأن العصور الوسطى هي العصر الذهبي المفقود، أو الطفولة التي لا يمكن استعادتها؛ إنه الخيال الذي شكل الثقافة في العصور الوسطى، بينما حل محله المنطق في القرن الثامن عشر وما بعده في تشكيل تلك الثقافة، وقد كانت الرومانسية هي الوسيلة الذاتية للكشف عن الحضور المكثف لهذا الخيال.
وإذا أعدنا تفكيك افتراضات هيرد، سينجلي أمامنا ما يلي بوضوح: رُبطت القرون الوسطى بالرومانسية، ثم رُبطت الرومانسية بالمثالية؛ لتصبح الجنس الأدبي النمطي الخاص بالعصور الوسطى، أما التاريخ فقد قُرئ أنه جنس أدبي، وعندما ظهرت القوطية من جديد في أواخر القرن الثامن عشر، كانت تحمل تصوراً خاصاً للقرون الوسطى، بَيْدَ أنَّ هذا التصور لم يكن له علاقة سياسية بالحنين للقرون الوسطى ولم يكن يستلهمها، لكنه حافظ ضمنياً على المثالية الرومانسية الواضحة في الجنس الأدبي، بيد أن هذه المثالية لم تكن تتعلق بالحاضر أو المستقبل على الإطلاق.
تمثل القوطية هنا حالة ما قبل الحضارة، وحالة اللازمن، حيث تخلو الأعمال القوطية من سياق سياسي أو اجتماعي محدد، والقوطية، وبالتالي الرومانسية، ليست أشكالاً جمالية فنية وحسب، وإنما هي تراث ممتد يمكن لوارتون وهيرد استعادته في العالم الحديث عبر الخيال.
إن تصور التاريخ في حالة ثابتة لا تحمل التغيير إلا بوجود عالم مناقض، عالم الآخر، يجعل من الرومانسية محطة مهمة؛ لأنها حافظت على الماضي الجامح، الماضي المفقود، الماضي الآخر الذي ساهم في التغيير. لم تكن هذه النظرة الجمالية للقرون الوسطى وللرومانسية لتتحقق خارج سياق محدد، ولطالما احتدم الجدال حول قراءة التاريخ القروسطي الإنجليزي في القرن السابع عشر، وبدايات القرن الثامن عشر، وكانت هذه القراءة التاريخية أحد الأسس التي قامت عليها الثورة البيوريتانية، وما تبعها من حروب أهلية، كما أن هذه القراءة أثّرت مباشرة في المصطلحات السياسية، فكان هناك جدل حول مصطلح الغزو النورماندي مثلاً، وهل هو غزو فعلاً أم امتلاك شرعي للسلطة، كما امتدت التساؤلات إلى البحث عن تمثيل برلماني سابق ضمن الساكسونيين، وهو البحث الذي أيده البرلمانيون أيام الحرب الأهلية. أما الملكيون فقد كانوا يثيرون تساؤلات حول وجود توريث سياسي للسلطة في بريطانيا السلتية، إبان فترة ما قبل القوطيين، وكانت كل هذه التساؤلات حول شرعية البرلمانية أو الملكية الوراثية تصب في جدل حول شرعية الاحتلال، والحريات القوطية في إنجلترا قبل الاحتلال الساكسوني.
تطور هذا الجدل في بدايات القرن الثامن عشر محدثاً تغييراً واضحاً في القراءة التاريخية للتاريخ الإنجليزي القروسطي، بحيث أصبح هذا التاريخ ينقسم إلى عدة مراحل تاريخية اجتازتها إنجلترا قبل الوصول إلى الحاضر، أما الصراعات الأيديولوجية السابقة فقد انصهرت جميعاً في بوتقة مؤسسة الحاضر الموجودة، كما تضاءلت المؤسسة السياسية للقرون الوسطي؛ لتصبح القرون الوسطى مرحلة عبرتها الحضارة للوصول إلى الحاضر؛ لتضيء مرحلة أخرى لاحقة، وبذلك استبدلت هذه القراءة الجديدة للتاريخ ذ استخلاص أفضل ما في الماضي لدعم الحاضر ذ الصراعات القديمة بالاستقرار والوئام، لكن الغريب في الأمر أن هذه القراءة أدت كذلك إلى تهميش الأهمية السياسية والثقافية للقرون الوسطى. ومع نهايات القرن الثامن عشر وإعادة اكتشاف الرومانسية القوطية، كانت الأبعاد السياسية والاجتماعية للرومانسية المرتبطة بالقرون الوسطى قد أُهملت.
حوّل تهميش الدور السياسي والاجتماعي للقرون الوسطى الرومانسية القروسطية إلى حالة أسطورية محضة، فهي غريبة وبعيدة بارتباط جذورها بالشرق، لكنها محلية أيضاً بتعبيرها عن مرحلة تاريخية تشكلت قبل وجود الوعي التاريخي. إنها بذلك مألوفة وغريبة في الآن ذاته، وقد كان ذلك جزءاً من جاذبية الرومانسية القروسطية بالنسبة إلى روادها الأوائل، إذ كانت تمثل الماضي الجامح الذي ترعرعت فيه حرية الخيال، وبالتالي حرية الفن، وهكذا فهي نموذج لحرية الجمال والفن.
شكّل مفهوم القوطية باللغة الإنجليزية منذ بداية ظهوره مرادفاً للهمجية والبدائية في الجمال والأخلاق منذ بدايات القرن الثامن عشر، وكان للقوطية تاريخ مميز في القرن السابع عشر، إذ ارتبط القوط بالجوتيين، الذين كانت لهم مكانة مميزة بين الشعوب الجرمانية الغازية، وهذا ما يؤكده بيد.
من السهل الوقوع على عدد كبير من الانتقادات الموجهة للقوطية في بدايات القرن الثامن عشر، غير أن هذه الانتقادات كانت تتوسع أحياناً؛ لتشمل كل ما يتعلق بالقرون الوسطى، فنجد ألكساندر غوردون Gordon (1692-1754) وهو من مناصري التراث الإغريقي والروماني، يناشد جمعية الآثاريين قائلاً: ابجهودكم سيزدهر العلم ويعود الاهتمام بالآثار الحقيقية في هذه الجزيرة؛ لنصل إلى استئصال الجهل، والذوق السيء وكل ما يتعلق بالقوطية
لقد كان غوردون عضواً كذلك في اجمعية الفرسان الرومانيينب، التي كانت تسعى إلى المحافظة على الآثار الكلاسيكية في بريطانيا، وفي هذه الجمعية ذاتها ألقى وليام ستاكلي Stukeley (1687-1765) خطاباً يثني فيه على جهود الجمعية وأعضائها قائلاً: ابينما ينشغل الآخرون في ترميم آثارهم القوطية، تحتفظون أنتم بشرف المحافظة على الآثار الرومانية النبيلة في بريطانياب. وهو في هذا الخطاب يرد على من يتهمون بعض أعضاء الجمعية بالقوطية، وبأنهم مثل الهمج تماماً، لا يملكون الإحساس بجمالية الآثار الكلاسيكية.
يلاحظ صامويل كليجر Kliger في كتابه االقوطية في إنجلتراب أن القوطية في القرن السابع عشر كانت على الأرجح تصنيفاً سياسياً لا تصنيفاً فنياً جمالياً، فالقبائل الجرمانية التي اعتبرها تاسيتس مدخلاً لانهيار الإمبراطورية الرومانية كانت تصنف بأنها قوطية، واعتماداً على تاسيتس بعد ذلك، عرَّف البرلمانيون الإصلاحيون في القرن السابع عشر المؤسسات الديموقراطية أنها قوطية بما فيها البرلمان، والانتخابات الديموقراطية والنظام القضائي، كما ربطوا بين السلطة الملكية، والإمبراطورية الرومانية المتفككة، في حين ارتبط الريف البريطاني بالبرلمان الروماني.
لم تكن الأسس التي قامت عليها فكرة القوطية واضحة وقاطعة بما يكفي البداية، فقد كان يُنظر إلى البرابرة الموجودين على التخوم أنهم أكثر تحضراً من أولئك الموجودين داخل الإمبراطورية، والمستفيدين من مزاياها، وبينما كان تاسيتس يشير إلى مكانة مهمة نسبياً للنساء ضمن القبائل الجرمانية، كانت النصوص السياسية تشير إلى القوطيين بأوصاف الذكورة والنبل، في حين تصف الرومان بالفساد والتخنث والانحلال، أما الإمبراطورية الرومانية فتمثلها ثقافة واهية تقابلها الثقافة الحية الثائرة للقوطيين، وبتطور القوطية إلى مفهوم جمالي في القرن الثامن عشر أعيد بناء تلك القطبية، ومع ذلك فقد ظلت الفروق السياسية بين القوطية والرومانية غامضة نوعاً ما حتى في القرن السابع عشر، إذ كان هناك أنصار للقوطية على المستوى الجمالي من جميع الفئات، والأحزاب سواءً من حزب التوري أو الويغ، ومع ذلك فقد ارتبطت الأشكال القوطية في البناء بالإصلاحات، التي كان ينادي بها حزب الويغ والحريات، التي كان يدعو إليها، بينما ارتبطت المعابد الكلاسيكية بحزب توري المحافظين وما كان يمثله من أفكار كلاسيكية محافظة، وهكذا ارتبطت القوطية بالفوضى والثورة، أما الكلاسيكية فقد ارتبطت بالتضييق على الحريات الشخصية.
يقيم المؤرخ يوردانس Jordanes علاقة بين القوط وآسيا، وهو أول من صنَّف القبائل الجرمانية أنها اقوطب، وهو المصطلح الذي ظل سائداً حتى القرن الثامن عشر، كما أنه يُرجع أصول القبائل القوطية إلى جزيرة قطبية تسمى اساندزاب انطلق منها القوط؛ لينتشروا في آسيا وأوروبا، وعند وصولهم إلى غرب أوروبا جلبوا معهم بعضاً من سمات الشرق. وبينما كانت فرضية يوردانس حول الشتات القوطي، الذي بدأ من جزيرة ساندزا، يقدم مرجعية لمفهوم الأصول الشرقية للثقافة القروسطية، كانت أسطورة أودين التي انتشرت في عدد من المصادر القروسطية تؤكد اتصال القوط بآسيا في وقت من الأوقات، إذ تذكر الملحمة النرويجية هيمسكرنغلا Heimskringla أن مملكة أودين كانت في آسيا، ومنها توجه القوط، إلى سيثيا) شمال قزوين في آسيا.
تحتوي مجموعة أشعار إيدا على سلالة القوط التي تُظهر أنهم ينحدرون عبر عدة أجيال من برج بابل، إلى أن وجه أودين جيش بومبي وأجبرهم على التراجع إلى أوروبا، أما ديدوكاند فيُرجع تاريخ شعوب الساكسون إلى بقايا الجيوش المقدونية بقيادة الإسكندر الأكبر، أما المقدونيون فهم أهل طروادة حسب عدد من الروايات القروسطية، وتعود أصولهم إلى بريطانيا حسبما يعتقد الكثيرون، وقد ترددت أسطورة أودين التي تنسب القبائل الجرمانية إلى أصول شرقية طوال فترة القرن الثامن عشر دون أن يحاول أحد ضحدها، بل إن أيليت سامز Sammes (1636-1679) يوظف أسطورة أودين كدليل؛ لتعزيز نظريته حول أن الثقافة البريطانية لها جذور فينيقية، وأنها وصلت إلى بريطانيا من آسيا مع جيوش أودين.
يؤكد هويت على اأن الرومانسية هي اختراع شرقي يعود إلى المصريين والفرس والسوريينب، وحتى أولئك الذين يدعمون نظرية قدوم القوط من الشرق، لا يستطيعون إنكار التأثير الشرقي على الثقافة القوطية، وربما يكون ذلك عن طريق الغزو الأسطوري لأودين الذي دفع بالقوطيين إلى جميع أنحاء العالم، وفي جميع هذه الروايات انتقلت الثقافة الغربية إلى الشرق؛ لتعود ثانية إلى وطنها الأم بعد أن تشربت الثقافة الشرقية.
يعترف وليام واربرتون Warburton (1698-1779) بأهمية الصليبيين في ظهور الرومانسية، ولكنه يناقش أن المثالية التي خلقها الصليبيون حوَّلت التقاليد البربرية الشمالية إلى موضوع رومانسي. أما توماس بيرسي Percy (1729-1811)، فيصِّر على أنه ليس من الضروري أن يكون التأثير العربي هو المسيطر على الفن الرومانسي، فربما كانت الرومانسية موجودة فعلاً في الثقافة القوطية قبل وصولها من الشمال، وليس بالضرورة أن يكون القوطيون قد اكتسبوها من احتكاكهم بالموريسكيين في إسبانيا.
يقدم وارتون Warton في كتابه أصول السرد الروائي الرومانسي في أوروباب توليفة من جميع هذه النظريات:
إن هذه الأنواع الغريبة والاعتباطية من السرد الروائي، التي عادةً ما ندعوها بالرومانسية، كانت مجهولة تماماً من جانب كتاب الرومان والإغريق، ويبدو أنها وصلت إلى أوروبا عن طريق أناس لهم طرائق غير عادية في التفكير، ويُفترض عموماً بأنها مستعارةٌ من العربب.
يضيف وارتون في بحثه أن الاتصال بين أوروبا والشرق قد حدث في مرحلة سابقة، نتيجة للغزو الإسلامي لإسبانيا، وعموماً يؤكد كتّاب مثل هويت الأصول الشرقية للرومانسية، في حين يؤكد بيرس على أصول مقومات الرومانسية بما فيها موضوع المبارزة، وترسيخ فكرة الفارس المتفرد وإعلاء صورة المرأة، ويُرجع أصول كل هذه المقومات إلى الشمال. يجمع وارتون بين نظريتي الأصول الشرقية والشمالية معاً، وهو بذلك يقدم قراءةً مشابهة للعمارة القوطية التي تجمع في سماتها بين الأسلوب الشرقي والشمالي. أما جون هَزبندز Husbands فينحاز قليلاً نحو المخيلة الشرقية بالمقارنة مع المخيلة الكلاسيكية بقوله: اإن العبقرية الشرقية تحلق عالياً بأجنحة قوية؛ لترتفع فوق ملكة الشعر الإغريقية والرومانية، ويؤكد وليام كولنز Collins (1721-1759) هذه المقارنة في حديثه عن الشعر الشمالي مقارنة بالشعر الشرقي بقوله ايتميز الشعر الشرقي بقفزات قوية متسارعة بين الأبيات، بينما ينعم الشعر العربي والفارسي بذلك المجاز الثري الذي ينساب بسلاسة
تأثرت الرواية القوطية كذلك بشكل مباشر وغير مباشر بالاستشراق، سواءً من ناحية المعالجة أو الموضوع أو المصادر، وهو الأمر الذي لاحظه معاصرو القرن الثامن عشر، إذ يعرف ناثيان درايك Drake (1766-1836) االقوطية المبتذلةب ويعني بها الرومانسية؛ لتمييزها عن الثقافة الشمالية عموماً، ابأنها متأثرة بالسرد الروائي الشرقي الذي وصل إلى أوروبا خلال الحروب الصليبيةب، ذلك أن الرواية القوطية تحمل مثل هذه الخصائص التي توضح اتأثير الخرافات العربية والشرقية عموماً في بناء هذه الرواية وشكلهاب. وهكذا أصبحت القوطية مشهداً استقطابياً جديداً يعزز الرأي الإثني الذي كان سائداً في القرن الثامن عشر، والذي يؤكد شحَّ الخيال لدى الأعراق الشمالية رغم الأثر الذي تركته البدائية القوطية في الحياة السياسية العامة. غير أن هذا التصور لا يلقي ضوءاً كافياً على أسلوب العمارة القوطية المفرط في الخيال، ولذلك فلابد أن يكون مصدر هذا الخيال هو الشرق لا غير عن طريق الهجرات المتواصلة للقوطيين، التي جلبت معها هذا الأسلوب الخشن والبدائي من جهة، كما أنه يتسم بالوحشية والفخامة من جهة أخرى.
لقد شكل الأدب القروسطي سجلاً تاريخياً وانفلاتاً تاريخياً كذلك، فهو سجل للبطولة التي يمثلها الفرسان من جهة، وموئل للشعر والرومانسية التي تمثلها النساء من جهة أخرى، وقد تفاعلت همجية الشمال مع وحشية الشرق؛ لتشكلا معاً أصول القوطية، بَيْدَ أنّ هذا الوهم الكبير حول أصول القوطية أخذ يثير التساؤلات في أواسط القرن الثامن عشر وصولاً إلى القرن التاسع عشر، حين دُحض هذا الوهم تماماً في ألمانيا وبخاصة فيما يتعلق بأصول العمارة القوطية.
إن الجدل حول الرومانسية هو في الواقع جدل حول السرد الأدبي في حد ذاته، إذ إن التساؤلات التي تثار حول علاقة الرومانسية بالواقع، وعلاقتها بالأخلاق والمجتمع يولد تساؤلات مشابهة حول دور السرد الأدبي عموماً، وقد نجد مواقف متناقضة من الرومانسية تتراوح بين الرفض والانبهار، والاحتفاء والازدراء ضمن عدد من التعريفات المتعلقة بالرومانسية حتى يومنا هذا في دراسات الأدب الإنجليزي.
يطغى دور المجاز في الرومانسية على دور الرومانسية كجنس أدبي، ذلك أن النظرة إلى السرد الأدبي وفق أنه رومانسية تتضمن طريقتين متلازمتين، ومتناقضتين من التفكير، فالرومانسية هي تلك الفانتازيا الإيروسية المرغوبة من جهة؛ وهي كذلك مصدر للشك والنأي المرفوض من جهة أخرى. ونجد في نموذج فكري آخر أن الجنسانية (Sexuality) والأجنبية (Foreignness) هما أيضاً عاملا جذب ونفور في الوقت نفسه. أما في الرومانسية، فإن هذين العاملين يتمثلان في الجنسين المؤنث والمذكر، والرومانسية هي وثيقة تاريخية، توثق التاريخ الإنجليزي أو الأوروبي، وتكشف البنية التشريحية لهذا التاريخ المتمثلة في الوجود الفعلي للمجتمع، أو الصورة المتخيلة عنه.
والرومانسية إذ تتضمن صورة مثالية نبيلة بما فيها من فروسية، وبطولات، تقترب كثيراً في خصائصها من الملحمة، بيد أن هذه الخصائص الملحمية الذكورية النبيلة تقابلها أيضاً خصائص أخرى تثير القلق، فالرومانسية هي الأدب الجامح المليء بشغف غير المحدود، الذي ينبثق من عالم آخر مختلف مثيراً الشك والريبة، وتنعكس هذه الريبة على النظرة للأدب الرومانسي، إذ تجد الرومانسية أحياناً رمزاً للفروسية والسلوك الأرستقراطي لدى أولئك المحافظين على الفضائل والأخلاقيات القروسطية في بدايات القرن التاسع عشر، لكن من جهة أخرى تثير الرومانسية الشك لدى المحافظين الواعين في أواخر القرن التاسع عشر، الذين تأثروا بالوعي القومي الجديد المرتبط بالتقاليد النوردية مقابل التقاليد الأوروبية عموماً.
أدت نزعة التجديد في القروسطية في القرن الثامن عشر إلى بروز نوع رفيع من الشعر الرومانسي، عكس الاختلاف والتنوع المتجذر في القوطية التي أصبحت لاحقاً أهم المصادر الإيديولوجية للشعر الرومانسي، بغض النظر عن فهم الشعراء الرومانسيين، وتفسيرهم للثقافة القوطية، ومنهم كوليريج، وكيتس اللذان تأثرا بالقوطية بشكل مباشر. وقد تأثر الشعراء الرومانسيون عموماً بالثقافة القوطية، حين وجدوا في الرومانسية ضالتهم المنشودة في بحثهم عن الذات الشعرية، حتى وإن كان بعضهم مثل شيلي، الذي لا يعرف الكثير عن الرومانسية في القرون الوسطى، أو له موقف مضاد لها كما حدث مع بايرون.
لقد تخطى تصور الطبيعة حسب المفهوم الرومانسي، التصور الأولي للطبيعة في الثقافة القوطية، إذ ثارت الرومانسية على القواعد الأساسية للشكل واللغة، التي كانت معروفة في القرون الوسطى، مُشكلة لغة وشكلاً جديدين للرومانسية، ظهر عبر الثقافة الضبابية للقوطية.
وعلى الرغم من الارتباط الواضح بين الحركات السياسية الثورية والأسس الجمالية للرومانسية، فإن عملية ترميم الرومانسية القروسطية، واستعادتها ظلت مقصورة على مؤسسة المحافظين في بدايات القرن التاسع عشر.
كان الباحثون في موضوع الرومانسية القروسطية، أواخر القرن الثامن عشر، ينكرون وجود أي صبغة سياسية لأبحاثهم، غير أن هذا الإنكار كان يخفي وراءه انتماءً واضحاً للمؤسسة المحافظة، وقد ظهر هذا الانتماء بوضوح من خلال الحماس الذي استقبلت به أعمال هؤلاء الباحثين في أوائل القرن التاسع عشر في إنجلترا خلال فترة حربها مع فرنسا، حيث ظهر بوضوح اتجاه معادٍ للجمهورين يحتفي بأعمال شعراء رومانسيين، بمن فيهم السير والتر سكوت (1771-1832)، يحمل آراءً شديدة المحافظة (يبدو ذلك واضحاً في السيرة الذاتية لنابوليون التي كتبها سكوت في عدة أجزاء). لقد قدّم هؤلاء الباحثون القرون الوسطى في إطار نقدي مضاد للتحديث والتصنيع والإفراط، ومؤازر للأرستقراطية والتراث؛ لارتباط الكلاسيكية بالفروسية خصوصاً دون أي من وجوه القرون الوسطى الأخرى، مما عزز مكانة الرومانسية أكثر فأكثر بما تتضمنه من نماذج طاغية للفروسية.
أصبحت الرومانسية جنساً أدبياً رائجاً مع بدايات القرن التاسع عشر، وانتشر أسلوب إحياء القروسطية، وأخذت الرومانسية والقروسطية تحددان المثل العليا للمجتمع، وقُدمت القروسطية أنها إيديولوجية محددة لها برنامج ديني، وسياسي، وثقافي خاص، وارتبطت القروسطية بالعودة إلى الطقوس الأنجليكانية، وأخذت الجماعات الإصلاحية المحافظة مثل جماعة إنجلترا الفتية على عاتقها مهمة تحويل العراقة والأصول النبيلة إلى منصة سياسية. أما السمة الآثارية Antiquities للقرن الثامن، فقد أصبحت رمزاً ثقافياً انبثقت عنه الرومانسية القروسطية التي استقبلها القرن التاسع عشر، ولاسيما في إنجلترا بالكثير من الإعزاز؛ لأنها كانت تمثل جنساً أدبياً وطنياً خالصاً، على العكس من معظم النماذج الأوروبية الأخرى السائدة في القرن الثامن عشر. وقد رافق إضفاء الصبغة الوطنية الغربية على الرومانسية، تركيز شديد على الجوانب الذكورية في الرومانسية، وما فيها من بطولات دون إغفال الأصول الآرثرية والسلتية لها، غير أن معظم التركيز كان على الخصائص الإنجليزية، لا بل الأنجلوساكسونية للرومانسية.
لم تكن الرومانسية القروسطية مع ذلك قاعدة ثابتة لقيام تلك المؤسسة، إذ تُظهر لنا دراسات الثقافة الرائجة في ذلك الوقت أن الرومانسية حملت رغبات الأفراد إلى جانب القيم العامة المشتركة، الأمر الذي أدى إلى صراعات طويلة تركت علاماتها على التاريخ غير المعلن للرومانسية في القرن التاسع عشر.
حاول ألفريد لورد تينسون Tennyson في مجموعته الشعرية اأنشودة الملكب أن يوفق بين الإيروسية الجامحة في الرومانسية، ونظرة العامة للقرون الوسطى، غير أنه لم ينجح كثيراً في ذلك، ومع ذلك فإن مجموعته الشعرية لقيت رواجاً شعبياً هائلاً في ذلك الوقت. أما وليام موريس، فحاول استعمال الرومانسية القروسطية؛ لخدمة الأفكار الثورية، إذ إنه قدم عملاً استشرافياً في إطار القرون الوسطى وهو اأخبار اللامكان ذ News from Nowhere، حيث يحكي قصة مثالية عن المستقبل في إطار قروسطي، موظفاً الرومانسية؛ لتقديم اليوطوبيا المنشودة.
توضح ستيفاني بارشويسكي أن أبطال الأساطير القروسطية، أمثال الملك آرثر، وروبن هود، لم يكونوا بمنأى عن المواقف العنصرية التي سادت في القرن التاسع عشر، كما نجد في رواية اإيفانهوب لوالتر سكوت، فقد قدم سكوت قالباً جديداً للعنصرية في هذه الأساطير، آملاً في إيجاد وحدة عرقية ونفسية، ويتضح ذلك في تقييمه الإيجابي لدور اليهود. أما ردة الفعل تجاه التمرد الهندي، فقد كانت نقطة تحول في السياسة الإمبريالية البريطانية، والسياسة العرقية، ومؤشراً على نهاية المفهوم السائد حول الحضارات الشرقية أنها ميراث الإمبريالية المجيد. لكن وبحلول عام 1850 عادت المواقف العنصرية من جديد في بريطانيا، وألمانيا، وشمال أوروبا، لتجسد الاختلافات الإثنية، واللغوية عبر تصنيفها تحت مظلة العرقية، وهكذا أخذت صورة روبن هود مثلاً تتغير إلى بطل ساكسوني معزول مع إعلاء للخصائص التيتونية، التي هي أقرب ما يكون إلى الأصول الآرية. ربما كانت نظرية الأصول الدينية التي تربط الحضارة البريطانية بالشرق الأوسط شائعة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بما فيها من فرضية أن اللغة الأصلية للجزر البريطانية كانت اللغة العبرية، غير أن هذه الفرضيات تبدلت تماماً في أواخر القرن التاسع عشر؛ ليعاد تصنيف اليهود بأنهم النقيض والآخر وفق أسس دينية وعرقية.
وفيما يخص الملك آرثر، فقد كان تصنيفه العرقي أكثر تعقيداً، إذ تفرض تراتبية التفوق العرقي إعلاء الأنجلوساكسونية فوق الهوية السلتية، رغم الجهود التي بُذلت في القرن الثامن عشر؛ لإرساء هوية كبرى تقوم على وحدة الفصائل العرقية المختلفة.
يُعَد الباحث جوزيف ريتسون Ritson (1752-1803) حالة خاصة فيما يتعلق بالقروسطية المحافظة، إذ تظهر في أبحاثه بعض الصعوبات التي تواجهها هذه المؤسسة سواء ضمن تيارها اليميني، أو اليساري، وقد كان ريتسون راديكالياً متطرفاً، وشخصاً حاد الطبع، توفي بعد أن حبس نفسه في مكتبته مدة شهر كامل قام خلاله بإحراق جميع مخطوطاته، وعلى الرغم من هذا التطرف فإن الرؤية الرومانسية لريتسون تتوافق مع النموذج المثالي للآثارية مع رفضه لمعظم المفاهيم الخاطئة لديها، إذ يسخر في مقدمة كتابه امقاييس الرومانسية الإنجليزية القديمةب من مفهوم الرومانسية الذي قدمه وارتون، الذي يُرجع فيه أصول الرومانسية إلى الاحتكاك مع العرب في إسبانيا:
اربما نقبل هذه الفكرة فيما يتعلق بالنصوص التي كتبت بعد الحروب الصليبية، ولكن ليس هناك أي دليل أو مسوغ لتعميم الفكرة ذاتها على النصوص التي كُتبت قبل ذلك الوقت بزمن طويلب.
ويشير ريتسون إلى إمكانية وجود أصول إسكندنافية للرومانسية، لكنه يشك في وجود أدلة نصية، أو شهود على هذه الفرضية. ولا يقتصر الشك لدى ريتسون في موضوع الأصول العرقية للرومانسية على العرب والإسكندنافيين فقط، إذ ينسحب هذا الشك على الأصول السلتية كذلك، فهو يرى أن التاريخ الويلزي لا يقدم نماذج شعرية أو قصصية قبل ظهور جيفري مونماوث Monmouth (وهو شاعر وكاتب من ويلز ولد العام 1100). وبالإضافة إلى ذلك، يرفض ريتسون بشدة نظرية الأصول الأنجلوساكسونية للرومانسية ويقول:
الم يجلب هؤلاء الغرباء معهم أي كتب، ولم يكن لديهم مخزون أدبي على الإطلاق، غير أنهم كانوا أمة شجاعة محاربة عندما كانوا وثنيين، ولكن بعد تحولهم إلى المسيحية أصبح معظم ملوكهم رهباناً، وتحول شعبهم إلى مجموعة من العبيد الخاضعين لأي مُحتل جديد، وفقدوا قدرتهم في الدفاع عن أنفسهم
تبدو الدوافع وراء تحليلات ريتسون في هذا المقام مثيرة للاهتمام، إذ ينعت ألفريد بطل التقدمية السياسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر بأنه امتعصب بائسب، في حين يستخدم فكرة االنير النورمانديب بقوله: اكان وليان يستعبدهم مثل ثيران الحقولب، وفي سياق سابق كانت العبودية النورماندية تدعم المؤسسات السياسية الأنجلوساكسونية، أما التحول الديموقراطي الذي كان يتصوره الراديكاليون في القرن السابع عشر، فقد كان يعني العودة إلى الحق الطبيعي لأي إنجليزي بأن يكون حراً. يزدري ريتسون وجهة نظر القاضي والسياسي المحافظ وليام بلاك ستون، الذي كان ينظر إلى الغزو النورماندي أنه شكل من أشكال التعاقد، إلاّ أنه لا ينظر برومانسية إلى الوجود الأنجلوساكسوني أيضاً، بل إن نزعته الجمهورية الراديكالية تظهر بوضوح في غضبه على الكنيسة، لما سببته من فساد ضمن الأنجلوساكسونيين حتى قبل الاحتلال. كيف ينظر ريتسون إذاً إلى الرومانسية وسط كل هذه الشكوك؟
قامت تعريفات الرومانسية في القرن الثامن عشر بناء على أصول الرومانسية من جهة، وحالة الغموض التي تكتنف هويتها الوطنية من جهة أخرى، أما ريتسون فهو يرفض الجهتين معاً، ويعد التعاريف التي تستند إلى هذه الأسس واهية، ولا تمت للواقع بصلة، وبالإضافة إلى ذلك فإن ريتس يرفض الرومانسية باعتبارها حالة تاريخية تمثل جانباً مختلفاً للآخرية قائلاً:
الا تختلف قصص الأبطال التاريخيين الإنجليز مثل بيغيس وغاي عن غيرهم مثل أماديس دوي غول، فهم جميعاً من صنع الخيال، غير أنهم اكتسبوا مكانة تاريخية؛ بفضل الكتابات الرومانسية التي قدمها أشخاص مثل وارتون
يرفض ريتس فكرة تفرد الرومانسية الإنجليزية وتميزها، ويقبل بالرومانسية الفرنسية لا؛ لأنها سبقت الرومانسية الإنجليزية فحسب، وإنما لأن الرومانسية الفرنسية أفضل من الإنجليزية على ما يبدو، ويعبر هذا الرفض بوضوح عن عدم إعجابه بالرومانسية القروسطية الإنجليزية مقارنة بالرومانسية الفرنسية. وربما يعود موقفه هذا إلى رفضه التوجهات القومية الخاصة بالأمة الإنجليزية من جهة، وولائه لقيم الثورة الفرنسية من جهة أخرى، لكن من المؤكد أن موقف ريتسون الرافض لتفرد الرومانسية الإنجليزية كان ردة فعل مباشرة على محاولات وارتون ربط الرومانسية الإنجليزية بالأرستقراطية النورماندية، وتكريسها واجهة لعرض عظمتها، وهو الأمر الذي كان ريتسون يرفضه بقوة. وهكذا يحاول ريتسون أن يُشرَّح نظاماً عاماً قائماً سلفاً من جهة، لكنه يمتلك أيضاً خصوصية تاريخية من جهة أخرى؛ ولذلك فإن ريتسون في معظم خلافاته مع الباحثين الآخرين يصل في النهاية إلى أن الرومانسية سمة إنسانية عالمية، وقد يبرع بعضهم في التعبير عنها أكثر من غيرهم. بذلك يصل ريتسون إلى المأزق الذي وصل إليه جميع الباحثين في موضوع الرومانسية حتى يومنا هذا، وهو أن البحث الأكاديمي في موضوع الرومانسية يحرر الرومانسية من سحرها الذي هو بالضبط ما يجذبنا إليها.
كان معاصرو ريتسون يقدرون الدقة التي يتحرى بها معلوماته، لكنهم كانوا يتجاهلون معظم مواقفه وآرائه، ويعتبرونها نتاج عقلية مشوشة، ولذلك لا يمكن أن يُعتد بها. ومع ذلك فقد تركت شكوك ريتسون بالإضافة إلى أحلام الفروسية التي سادت في القرن التاسع عشر إرثاً إشكالياً متعدد الوجوه، إذ انضمت الدراسات الرومانسية الإنجليزية إلى المؤسسة الأكاديمية تحت عنوان الأدب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبذلك تعرضت الرومانسية إلى عدد من الضغوطات التي هددت موقعها ضمن الدراسات الأكاديمية، إذ لم يعترف بها النموذج الجرماني في فقه اللغة المقارن كشكل أدبي خاص، كما هدد أصحاب مدرسة أرنولد بتهميش الرومانسية فيما عدا بعض الكتاب المهمين في القرون الوسطى.
لقد قامت مأسسة الدراسات الأدبية في القرن التاسع عشر على أكتاف الدراسات القروسطية، غير أن نتيجة هذه المأسسة كانت إقصاء الدراسات الرومانسية القروسطية بعد أن كانت في قلب حركة إحياء الدراسات القروسطية في القرن الثامن عشر.
كانت مجلة اجمعية النصوص الإنجليزية المتقدمةب من أهم المنشورات التي ظهرت في العصر الفكتوري، وقد ارتبطت هذه المجلة بمؤسسها إف جي فارينفال Furnivall (1825-1910). كانت مثل تلك الجمعيات مقصورة إلى حد بعيد على أفراد طبقة معينة بما يتفق والقيم الاجتماعية القروسطية، أما فارينغال فقد كان خير مثال لأبناء تلك الطبقات، إذ كان محامياً معروفاً يهوى الكتابة، والتحرير، ويلتزم بالاشتراكية المسيحية، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان متحمساً جداً لجمعيته ومجلتها، ويظهر ذلك بوضوح في أعداد المجلة من حيث المحتوى الرفيع للأبحاث المنشورة فيها. وبينما يدافع الآثاريون المتقدمون عن القرون الوسطى من خلال أجناس أدبية بعينها مثل الرومانسية، أو القصيدة الغنائية، يقدم مشروع فارينفال رؤية أوسع للمجتمع القروسطي؛ رؤية تتلائم وأفكاره السياسية الخاصة التي لم تكن يسارية بالضرورة، لكنها مثلت الوعي الاجتماعي لدى الطبقات العليا في المجتمع الفكتوري.
تبدو قروسطية فارينغال علمانية في بعض جوانبها، ومشروعه الواحد المتمثل في إلقاء الضوء على الماضي الأدبي من خلال النصوص الأدبية المتقدمة، يمكن أن يعكس أكثر من جانب، فمجموعة النصوص التي تظهر في أعداد مجلته قد تظهر جانباً من الخطاب القروسطي، لكنها بالتأكيد لا تمثل فكرة العصور الوسطى التي أسسها الآثاريون السابقون، ولا حتى الجمهور المعاصر له.
لقد جمع فارينفال في تصوره بين الحياة الواقعية للشعب، والنموذج الجرماني العلمي لفقه اللغة، وقد تمت مأسسة هذا النموذج عن طريق مثل تلك الجمعيات الأهلية بالإضافة إلى الجامعات الرسمية في البلاد، ومن خلال هذا التصور ظهر موقف جديد رافض للجيل السابق من الآثاريين الأرستقراطيين الهواة، كما هو رافض للجيل اللاحق من سادة الأدبية الانطباعية. ونتيجة لذلك ظلت النصوص الرومانسية التي لا تتناسب ومفهوم الرومانسية الموروث من الجيل السابق محمية من النقد والتشريح، وفي الوقت ذاته غيرت النصوص الأدبية القروسطية التي جمعها فارينفال، والتي كانت برأيه تمثل الهوية الإنجليزية الحقة؛ لما تعكسه من تجارب العامة من النساء والرجال، قواعد دراسة الأدب الإنجليزي القروسطي، وبذلك أصبحت الرومانسية عن غير قصد ممثلاً للشخصية الوطنية الإنجليزية.
ظهر بعد تلك الفترة بقليل كتاب مهم حول الأدب الرومانسي شكل مرجعاً أساسياً لعدد كبير من الباحثين، وهو االرومانسية والملحمةلمؤلفه كير W.P.ker (1855-1923)، وفي هذا الكتاب تم استبعاد النصوص الرومانسية الإنجليزية القروسطية الأولى منذ البداية، حيث يقول الكاتب: الم يتعرض أحد لمجموعة كبيرة من النصوص الرومانسية الإنجليزية الأولى من قبل.
وبالنسبة لكير فإن الميثولوجيا القروسطية تنضوي داخل الملاحم، أما الرومانسية فهي محاكاة من الدرجة الثانية لقوة الملحمة التي تمثل الأدب في فترة زمنية سابقة، حين سادت البطولات قبل أن تظهر الفروسية،
تحمل تشبيهات كير واللغة التي يستخدمها في الحديث عن الرومانسية الكثير من المواقف الواضحة، فهو يقول إن الرومانسية: اغالباً ما تحمل الروعة والخيلاء، اومهما حملت الملحمة من معانٍ فهي تعكس بعض الصلابة والثبات، أما الرومانسية فتفقد كل معانيها إذ افتقرت إلى الغموض والخيالب. يحاول كير أن يبتعد عن القطبية الواضحة في تمركزه خلف الملحمة مقابل الرومانسية، ولكنه يفعل ذلك بطريقة ساخرة، حيث يقول اإن الصليبيين فقدوا أسلوبهم البسيط, والرصين الذي تميزوا بهب، وهو هنا يقارن بين الاستراتيجيات العسكرية, والأشكال الأدبية، ويضيف اإن طريقتهم الفروسية في القتال قد تؤدي إلى اتهامهم بالتطرف والهمجية مقارنة برجال الأعمال في المدن مثلما حدث مع المستوطنين في أيسلنداب. تبدو هناك أفكار فكتورية واضحة خلف هذه التشبيهات والصور، إذ كانت الرومانسية توصف بأنها حرب صليبية أجنبية لأنها, تبحث عن الأجنبي, وتسعى إليه، وفي النهاية يغلب موقف كير من الملحمة والرومانسية الازدواجية القروسطية في القرن الثامن عشر، التي كانت تعزز الرومانسية على حساب الملحمة، لكنه يعكس أيضاً أزمة الحضارة في إمبريالية القرن التاسع عشر، إذ يبدو موقف كير في تفضيله للملحمة على الرومانسية وكأنه خيال إمبريالي عسكري، لكننا إذ ما تفحصنا هذا الموقف على مستوى أعمق سنجد أنه يخفي قلقاً عميقاً حول إمكانية وجود الفضائل, والأخلاق البطولية الأولى أو الحنين إليها.
يعيد كير تعريف الرومانسية القروسطية لدى موريس على أساس التسلسل التاريخي، ورغم القاعدة الأرستقراطية لهذه الرومانسية فإن المجتمع البطولي ينحو فيها نحو المساواة التي الا تميز بين سادة وأجراءب، ويعتقد كير أن الرومانسية ما هي إلا أحد الفصول التي انتزعت الغموض, والسحر من الملحمة إلى سياق آخر، فالرومانسية ليست سياقاً أجنبياً غريباً فقط، وإنما وحشية وهمجية أيضاً، وهنا يبدو وكأن كير يستند إلى كتاب راسكن Ruskin حول عمارة مدينة البندقية.
قد يظن المرء أن الرومانسية بالنسبة إلى كير تتخذ الخصائص التي تحدث عنها أوسكار, وايلد Oscar Wilde وسواينبورني Swinburne والتي تتعارض مع خصائص الملحمة القروسطية، لكن كير يضيف مقاربة مجازية أخرى بين الرومانسية والإنتاج، إذ تبدو الرومانسية وكأنها مادة مصنّعة على أيدي منتجين محترفين وقابلة دائماً لإعادة التصنيع مرة بعد أخرى, على العكس من التطور الطبيعي للملحمة، وهو بذلك يصور الرومانسية أنها نوع من الرأسمالية المنفلتة, واللاأخلاقية في مقاربة غريبة وصادمة، فكير يحصر الرومانسية في تلك النشوة التي يتركها الشعر الرومانسي في النفوس، ويقرأ الرومانسية القروسطية وفق أنها محاولات مصطنعة, لإعادة إنتاج تلك النشوة مرة بعد أخرى.
نشر كير كتابه االرومانسية والملحمةب عام 1897 عندما كان في الثانية والأربعين من عمره في إسكتلندا، التي كانت في ذلك الوقت تسير على هدي البرنامج الثقافي للسير والتر سكوت Walter Scott، فجاء كتابه ليعكس ولاءً وتقديراً لبطولات الفروسية التي كان يتبناها سكوت, على الرغم من موقفه السلبي من الرومانسية. وفضلاً عن ذلك فإن كير كان ملتزماً بالتراث السياسي للرومانسية القروسطية، فقد كان محافظاً طوال حياته، كما أن انحيازه إلى شعر البطولات وما يظهره من قيم أخلاقية رفيعة كان يتلائم مع بعض القيم التي كان ينادي بها الاشتراكيون أمثال موريس، كما أنه يدين بتقدمه في الأدب المقارن للكاتب والباحث الفرنسي غاستون باريس Gaston Paris, مع أنه كان يرفض فكرة الرومانسية التي كان ينادي بها باريس، ويسعى إلى تأسيس نموذج جديد للأدب القروسطي باعتباره أدباً إنجليزياً نوردياً وليس فرنسياً عالمياً كما كان يدعو إليه باريس.
تواصل هذا التهميش للرومانسية حتى بدايات القرن العشرين، وانعكس بالضرورة على المواقف غير الأكاديمية للباحثين في الأدب الإنجليزي، وقد يكون الاستثناء الوحيد لهذا التهميش هو دراسة مالوري Malory حول الأدب الآرثري، حيث تحولت الأسطورة إلى عمل رومانسي.
لا بد أن نلحظ أنه, وبالتوازي مع عملية تغريب الرومانسية، أخذت العمارة القوطية تكتسب المزيد من الصفات الوطنية, أو على الأقل بعض الخصائص الغربية مع نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر، أما العمارة القروسطية والشرقية في القرن الثامن عشر -التي قد تكون إسلامية, أو من الشرق الأدنى- فكانت جزءاً من الصورة الفنية المعمارية لتلك الفترة، ولكلِّ أن يختار الأسلوب المعماري الذي يناسب مشروعه الخاص. ومع ذلك فقد ارتبطت الصورة الجمالية الفنية تلك بقيم مختلفة لكل من العمارة القوطية والشرقية، إذ ارتبطت القوطية بالجدية, والكآبة, والتاريخ المحلي. أما العمارة الشرقية فقد ارتبطت بالمتع الحسية, والغرابة (حتى وإن كان النموذج المعماري مسجداً أو معبداً), وقد كان هوريس ولبول Horac Walpole (1717-1797) وآخرون يصنفون المواضيع القروسطية والشرقية بأنها بديل لخيارات دنيوية أخرى، لكن مع ظهور بوغين A. W N. Pugin عام 1820 أخذت القوطية ترتبط بالنقاء بعد أن كانت فنوناً همجية، وبالنظام بعد أن كانت تنحو نحو الفوضى، وبالأصالة بعد أن كانت ثقافة محتجبة.
لم تكن القوطية بالضرورة بعيدة عن السياسة، فقد كان من أبرز الدعاة إلى إحياء الحركة القوطية هوريس والبول Horace Walpole، وهو ابن السير روبرت والبول الذي كان أحد أهم الوزراء في بريطانيا في القرن الثامن عشر، وقد كان قصر السير روبرت مثالاً واضحاً على الهندسة البالادية، إلاّ أنه كان أيضاً مشتركاً في الجدل القائم في ذلك الوقت حول العلاقة بين التاريخ القروسطي, ونوازع التحرر في بريطانيا.
أما المهندس المعماري وليام كنت William Kent، فقد كان من أوائل المعماريين, الذين تنبهوا إلى الأسلوب المعماري القروسطي كبديل للعمارة البالادية. وقام مع مساعده جيمس غيبس James Gibbs ببناء امعبد للحريةب عام 1741 على الطراز القوطي في ستوهاوس في ضاحية باكنغهام شاير.
ومهما كانت الصورة المعمارية الفنية, التي سادت عن الفن القوطي في أوائل القرن التاسع عشر، فقد انطبقت أيضاً على الرواية القوطية بشكل أو آخر، إذ اشترك كلاهما في مميزات تاريخية خاصة.
ساهم المعماري المميز بوغين Pugin في إحياء العمارة القوطية عبر إثارة الجدل حول السمات الشرقية والغربية فيها، وهو جدل ظل قائماً طوال القرن التاسع عشر، وبالطبع كان بوغين يقف في صف المدافعين عن الأصول الغربية للعمارة القوطية. وقد بدأ بوغين حياته المهنية في الفترة الرجينتية (نسبة إلى الملك ريجينت، الذي أصبح اسمه بعد توليه الحكم الملك جورج الرابع) وانعكست ملامح تلك الفترة على معظم تصميماته الهندسية في الكنائس والمسارح، وظهرت الرموز الدينية والتراثية واضحة في تلك التصاميم، ولاسيما المتعلقة بزخرفة الكنائس.
راجت الكثير من الممارسات الدينية المسيحية القادمة من إيطاليا بحلول عام 1840، فظهرت المواكب الدينية التي تطوف المدن بقيادة الرهبان منشدةً التراتيل الدينية باستمرار، فضلاً عن مراسيم منح البركات التي كان يقوم بها الأساقفة، أما لمسات بوغين التي تنبع من دراسته العميقة لتاريخ الطقوس، والشعائر الدينية والتي كانت تتمثل على وجه الخصوص في المذابح المزخرفة داخل الكنائس، فقد أخذت تختفي من معظم الأبرشيات.
يقول بوغين إن تفوق العمارة القوطية يرجع إلى علاقتها الوثيقة بالمواد الأولية المستعملة في البناء، وإن نظرنا إلى تصميم أي معبد إغريقي، أو روماني رخامي سنجد أن هذا التصميم لا يختلف في أسلوبه عن الأبنية الخشبية الأولى، فانتقال العمارة إلى استعمال الحجر كمادة أولية للبناء لم ينتج عنه أي تغيير في التصاميم، كما اأن أضخم المعابد الإغريقية وأجملها يشبه في تصميمه الأساسي تصميم الأكواخ الخشبية القديمة
ألاّ أنّ الأسوأ من ذلك هو أن العمارة الكلاسيكية هي نتاج اللإعجاب الأعمى بكل ما هو وثني، والإطاحة بالرموز المسيحية في الفنون والآدابب. ومما يثير الاهتمام في دفاع بوغين عن القوطية، هو دقة التعريف الذي يقدمه لأسلوب العمارة االمدببةب في إشارة للقوطية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. إن ما يميز هذا التصميم هو، أولاً: الزخرفة المركبة لهذا النموذج التي تتناسب مع الأسلوب الفكتوري الثري بالزخارف التفصيلية، وثانياً: أنه يمثل سطوة الكاثوليكية في فترة تاريخية مهمة قبل هجوم الحركات الإصلاحية، والعودة إلى العمارة االمدببةب ترمز إلى كسر التقاليد الدينية والمعمارية الأصيلة.
يقيم دفاع بوغين عن العمارة القوطية علاقة استراتيجية بين رغبته في إظهار التاريخ الكاثوليكي القروسطي بصورة نقية، والإصلاحات الأنجليكانية التي كانت تقودها جمعية كامبردج كامدين في الاتجاه ذاته. وفي ذلك الوقت، ساعد التغير التاريخي المتمثل في تغيير هنري الثامن ولاءه للكنيسة الكاثوليكية، وإنشائه الكنيسة الإنجليزية، على إعادة الاعتبار للقوطية، وتنصيبها رمزاً للمؤسسة الإنجليكانية، كما سمح هذا التغيير لجمعية كامبردج كامدين والكنيسة الإنجليكانية، في الوقت ذاته، اعتبار نفسها وريثاً للكنيسة الحقة، متناسية جميع الخلافات الجذرية التي كانت بينها عبر التاريخ.
كان بوغين قد بدأ بانتقاد المساقط العمودية في العمارة القوطية المتأخرة عندما استدعاه شارلز بارى وجيمس غراهام للاشتراك معهما في تصميم البرلمانات الجديدة في إنجلترا، لكنه انضم إليها على أي حال، وربما كان نقده ذاك يستند إلى رؤية فنية جمالية، غير أنه كان يحمل أيضاً وجهة نظر عقائدية. وهكذا، أصبحت الأعمدة والمساقط العمودية نماذج إنجليزية معدلة عن النموذج المعماري القوطي المتأخر، وأخذت تتكرر في العمارة الإنجليزية حتى يومنا هذا، لكنها ترتبط تاريخياً بالمشروع الإصلاحي الديني لهنري الثامن، وبالردة الدينية التي قادها بإنفصاله عن الكنيسة الكاثوليكية، مع أن بوغين لم يذكر هذا المنطق بوضوح.
وفي جميع الأحوال، كان بوغين قد قرر أن نموذج ثيودور الهندسي، الذي ساد في القرن السادس عشر قد أصبح جزءاً من الماضي، وقد وافقه على ذلك حلفاؤه في جمعية كامبردج كامدين، وبالإضافة إلى ذلك فقد قرر زملاؤه باري وغراهام اعتماد التصاميم العامودية؛ لتتناسب مع سياق العمارة الموجودة في كنيسة ويستمنستر آبي Westminster Abbey.
مما يثير الاهتمام في هذا الخطاب المضاد لعصر النهضة أنه يرتبط بالحماس الذي لقيته النهضة الإيطالية، وتأثيرها على مخططات العمارة الكنسية من طرق نيومان، وأتباعه الذين كانوا حلفاء لبوغين من قبل، لكن بوغين يقف مع حلفائه في جمعية كامبردج في خندق القوطية الفيكتورية رافضين البروتستنتية الأفنجليكية، والكنيسة الكاثوليكية الإيرلندية في ذلك الوقت. ويتعلق خطاب بوغين بمدحه الراهب سافانارولا بقوله: اهذا الشهيد البطل الذي مات دفاعاً عن الحقيقةب، كما أنه يربط بين احدائق ميديشي المليئة بالرموز الوثنية، ودور العبادة الموجودة الآن في كل مكانب وكأن دعاة الأفنجيليكية الآن ينحدرون من صلب الفساد في كاثوليكية عصر النهضة.
ويعتقد بوغين أن نجاح العمارة القوطية يعود بالأساس إلى قدرتها على إظهار روعة وغموض الإيمان الصحيح عبر المباني الشاهقة والزخارف واستعمال الزوايا التي توجه الضوء، بالإضافة إلى أصالة هذه العمارة وانتمائها إلى الثقافة المحلية اإذ لم يستلهم القوطيون أفكارهم من أي مذاهب وثنية خارجية، ولم يستعيروا زخارفهم ورموزهم من شعوب غريبة
يتحدث بوغين كذلك عن الفنون المرئية (Visual arts) بعجالة في معرض حديثه عن العمارة، وعلاقتها بالدين، ويتذمر من طلاب الفنون الذين يذهبون إلى إيطاليا؛ لدراسة الفن الكلاسيكي، أو فنون عصر النهضة، فبدلاً من ذلك اعليهم أن يتوجهوا إلى دراسة الفن الإيطالي في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، الذي يمثل قمة النقاء المسيحي، غير أن هذه الفنون تدهورت، وانحطت بعد ذلك عندما تخلت عن سموها ونقائهاب، ومع أنه يشير إلى الفنان الإيطالي رفاييل على أنه أحد رموز الفن الكاثوليكي العظام، فقد تنبأ تقريباً بتكوين الرابطة الفنية التي سميت فيما بعد اأخوية الفنون ما قبل رفاييل
وبغض النظر عن أفكار بوغين السياسية، أو العقائدية، فإنه كان ينظر إلى القوطية من زاوية هندسية واضحة، وفهم أهمية تسلسل المسافات في هذا النوع من العمارة، والعلاقة بين الإنسان والفضاء الذي يتحرك فيه، بالإضافة إلى الزخارف والنماذج التي كانت مفصّلة في القرن الثامن عشر، والتي نفذها هو شخصياً في عدد من المباني التي صممها. أما دفاعه عن قوطية القرن الثالث عشر؛ لما فيها من سمو ونقاء ديني، ومنطقية في البناء، فقد أكسبه مكانة خاصة في نظريات الهندسة الحديثة، حين احتلت العمارة القوطية مكانة مهمة بما تميزت به من وضوح في بنيتها التركيبية. وفضلاً عن ذلك، فقد ترك بوغين أثراً واضحاً على تاريخ العمارة الإنجليزية؛ لما قدمه من دراسات مهمة حول تصنيف أنواع المباني، ولاسيما في العمارة القوطية، ودعوته لوضع برنامج متكامل وشامل للعمارة في إنجلترا.
لقد عرَّف بوغين القوطية أنها تعبير عن المجتمع التقليدي، ورمز للثقافة والدين، معززاً في جوانب عدة القيم الاستبدادية التي كان يؤمن بها الجيل السابق من المعماريين الذين عملوا على إحياء القوطية، وظلت وجهة النظر تلك قائمة لزمن طويل حتى جاء موريس، وأعاد قراءة الأسلوب القروسطي بما يتناسب مع رؤية المجتمع الجديد الذي يدعو إلى المساواة، متحدياً بذلك مواقف كارليل وراسكن المحافظة.
بدت الصورة مختلفة قليلاً في فرنسا، فبحلول عام 1850، كان يوجين إيمانويل فايوليت لا دو، وجون بابتيست لاسو Eugene-Emmanuel Viollet –le-Duc, Jean – Bapliste Lassus يبرران الترميمات التي قاما بها للمعالم القوطية في فرنسا، بأنها معالم ترتبط بالقرن الثامن عشر الذي اُشتهر بالكاتيدرائيات العظيمة المبنية في المدن الفرنسية، التي كانت قد تحررت من النظام الإقطاعي، وهنا يقدم فايوليت لادو ولاسو صورة مغايرة للقوطية تميزها بنية معقدة، ومنطق رياضي محكم، ولقد حافظت هذه على تماسكها إلى اليوم، وتبلورت بوضوح في كتاب بانوفسكي Panofsky االعمارة القوطية والفلسفة المدرسية Gothic Architecture and Scholasticismب.
وهنا لا بد أن نشير إلى أن التركيز على موضوع التطور المعماري القوطي وما يعكسه من ثقافة متقدمة كان رداً على بعض الآراء، والاتهامات التي وُجهت إلى العمارة القوطية أنها تعكس حالةً من التدهور في تركيبة المجتمع، وأن هذه العمارة اهي أقرب ما تكون إلى الأشكال المعمارية التي تبنيها الحيوانات بدافع الغريزة مثل حيوان القندس
وهكذا كانت حركة إحياء القوطية في فرنسا تستند إلى سياق اجتماعي مختلف تماماً عن السياق الإنجليزي الديني، الذي قامت عليه هذه الحركة في إنجلترا، فبدلاً من اعتبار القوطية بديلاً للمذهب العلمي، والتقدم الصناعي، والرأسمالية، أشار فيوليت لا دو وزملاؤه إلى القرون الوسطى وعمارتها، وما تنضوي عليه هذه العمارة من احترام للعمل والعامل أنها مصدر إلهام للروح الفرنسية الحرة التي تحمل شعلة العلم والعمل.
كان للعمارة الألمانية كذلك دور مهم في حركة إحياء العمارة القوطية من خلال تراكيب جديدة تضم أسلوب الكلاسيكية الجديدة، بالإضافة إلى مواضيع وتقنيات قوطية.
سادت قراءة راسكن للقوطية منذ أواسط القرن التاسع عشر، وأصبحت هذه القراءة هي المنظور الذي يرى الآخرون القوطية بواسطته، وقد تجلى في كتاب راسكن احجارة فينيسيا The Stones of Veniceب الذي يؤرخ فيه للعمارة في مدينة البندقية التي طالما كانت منفتحة على الشرق، وفيها نجد اندماجاً بين العمارة القوطية والإسلامية، ليظهر أسلوب مختلف تطور من خلال اتصال هذه المدينة بالعالم الإسلامي إما عن طريق الاحتلال، أو حتى بطريق التلاقح الثقافي عبر التبادل التجاري. ويستخدم راسكن في كتابه صوراً مختلفة لوصف هذه التركيبة المعمارية: ايبدو لهب البركان العربي واضحاً في سماء منطقة الشمال، وحتى بعد أن خمد هذا البركان، فلايزال أثره واضحاً في العمارة القوطية في هذا المكانب.
يُبدي راسكن بعض التعاطف مع التأثير الإسلامي في كتابه احجارة فينيسياب، إلا أن موقفه تغير بحلول عام 1850؛ لتصبح الأساليب المعمارية الإسلامية مجرد تفاصيل هامشية، وتتحول العمارة الإسلامية والقوطية إلى قطبين متنافرين بعد أن كانتا مندمجتين في كتابه احجارة فينيسياب. ويبدو ذلك واضحاً في مناقشته موضوع الزخارف المعمارية حيث يقول:
اكل تلك الزخارف الوحشية الفجة ظهرت نتيجة التأثر ببعض الأمم المتوحشة مثل الموريسكيين والهنود والصينيين والأيسلنديين وهكذاب.
وهكذا تتغير أفكار راسكن من إيمان بالحتمية الجغرافية، ومحاولات للتوفيق بين الأديان والمعتقدات إلى قطبية عنصرية واضحة؛ ولذلك فمن البدهي أن نعتبر قراءة راسكن لتاريخ البندقية في تحولها عن فضائل القرون الوسطى، وسقوطها في أحضان عصر النهضة وكأنها سيرة ذاتية لراسكن، إذ انتقل إلى البندقية بعد زواجه بفترة قصيرة، وقرر تأجيل إنجاب الأطفال حتى ينتهي من كتابه حول البندقية؛ لأنه كان يعتقد أن وجود الأطفال سيتعارض مع عمله، ولعل أفضل رصد لحياة راسكن وإسقاطه مخاوفه الخاصة على مدينة البندقية يظهر في كتاب ريتشارك إيلمان الذي يؤرخ فيه لحياة عدد من العظماء اGolden Codgers: Biographical Speculationsب والذي يقارن فيه بين حياة راسكن الخاصة وقصة يوحنا المعمدان مع سالومي، ويضيف أن راسكن يصب جام غضبه على مدينة البندقية في عصر النهضة، ويصورها بأنها مثل عاهرة بابل التي شوهت نقاء القرون الوسطى وارتمت في أحضان خطايا عصر النهضة، وبذلك تكون قد خانت الفضيلة وغدرت بذاتها الأولى. أما فيما يتعلق بالتأثير الشرقي في مشروع راسكن، فقد انعكست مخاوفه عليه بالضرورة، إذ ظهر بوضوح في كتاباته الأحدث ما بين عامي 1850 -1860 أن الشرق أصبح يمثل نموذجاً للغدر والخيانة والتدهور على العكس مما ظهر في كتابات راسكن الأولى، حيث كانت العلاقة بين العمارة القروسطية، والعمارة الشرقية مثالاً للإبداع والجمالية الفنية.
مثلت العمارة البيزنطية مشكلة خاصة بالنسبة إلى نقاد العصر الفكتوري؛ لأنه فن معماري مسيحي لكنه اكتسب صفة الآثارية، وهي صفة عزرت معظم الأساليب الفنية الأخرى، غير أنها كانت صفة سلبية بالنسبة إلى العمارة البيزنطية، إذ إن الصورة التي رُسمت للفن المعماري البيزنطي تضعه في إطار الغموض، والجمود، وعدم التطور عبر العصور، وكأنه اشرقيب بصورة أو أخرى حسب مفهوم القرن التاسع عشر للحضارة ذ الذي استخدمه ماركس وإنجلز كذلك في تعريفهما االاستبداد الشرقي Oriental despotismب . وخلال القرن التاسع عشر، كان الفن المعماري البيزنطي يوصف بأنه تدهور تدريجي جرى بعد بناء المعلم المعماري المتمثل في كاتدرائية أيا صوفيا في مدينة إسطنبول، في حين وُصف الفن القوطي في المقابل بأنه يتمتع بالتنوع والتطور غير المحدود.
لا يخفى على أحد اهتمام راسكن بالعمارة البيزنطية، وبخاصة فيما يتعلق بوصفه لكاتدرائية سانت مارك، حيث يبدي عناية خاصة بعمارة هذا البناء من ناحية الأساليب المختلفة التي تظهر في هندسته، والتي انعكست في المواد المستخدمة، والموقع، والتصميم، والتفاصيل الأخرى. غير أن هذا الاهتمام كان خالياً تماماً من أي إشارات عنصرية كالتي ظهرت في كتابات راسكن ما بين عامي 1850 -1860، إذ كان يرى أن العمارة البيزنطية جزء لا يتجزأ من تطور العمارة القوطية، ويعزو ذلك إلى المرونة التي تميزت بها العمارة القوطية في التأقلم مع الظروف المستجدة، والأماكن المختلفة، وقد ظل هذا الرأي قائماً ومؤثراً في فنون العمارة وأساليبها لفترة متأخرة من القرن التاسع عشر.
انتشرت القوطية في معظم أرجاء الإمبراطورية البريطانية نظراً؛ لربطها بالهوية الإنجليزية من قبل المستعمر، وقاطني المستعمرات، بالإضافة إلى تبني جمعية كامدين، التي عُرفت لاحقاً بجمعية الإكسسيولوجين، هذا الأسلوب في العمارة، غير أن هذا الانتشار كانت له تداعيات مختلفة على بعض الفنانين والمعماريين، إذ تقول بيدك Biddick، إن مشكلة االأصالةب ظلت قائمة حتى مع انتشار القوطية على نطاق واسع، فنحن نجد أن وليام موريس William Morris يرفض بيع أعماله لمشروع إحياء العمارة القوطية، لأن هذه العمارة تفتقد بشدة إلى الأصالة، لكن بيدك تترجم ردة فعل موريس بأنها مجرد حالة فزع في مواجهة الغرابة التي تتسم بها الزخرفة القوطية. وبالنسبة إلى موريس فإن الأصالة تتطلب وجود اللمسات القروسطية قبل كل شيء، وتشير بيدك إلى محاضرة ألقاها موريس عام 1881 وكرر فيها قناعاته بأهمية الحرفية القروسطية حيث يقول: اأنا على يقين أن جميع علوم العصر الحديث والأفكار والفلسفات الموجودة الآن لا يمكن أن تضاهي في مجملها حرفية وبراعة أي فلاح جاهل من بيركشاير أو راع هندي متجول بثياب رثة في القرن الرابع عشرب.
يتمتع راسكن بتأثير كبير في فن العمارة؛ نظراً لأبحاثه العميقة حول القرون الوسطى والمقاربات وأساليب القياس والتمثيل التي يستخدمها للدفاع عن تلك الفترة المفضلة لديه، إذ إن مقاله الشهير اافتتاح القصر البلوري The opening of the crystal palaceب لم يظهر ترحيباً بالمعرض التجاري عام 1851، بل تعقيباً على نقل القصر البلوري إلى سايدنام حيث بقي حتى عام 1936 .
في الواقع، لم يكن موضوع القصر البلوري إلا أداة يستطيع راسكن من خلالها التعليق على العديد من الأعمال الفنية، وينتقل بعدها إلى وصف المعالم القوطية عموماً وبخاصة في فرنسا، حيث كانت تجري عمليات ترميم ضخمة لهذه المعالم. وقد كان راسكين يعترض على عمليات الترميم المفصلة لبعض الكنائس والمباني العامة، ومع أنه يظهر تقديراً واضحاً للعمل الجاد والحرفية الواضحة في ترميم مناطق مثل شارتر وروان في فرنسا، فقد كان ينتقد محاولات الوصول بهذه المباني إلى الكمال وتحري الدقة المبالغ فيها، إذ يفضل راسكين الحالة الأصلية للمباني حتى لو كانت شبه مدمرة، فهي تعكس خبرة الأيدي التي شاركت في بنائها، وحالة سكانها الأوائل، أي ما كانت عليه القوطية فعلاً لا ما يجب أن تكون عليه، فهذه المباني حسب رأيه لا بد أن تحتفظ بأصالتها، حتى إن بقيت منها أجزاء بسيطة، إذ إن هذه الأجزاء البسيطة هي الشاهد الحي على عراقة هذه المباني، وجمال ماضيها، أما ما يحدث الآن فهو أشبه بمحاولات جراح ماهر يحاول تقليد وجه الماضي بحرفية ودقة، ولكن دون إضفاء روح حقيقية على الوجه الجديد.
يقارن راسكين بعض المعالم القوطية التي تم ترميمها بمعالم أخرى قديمة بقيت على حالها، مستخدماً لغة خطابه السابق حول وحشية العمارة القوطية، ايا لها من حقيقة مؤلمة، أن تصبح مهابة المباني القديمة، والأساليب المعمارية الأصلية عاملاً منفراً لمعظم الأوروبيين، يحاولون تجنبه أو تجميلهب (مقالة افتتاح القصر البلوري، 15، وهكذا يضع راسكين القوطية الأصيلة الرصينة في مقابل القوطية الجديدة المرممة التي توفر المتعة للناظرين، إنها خطوة في مسيرة تحول القوطية إلى البروتستنتية خلال القرن التاسع عشر، ويختلف هذا عن وجهة نظر بوغين الذي كان يرى في القوطية تعبيراً عن الكاثوليكية الحقة.
يُظهر هذا الإحساس العميق بالازدراء نحو الترميمات، والتعديلات التي تجري على المباني القوطية شعوراً بأن للقوطية قوة جسدية مادية تحاول الترميمات الجديدة إخفاءها، وبالإضافة إلى ذلك، فإن راسكين يصل في نقده إلى التطور المدني، وأثره على حركة البناء والاستهلاك والتحولات المدنية الأخرى:
اتنصب جهود الطبقة العليا في المجتمع الأوروبي على تحويل مناطق العالم إلى ما يشبه قصر الإليزيه في باريس قدر الإمكان... فنادق ضخمة وصفوف من المنازل الكبيرة ذات النوافذ المربعة، التي تحجب كلها جمال المباني الأثرية القديمة في المدن الأوروبية المختلفة في فرنسا وإيطاليا، بينما تمتد المنتزهات الواسعة تتخللها النوافير والتماثيل المتناثرة هنا وهناك، أما الشوارع الرئيسية فتشق طريقها حيثما اتفق غير عابئة بتدمير معالم تاريخية مهمة، فالأهم أن تُظهر هذه المدن بهاءها وعظمتها الحديثةب.
ويستمر راسكن في إظهار حزنه على العمارة القوطية الأصيلة بتشبيهها بالرجل العاري الفقير، الذي يخجل الجميع منه، ويريدون إخفاءه عن العيون، ومع ذلك فهو أصيل، وصادق، ويحاول دائماً الصمود، ويستغيث بنا؛ لإنقاذه، ويصور راسكن كل ذلك بوصف دقيق مؤثر يحمل الكثير من العاطفة والانحياز:
اماذا يحدث لو أن قاعة كبيرة في قلب لندن تستضيف حفلة عشاء راقصة مهيبة حيث يجتمع فيها القوم على موائد تحفل بألوان الطعام والشراب، ثم فجأة ينشق باب القاعة؛ لتدخل مجموعة من الجياع العراة، والبؤساء إلى هذا الحفل، ويرتمون على أرضية القاعة يستجدون بعض الفتات مما تجود به أيدي المحسنين، فهل يمكن أن نمنحهم نظرة عطف وشفقة؟ب.
ويتعاطف راسكين هنا مع اجسدب القوطية الواهن الجائع، وبذلك يقلب الصورة السابقة حول القوطية بأنها وحشية، وغير إنسانية مؤسساً لبدايات نقد المدنية الحديثة.
لم تقتصر تبعات العلاقة بين الذاتية الذكورية في القرن التاسع عشر والرومانسية على حياة راكسين الخاصة وتوجهاته الفنية فقط، ففكرة عبء الرجل الأبيض، والعقبات التي واجهت بريطانيا في الحفاظ على الإمبراطورية الواسعة بما يتضمنه ذلك من خسائر عسكرية متلاحقة، كانت تنضوي تحت لواء السرد الطبيعي لفكرة معاناة حراس الكأس المقدسة Holy Grail، ولاسيما أن فكرة الكأس المقدسة خرجت من إطارها الكاثوليكي الديني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ لتصبح نموذجاً للسلوك العسكري، والمدني في المستعمرات، وفيما بعد اندمج هذا النموذج مع نموذج الحروب الصليبية التي ظهر إخفاقها خارج أوروبا؛ ليشكلا معاً إطاراً لصورة الإنجليزي المعزول في الشرق.
وكما يقول بارسويسكي Barczewski: القد قدم نموذج البحث عن الكأس المقدسة صورة مزدوجة للثقافة البريطانية الإمبريالية في أواخر القرن التاسع عشر، جمعت بين ثقة عالية في النفس خارجياً، أما داخلياً فقد كانت ثقافة يمزقها الشك، وتزعزع اليقينب، وظل هذا النموذج محتفظاً بقوته الإيديولوجية بالإضافة لدوره في تأسيس الذات، والذاكرة خلال الحرب العالمية الأولى كما يوضح فرانتزين Frantzen .
لقد كرس كتاب اأعمدة الحكمة السبعةب لمؤلفه تي إي لورنس T.E Lawrence، بالإضافة إلى شخصية لورنس التي أبرزتها وسائل الإعلام، وضخمتها كبطل رومانسي، صورة الغرب البطولية في محاولاته لقيادة الشرق وتحديد مصيره.
لكن هذه الشخصية البطولية الرومانسية أخفقت إخفاقاً ذريعاً، وهو ما صوره لورنس ذاته في سرده حول التضحيات التي قدمها، والصعوبات التي لقيها في أثناء رحلته في الشرق، ومحاولته تكوين الجيوش التي ستحارب؛ لتقرير مصيرها، غير أن جميع مخططاته فشلت تحت ضغط المخططات الإمبريالية البريطانية والفرنسية التي كانت تسعى؛ لاقتسام المنطقة، وهكذا يتحول لورنس إلى شخص مجهول في سلاح الجو، ويغير اسمه حتى لا يتعرف إليه أحد، متمثلاً في صورة بطل من أبطال التراجيديا المأساوية، لكن إرفنغ هاو Irving Howe يقرأ شخصية لورنس بأنها تمثل إخفاق البطولات في القرن العشرين، لكنها لا يمكن أن تقترب من فكرة البطولة إلا عبر الإخفاق في النهاية.
أما جون ماك، فيشير في عرضه المميز للسيرة الذاتية للورنس بأن حياة الأخير السرية، وعائلته غير الشرعية، التي طالما استخدمها أعداؤه للتعريض بآراءه السياسية، جعلت منه في الواقع ضحية لقوى سياسية كبرى، ودوافع داخلية متضاربة.
وبالنسبة إلى ردة الفعل العربية تجاه تاريخ لورنس في المنطقة، فكانت تؤكد دائماً استقلالية الجيوش العربية في تلك الفترة، وهامشية الدور الذي لعبه لورنس في توحيد العرب. وفي دراسات أخرى عربية، وغربية اُعتبر لورنس عميلاً مزدوجاً، لكنه خاضع للسلطات البريطانية، وفي كتاب االاستشراقب يقارن سعيد بين لورنس في تعاطفه مع القضية العربية، والسير ريتشارد بيرتون وانغماسه العميق في دراسة الإسلام، ويعتبر لورنس نموذجاً للعميل الذي يخدم مصالح السياسة الخارجية البريطانية، لكنه في الوقت ذاته يسعى وراء أحلامه الخاصة بالاستكشاف والمغامرة.
لم يظهر تأثير الفكتورية القروسطية على منظور لورنس، وأفكاره إلا مؤخراً، مع أن من المعروف أن خبرة لورنس كعالم آثار متخصص في الآثار، والقصور الصليبية كانت القاعدة التي انطلق منها؛ لتوسيع معرفته بالجغرافية العربية، وكذلك اللغة العربية التي كان يتقنها كأهلها. يتتبع إم دي آلان M. D. Allen في كتابه االقروسطية عند لورنس العرب The medievalism of Lawrence of Arabiaب أصداء قراءات لورنس في القرون الوسطى من الملاحم، والكتابات الرومانسية إلى سير القديسين عبر كتابات لورنس الخاصة والعامة، ويسطر آلان ملاحظاته، واستنتاجاته مع نموذج سعيد للشرق المُتخيل بانياً إياها من خلال قراءات سابقة بالإضافة إلى ملاحظاته حول قراءات لورنس، وهنا لا بد أن نضيف أن هناك بعداً أدائياً تمثيلياً للفكتورية القروسطية يملي على أتباعها أن يعيدو بناء القرون الوسطى كما يتخيلونها، وبالجمع بين الذكورية المسيحية، وصورة حراس الكأس المقدسة ينشأ لدينا نموذج غامض مُتخيل للبطولة يمثله لورنس. ومن هذا المنظور كان الشرق يمثل القرون الوسطى، أو على الأقل مسرحاً للصراعات القروسطية بين الشرق والغرب في أثناء الحروب الصليبية، على أمل أن تعاد كتابة هذا التاريخ في ضوء الملاحم القروسطية، غير أن ذلك لم يحدث كذلك.
يتخذ تاريخ دراسات الأدب القروسطي شكل الصراع بين الأسطورة والتاريخ، إذ كانت أقوى الدراسات خلال الربع الأخير من القرن المنصرم تعتمد على مواقع تاريخية محددة في مقابل الدراسات التي تقوم على أفكار عاطفية خيالية عن القرون الوسطى. ومنذ بدايات الدراسات المنظمة للأدب القروسطي، كانت هذه الدراسات تؤطر إما تاريخياً، أو، أسطورياً وأحياناً كان الإطار يتسع للصورتين معاً، ولكن من المؤكد أن دراسة الأدب القروسطي بدأت بالفعل بدراسة الأساطير القروسطية، كما تزامن اختراع الرومانسية ذ إن صح التعبير- مع بدايات فكرة الأدب القروسطي، أو فكرة القروسطية في حد ذاتها.
يبدو ارتباط الرومانسية بالأسطورة واضحاً جداً في أدب القرن العشرين الحديث، وبخاصة في أعمال تي إس إليوت ومنها االأرض اليباب The waste landب، وهنا نجد أن مفهوم ارتباط الاستشراق بالقرون الوسطى الذي أُقحم في السابق على الرومانسية لا يزال موجوداً في الأدب الحديث، حيث نجد لدى إليوت Eliot، وبوند Pound، وييتس Yeats تزامناً وارتباطاً بين موضوعي الاستشراق والقرون الوسطى، كما أن هذين الموضوعين يستخدمان لنقد الحاضر في قصيدة إليوت االأرض اليباب
تستند قصيدة الأرض اليباب على قراءة أنثروبولوجية لأسطورة الكأس المقدسة، لكن الكلمات الأخيرة في القصيدة كُتبت باللغة السنسكريتية، ولا عجب في ذلك، إذ إن إليوت مثله كمثل الكثير من المثقفين في القرن التاسع عشر تعلم اللغة السنسكريتية بالإضافة إلى اللغة اللاتينية والإغريقية، أما بالنسبة إلى بوند فقد كانت اللغة الصينية هي ما قدمه في شعره، وقد يكون لنظرية االشكل المكاني ذ Spatial formب في أدب الحداثة علاقة بهذا الهوس بالقرون الوسطى، والشرق، وقد صاغ جوزيف فرانك Joseph Frank مفهوم االشكل المكانيب في الأدب الحديث؛ ليصف حالة عودة الحداثيين إلى الأسطورة هروباً من التاريخ، إذ يقلب الحداثيون حدود الزمان والمكان، ويؤكدون البعد المكاني للغة بدلاً من بعدها الزمني الطبيعي، مما يخلق ردة زمنية بالعودة إلى الماضي بعيداً عن تعقيدات الحاضر وضوضائه، التي يرون فيها تشوشاً غير محتمل، وما استدعاء الماضي في صورة العصور الوسطى، والشرق إلا أحد جوانب هذه الردة الزمانية.
ولد هذا المدخل إلى الرومانسية في امدرسة كامبردجب؛ لدراسة الدراما الإغريقية، التي ازدهرت في بدايات القرن العشرين، وتأثرت بدراسة فرايزر Frazer الشهيرة حول الأساطير والأديان: االغصن الذهبي The Golden Boughب.
وقد قام هذا المشروع على أسس أنثروبولوجية من جهة، وطقوسية من جهة أخرى، وبرعاية آر إس لوميس R. S. Loomis ومعاونيه الذين عملوا بشكل أساسي على النصوص الآرثرية، وما يهمنا في مشروع لوميس بالنسبة إلى موضوعنا أنه استطاع التعبير عن أحلام الرومانسية والرومانسية الجديدة بأدوات الأكاديمية القروسطية الحرفية اإن التفكير في الرومانسية، القروسطية هو بمثابة النظر من خلال نافذة سحرية إلى بحر هائج محفوف بالمخاطر
تنبع أهمية لوميس جزئياً من كونه استطاع أن يرد معظم النصوص الآرثرية الرومانسية إلى أصولها وصولاً إلى الأسطورة السلتية، فلم يسبقه الى ذلك أحد، إذ أرجع لوميس سلسلة التداعيات المحتملة إلى مصدرها بدلاً من تجاهلها، مُصنفاً بذلك التداعيات الحرة للباحثين السابقين ضمن علم اللغة، والتاريخ الأدبي، وحاصراً الأسطورة السلتية في التراث الأدبي، ولتحقيق ذلك قام لوميس بتحرير عدد كبير من ترجمات النصوص القروسطية بما فيها نصوص لا تمت بصلة للآرثرية. وبالنسبة إلى لوميس، فإن قوة النص الأدبي سواءً كان رومانسياً أو غير ذلك، لا تكمن فقط في لغة النص؛ لذلك فقد جمع بين الأنثروبولوجيا والتاريخ الأدبي رغم جميع الانتقادات الموجهة إليه.
حرضت محاولات لوميس ورفاقه -في إرجاع النصوص الآثارية إلى جذور بريطانية- المؤسسة الآرثرية الفرنسية ضدهم، فقد كانت هذه المؤسسة تكافح من أجل تهميش الدراسات الآرثرية الأنجلو-أمريكية، غير أن ولع لوميس بقضية الأصول، والمصادر كان قد بدأ يخفت أيضاً بعد ظهور مدارس نقدية جديدة تهتم بالنصوص المنفردة دون الرجوع إلى أصولها، وتركز بحثها على الأثر الذي تتركه اللغة المستعملة في أشكال أدبية محددة مثل الرومانسية. بالنسبة إلى هدفنا من هذا البحث، فليس التعارض بين النظرية السلتية والنظرية الأوروبية هو الأساس، بل هو التعارض بين أحد أشكال نقد الأسطورة الذي ظهر لاحقاً ممثلاً في كتاب االشعر الإنجليزي القروسطي Medieveal English Poetry لمؤلفه جون سبيرز John Speirs، وسي إس لويس C.S. Lewis وهو مؤلف عدد من الروايات الأسطورية أو الرومانسية.
يحاول سبيرز أن يبعث نظرية فريزر الأنثروبولوجية ويعقلنها عبر تأكيد الهوية الإنجليزية، وتراثها، ولذلك فهو يعتقد أن شوسر Chaucer ارتبط بصورة أكبر بالقارة الأوروبية عموماً، وبالإبداع الأدبي الواعي، أما بقية الأعمال القروسطية فهي تمثل امتداداً للأسطورة فيما قبل المسيحية، ويعتبر أعمالاً مثل اسير غواين والفارس الأخضر Sir Gawain and the green knightب مجسدة لتلك الأساطير البدائية حول الصراع بين الشتاء والربيع مثلاً، ويقول سبيرز إن الصور الأسطورية في هذه الأعمال هي ما يمنح اللغة القوة التي نستشعرها عند قراءتها، ويضيف سبيرز أن أعمال لوميس والآخرين لها أهمية خاصة، ولكنها لا تمثل نقداً أدبياً. أما سي إس لويس C.S Lewis فيتطرق في بداية مقاله النقدي إلى لوميس، غير أنه يصب اهتمامه على سبيرز ومحاولاته تأطير الأدب القروسطي داخل إطار الوثنية، إلاّ أن هذا الهجوم لم يكن يستند إلى أهمية اللغة الأدبية في الاتجاهات النقدية الحديثة، وإنما على طبيعة الرومانسية كجنس أدبي يقدمه المؤلفون لقراء يتجاوبون مباشرة مع قوة السرد:
ايخلق كُتَّاب الرومانسية عالماً غريباً، يحتمل كل شيء فيه تفسيرات مختلفة، ويحمل أبعاداً تاريخياً لا يتوقعها الفارس الشارد في عالم مليء بالغابات الممتدة، والرموز التي عليه تفسيرها، والتنبؤات التي تواجهه في كل مكان. في هذا العالم، على الرجل أن يرتدي درعه دائماً في مواجهة المخاطر، وعليه أن يكون حاضراً للنزال في أي لحظة، فقد تتحول السيدة الجميلة أمامه إلى وحش مخيف، وقد تخفي القلاع خلفها أسراراً لا يعرفها، وهو ما يراه القراء حتى الآن عالماً مثيراً ونبيلاً مليئاً بالغموض والتحديات، ومع ذلك فهناك نوع آخر من القراء يظهر الآن لا يستمتع بهذا النوع من الأدب ولا يقبل بهب.
يبدو وصف لويس ممتعاً جداً، لكنه في الحقيقة يخفي بعداً مختلفاً، فهو يدافع ظاهرياً عن الرومانسية، لكنه يشير ضمنياً إلى أن القارئ الحديث (ممثلاً في سبيرز) لا يستطيع أن يستجيب لعقيدة لم تعد موجود، ولذلك فلا بد أن يستدعي مرجعية قديمة؛ لتوضيح ما هو موجود وواضح أصلاً، غير أن ما يراه لويس موجوداً وواضحاً هو بالفعل العالم الأسطوري للرومانسية، وما يعترض عليه لويس أن سبيرز يحاول أسطرة ما هو أسطوري وسحري سلفاً. وهكذا تتحول دراسة الرومانسية القروسطية من الجدل حول علاقة التاريخ بالأسطورة إلى علاقة الأسطورة بالأسطورة.
لم ينج هذا الجدل بالطبع من محاولات تسييس الأساطير، والطقوس، والفلكلور في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، فالدراسات الفلكلورية كانت دائماً شديدة الارتباط بالاتجاهات اليسارية واليمينية على حد سواء، وأحياناً كانت الدراسات الأنثروبولوجية تنحاز إلى الداروينية الاشتراكية في بدايات القرن العشرين. أما الأبحاث الرسمية النازية، فقد استخدمت الخطاب الأسطوري المسيّس لخدمة أغراضها، لدرجة أن مناصري الأسطورة الليبراليين اضطروا إلى الوقوف في موقف الدفاع، كما ثارت عدة تساؤلات في هيئة تحرير دورية اأنال Annalesب الفرنسية الشهيرة، حول نشر عدد من الأبحاث المتعلقة بالثقافة الشعبية، الذي قد يُؤخذ على الدورية كنوع من العمالة والتعاون مع النازية.
وعموماً لم تنتعش الدراسات الأسطورية، والفلكلورية، والأنثروبولوجية بعد الحرب العالمية الثانية إلا عقب حركة تطهير شاملة لهذه المؤسسة، لتحرير الدراسات النقدية الأسطورية من عبء السياسة الثقيل.
تُعد دراسة نورثروب فراي: اتشريح النقد Anatomy of Cristicismب من أهم الدراسات حول طبيعة الأدب الرومانسي في القرن العشرين، وقد أسهمت في رفع مرتبة الأدب الرومانسي، ليصبح موازياً للرواية أو الأدب الواقعي:
ايعد الأدب الرومانسي أقرب الأشكال الأدبية للأحلام الفردية، ولذلك فإن هذا الأدب يلعب دورين متناقضين في المجتمع، ففي كل عصر تحاول الطبقة الحاكمة أو المثقفة أن تسقط أفكارها بشكل من أشكال الرومانسية، فالفرسان يمثلون الفضيلة والأفكار المثالية، بينما يمثل الأشرار المخاطر والصعوبات التي يواجهها هؤلاء الأبطال الفرسان، وتلك هي الصورة العامة للرومانسية الفروسية في القرون الوسطى، والرومانسية الأرستقراطية في عصر النهضة، والرومانسية البرجوازية منذ القرن الثامن عشر والرومانسية الثورية في روسيا المعاصرة، ومع ذلك فهناك عامل بروليتاري حقيقي في الرومانسية لم يتم تجسيده بعد، ومهما كان التغيير الحاصل في المجتمع كبيراً، فإن الرومانسية لا بد أن تُطل برأسها من جديد، باحثة عن جوانب جديدة تتغذى عليها؛ لأن الصفات الطفولية المصاحبة للرومانسية والمتمثلة في الحنين والبحث الدائم عن زمن ذهبي مُتخيل ستبقى حاضرة دائماً، وحسب علمي لم يكن هناك أي عصر محدد للأدب الإنجليزي القوطي، ومع ذلك فإن حركة إحياء القوطية امتدت فترة تاريخية طويلة منذ عصر بايولف Beowulf حتى يومنا هذاب.
لا يمكن لأحد أن يتهم فراي بالسذاجة أو السطحية، ومع ذلك فإن الصورة التي يرسمها للقرون الوسطى في مقاله تُظهر شيئاً منهما، إذ ينتهي فراي في كتابه الرائع هذا إلى تكوين صيغة عامة للرومانسية دون الاهتمام بالنماذج الخاصة داخل هذه الصبغة، وقد يكون ذلك مقبولاً في الأسلوب النقدي عموماً، لكن فراي يبدو مهتماً بتحديد رومانسية خاصة وخارقة تكون نموذجاً يحتذى لدى كتاب الرومانسية، ويظهر هذا التوجه بوضوح في أعماله اللاحقة، فبينما ينتقد فراي بشدة وهم إحياء القوطية بما فيه من حنين إلى شكل أدبي مثالي لم يوجد إلا في النصوص القوطية، يصل هو ذاته إلى بناء وهم مماثل حين يعترف بالمكونات الاجتماعية للرومانسية واعياً أبعادها، لكنه ينتقل فجأة في نقده إلى المثالية الرومانسية المتدفقة دائماً. وبذلك يحاكي عمل فراي الشكل الرومانسي ذاته من ناحية الانتقال من مغامرة إلى أخرى دون تحديد واضح للعلاقة بين كلِّ تلك المغامرات.
هناك جانب إيجابي على الأقل لاحتفاء فراي بالأسطورة في كتابه اتشريح النقدب، وهو أن هذا الاحتفاء يحرر نقد الأسطورة من تداعياته السياسية والاجتماعية، وقد نجح فراي في ذلك؛ لاعتماده على الارتباط التقليدي بين الرومانسية والأسطورة، فعندما يدافع عن الرومانسية كشكل أدبي مهم، فإنه يحرر نقد الأسطورة؛ لتصبح الرومانسية وما فيها من أساطير إحدى ركائز الموضوعات النقدية في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، بتزامن مع إعلان المفكرين والسياسيين في أمريكا الشمالية انتهاء الإيديولوجيا.
انصبت الجهود في السنوات القليلة الماضية على إعادة قروسطية القرون الوسطى، وذلك باستبدال المفهوم الرومانسي الثابت للماضي القروسطي بمفهوم أكثر ديناميكية وتعقيداً. كما تتضمن هذه الجهود تحرير الرومانسية من أسطوريتها ورومانسيتها، وقد ظهرت صورة الرومانسية القروسطية المتحررة من الأسطورة في عدد من الكتب المهمة مؤخراً مثل االرومانسية المعزولة Insular Romanceب من تأليف سوزان كرين Suzan Crane، وكتاب االأسلوبية والسرد البنيوي في الرومانسية الإنجليزية في القرون الوسطى Stylistic and Narrative Structures in Middle English Romancesب للمؤلفة سوزان ويتيغ.
تضع كرين الرومانسية الإنجليزية القروسطية ضمن إطار سياسي وثقافي إنجليزي محدد، أما ويتيغ فتنظر إلى الأنماط الرومانسية التقليدية الإنجليزية في القرون الوسطى أنها جزء من شيفرة ثقافية خاصة، لكنهما لا تدافعان عن الرومانسية بوصفها شكلاً أدبياً متفوقاً كما فعل فراي أو لويس، بل إنهما تقدمان نسخة جديدة للرومانسية القروسطية في إطارها التاريخي ضمن رؤية تفكيكية أعم وأشمل.
تقول كرين في كتابها: احتى لو كانت الطرق التي يتقاطع بها الأدب مع التاريخ مبهمة وغير واضحة، وحتى لو بدا لنا الماضي بعيد المنال، ولا نستطيع الولوج إليه إلا بصعوبة، فإن الجهود المبذولة لإعادة ربط الأدب بالتاريخ هي جهود ضرورية، وحيوية بالنسبة إلى أولئك الذين يعتقدون أن النصوص الأدبية هي نوع من التواصل الاجتماعي، الذي لعب دوراً أساسياً في حياة قراء تلك النصوص إبان ذلك الوقتب. أما لي باترسون Lee Patterson فيخصص ثلاثة فصول في كتابه امحاورة الماضي Negotiating the pastب للحديث عن الرومانسية، ويشير إلى االخصوصية النقدية التأريخية لحقبة القرون الوسطى، التي تختلف عن تأريخ أي حقبة أخرى.
قد يحار النقاد المتخصصون في فترات زمنية غير القرون الوسطى في هذا النوع من النقد الذاتي، إذ يرون أن الدراسات القروسطية تاريخية بطبيعتها، وهذه هي النقطة التي يناقشها باترسون بالضبط، إذ إن معظم المدافعين عن الرومانسية التقليدية سواءً كانوا باحثين، أو طلاباً، أو قراء يحملون مفهوماً ضمنياً للرومانسية والأدب القروسطي عموماً، وهو مفهوم يضع الرومانسية خارج سياق التاريخ ويجذب القراء للرومانسية بالأساس، غير أن هذا التصور الساذج للرومانسية يثير قلق القروسطين الجدد الذين يخشون أن يؤدي ذلك إلى طرح الأدب القروسطي خارج مجال الدراسات المنهجية المنظمة.
لقد أصبح من المتعذر الحديث عن القرون وسطى موحدة أو حتى القرون وسطى لاحقة، في ظل ما طرحه هيغل وبشكل أكبر ما طرحه بوركهات، إذ عالجت الدراسات التاريخية تاريخ أوروبا الحديث بشكل مختلف، وقدمت تصوراً آخر لما نسميه القرون الوسطى وعصر النهضة. كما قدمت دراسات مجلة آنال الفرنسية التاريخية تصوراً مختلفاً للتغيير التاريخي الذي حدث بوصفه تغييراً تدريجياً وليس مفاجئاً، وحتى التغييرات المفاجئة والسريعة كانت نتيجة تفاعلات اجتماعية، وثقافية لمدة طويلة، لكن هذا التحول في المفاهيم والتصورات التاريخية يبدو شائعاً في تاريخ المجتمعات، والأشكال الثقافية المتعددة، أما التاريخ الأدبي عموماً، وتاريخ النقد الأدبي خصوصاً فقد كان للرومانسية القروسطية فيهما مكانة مميزة، ذلك أن تقديس الرومانسية القروسطية التي تزامنت مع بدايات الأدب الرومانسي أمر لا يمكن فصله عن التوجهات النقدية للرومانسية، ومنها: تأسيس تاريخ أدبي وطني، وتكريس صورة الشاعر الرومانسي البطل والفارس، وإظهار جمالية الفترات التاريخية البدائية مقارنة بالفترات الكلاسيكية، والكلاسيكية الجديدة.
تواصل تأثير الرومانسية فيما بعد؛ ليصل إلى الرومانسية الحسية لاحقاً، بما فيها من جوانب خارقة وماورائية، وكلها جوانب تعود أصولها إلى الرومانسية القروسطية، وحتى الأدب الحديث فإنه لا يعدو أن يكون امتداداً للرومانسية، بل إن ثقافتنا ذاتها تنبع من إعجابنا بالرومانسية.
إن مفهوم العمل الأدبي المحاط بهالة من الجاذبية، التي تجعل منه خطاباً مختلفاً عن أنواع الكتابة الأخرى، هو جزء أساسي من تراث الرومانسية الحديثة تطور عن مفهوم السحر والفتنة في الرومانسية القروسطية. هناك بالطبع أساليب واتجاهات أخرى في الأدب الحديث لا تعود أصولها إلى الرومانسية، غير أن الرومانسية القروسطية كانت هي، الوسيلة التي تم من خلالها تشكيل كل هذه الأساليب، والاتجاهات لتكوين النسق الجمالي للأدب.
وهكذا يتضح أن محاولات تحرير الرومانسية من سحرها في الدراسات النقدية الحديثة المتعلقة بالرومانسية القروسطية اتخذت بعداً أعمق من مجرد الفهم الشامل للسياق التاريخي للرومانسية، وعلاقتها بالكتابات القروسطية الأخرى، وربما يُنظر إليها كجزء من سؤال أكبر حول فكرة الأدب ذاته، وهل يختلف الخطاب الأدبي بشكل جوهري عن أشكال الخطاب الأخرى.
يشير وجود عدد كبير من النصوص القروسطية، ومن ضمنها النصوص الرومانسية إلى أن تميز الخطاب الأدبي دون غيره لم يكن موجوداً في القرون الوسطى، أو أنه لم يكن قد تشكل بصورة واضحة بعد، وهنا قد نعود إلى فكرة ما قبل الأدب، ولكن من ناحية أخرى نجد أن الدراسات الثقافية الحديثة تحدد ماهية الخطاب الأدبي، وماهية النص، والسرد الضمني، وغيرها من مميزات النص الأدبي. إن هذه الهيمنة الإمبريالية على ماهية النص الأدبي تُذكرنا بالدوافع الأولى لتعريف الرومانسية القروسطية أنها نوع من أنواع الأسطورة.
وفي الوقت ذاته، عادت النظرية الغروتسكية إلى الوجود في الأدب القروسطي على وقع أعمال إم إم باختين M.M. Bakthtin، التي ترجمت إلى الإنجليزية أواخر الستينيات؛ لتنتقل بالثقافة القروسطية عموماً والأدب القروسطي خاصة من موقعهما الهامشي إلى قلب الدراسات الأكاديمية، فقد لقيت الصورة الغروتسكية للأدب القروسطي، التي تُظهره بصورة همجية ووحشية رواجاً واسعاً لدى الباحثين، وهي الصورة ذاتها التي قدمها باختين، واعتبرها جانباً عاماً من جوانب الأدب القروسطي في مماثلة تاريخية أدبية لما قدمه تولكين Tolkien في بحثه حول بايولف. غير أن الاحتفاء بهذه الصورة الجديدة للأدب القروسطي لم يخل من العقبات، كإتاحة المجال إلى عودة بعض الفرضيات التي لاحقت الدراسات الأدبية القروسطية طويلاً ومنذ نشأتها، وقد كان وراءها أصحاب المدرسة الرومانسية، وتظهر هذه التناقضات بوضوح في تاريخ الأدب القروسطي من جهة، وفي العمارة القروسطية من جهة أخرى كما أسلفنا، لكنها تطفو على السطح من جديد بطريقة مختلفة لدى باختين.
لقد تتبعنا تماثلاً مختلفاً عن التصنيف المرتبط عادة بالغروتسكية، وعلى سبيل المثال نجد في دراسة كايسر Kayser أن الغروتسكية تتطابق وتتنافر في الآن ذاته مع العظمة والسمو، وهذه بالطبع هي القطبية الرومانسية التي تُعرّف القروسطية بما فيها من تناقض، فلا يكتمل الجمال إلا بوجود لمحات القبح، كما لا تكتمل الصورة المهيبة للكاتدرائية العظيمة إلا بوجود الميزاب الناتئ على سطحها. ويقدم كايسر شرحاً إيتومولوجياً لأصول مصطلح الغروتسكية، وكيف تحول من مصطلح تقني معماري يدل على الحواف المزخرفة في البناء إلى مصطلح أدبي ظهر للمرة الأولى في أعمال مونتين Montaigne، وهو أحد أهم الكتاب الفرنسيين في عصر النهضة. والتصور الذي يقدمه كايسر، هو بالضبط ما يستهدفه باختين في بحثه المعنون ارابيليه وعالمه Rabelais and his worldب، الذي يعيد فيه تشكيل مفهوم الغروتسكية كما نعرفه الآن، وإليه يعود الفضل في إعادة قراءتنا الأدب القروسطي، لكنني أريد هنا أن ألقي الضوء على موضوع آخر له علاقة بالغروتسكية، تسبب في بعض التشويش حول فهمنا لها زمناً طويلاً.
هذا الموضوع الشائك هو القرون الوسطى عند باختين. وقد يَعجب بعضهم من طرحنا هذا الموضوع بعد أن قلنا سابقاً أن باختين له فضل كبير في فهمنا للأدب القروسطي، لكنني أقول الآن إن صورة القرون الوسطى لدى باختين تبدو ضبابية في كثير من الأحيان، ويكتنفها الغموض، وتحوي كثيراً من التناقضات التاريخية والجغرافية والثقافية.
تختلف القرون الوسطى لدى باختين في أوروبا الشرقية عنها في أوروبا الغربية فضلاً عما هي عليه في أوروبا الوسطى، وتلك نقطة سنعود إلى التعليق عليها فيما بعد، أما تعريف باختين للقرون الوسطى فلم يكن دقيقاً من الناحية التاريخية، وربما لم يكن ذلك هدف باختين بالأساس، إذ يبدو أنه وضع تعريفاً أراد من ورائه فتح حوارية جديدة للرد على التعريفات السابقة للقرون الوسطى، التي لم تكن تأخذ بعين الاعتبار القوى المتجاذبة الموجودة في تلك الفترة.
لم تكن القرون الوسطى بالنسبة إلى باختين فترة زمانية، بل حيزاً مكانياً يمكن التعبير عنه بأشكال معمارية أو مدنية مختلفة، فهي إذاً معرَّفة بأدلة مجسدة تربط بين ما هو ماثل الآن وما كان. ويتشابه مفهوم باختين للقرون الوسطى مع مفهومه للغة، فالأخيرة لديه تتكون بين نقاط ثابتة تمثل الأصل والمراد إيصاله، ثم تتغير بين هاتين النقطتين تبعاً لما يحدث في الفضاء الموجود بينهما، وهكذا فإن الأداء النهائي لا يقتصر على اللغة فقط، وإنما تشمله وتجسده كذلك إيماءات ورموز ودلائل.
تبدو المدينة القروسطية بالنسبة إلى باختين خلاف أي مدينة قروسطية أخرى في التاريخ، بل تبدو كأنها مدينة خيالية لم توجد على أرض الواقع، فهي مدينة تمثل جغرافية الثقافة، يصفها باختين بلغة الطبقة الاجتماعية، ولها قيمة مختلفة في كتاباته قبل ارابيليه وعالمهب، ففي كتاباته الأولى يعرف باختين الميتروبوليتانية Metropotilan والكوزموبوليتانية Cosmopolitan ضمن المشهد السكندري (نسبة للإسكندر المقدوني)، أنها اختلاط الشرق والغرب؛ أي اختلاط اللغات والأعراق والثقافات.
وقد تبدو هذه الدعوة للتعددية الثقافية مثيرة للاهتمام لولا أن جذورها تغوص في قضية سياسية خالصة لمعارضة الحركة القومية السلافية، التي ظهرت في القرن التاسع عشر في أوروبا الشرقية، مؤكدة وحدة الشعوب السلافية عبر ثقافتها المشتركة. ومع أن باختين يتحدث عن القرية، والمدينة القروسطية بوصفهما مسرحاً للإنتاج الثقافي، فالحقيقة أنهما موجودتان فقط في الإنتاج الثقافي وما يتبعه من تراكم نقدي دوري، كما يحدث في المهرجانات أو المعارض، وعندها تتحول المدينة القروسطية إلى ما يشبه المدينة الهيلنستية (فخر الحضارة الهيلنستية التي تمثل ذروة النفوذ اليوناني في العالم القديم، وحسب المصطلحات الأنثروبولوجية في القرن التاسع عشر التي استعملها ماركس وإنجلز، فإن باختين يصور لنا القرون الوسطى أنها عاصمة التجمع الآسيوي.
شهدت فترة نهاية القرن التاسع عشر، وهي فترة الذروة الكولونيالية بالنسبة إلى دول أوروبا الغربية، تصاعد إشكالية مفهوم الفلكلور الوطني. ففي فرنسا تمت مأسسة الدراسات القروسطية ضمن برنامج وطني أواخر القرن التاسع عشر، غير أن هذا البرنامج استثنى تماماً الآثارية البريطانية والفلكلور القروسطي البريطاني، مطوراً برنامجه التاريخي المستقل، وعندما كانت الحاجة تستدعي منظوراً أنثروبولوجيا لتفسير غرابة الآخرية الناتجة عن وجود الإمبراطورية، كانت تلك الآخرية تُعْزَى إلى التقاليد المحلية للمستعمر ذاته.
وقد عززت هذه العملية نوعاً ما - وبطريقة لا منهجية- آثارية القرن الثامن عشر التي كانت مرتبطة بالشرق، وغرائبية العالم البدائي عموماً، وهنا يمكن أن نقيم الحجة بأن بيرسي Percy وهارد Hurd ووارتن Warton اخترعوا قروناً وسطى خاصة تمثل الماضي الوطني للأمة، لكنها تتمتع بالاختلاف والتنوع في الآن ذاته.
هناك أيضاً سياق آخر لأفكار باختين يتعلق بروسيا وأوروبا الشرقية، ففي نهاية القرن التاسع عشر، وبينما كانت الطبقة الأرستقراطية تحاول تقليد الرومانسية القروسطية الجديدة الممثلة في القوطية الفرنسية والألمانية والإنجليزية، كانت طبقة الإنتلجنسيا لا تضع الرومانسية القروسطية ضمن أولوياتها في المجتمع الإقطاعي الموجود حولها، بل اتخذت القروسطية شكل هوية الكنيسة الأرثوذكسية من جهة، والفلكلور السلافي المحافظ من جهة أخرى.
كانت صورة الهوية الروسية تعاني دوماً من توق لحداثة غير مكتملة، وهو شعور رافق الثقافة الروسية منذ البداية، وكان الدافع وراء البرامج السياسية المختلفة منذ عهد بطرس الأكبر حتى عهد غورباتشوف. ومع ذلك، فإن تلك الحداثة غير المكتملة هي، تجربة حداثية في حد ذاتها لها شواهدها على الأرض من خطوط السكك الحديدية التي عبرت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وأعمدة التلغراف التي ارتفعت في كل مكان، في مفارقة واضحة بين الماضي والحاضر. يحتفي كرنفال باختين بهذه المفارقة عبر إعادة تفكيكها بقوله: إن اكتمال الحداثة يتطلب نظاماً خاصاً، غير أن مستقبل هذا النظام تهدمه ما قبل حداثة الكرنفال، وكما يقول موريس في كتابه اأخبار من اللامكانب: إن القرون الوسطى هي المستقبل، غير أن باختين يسخر من هذه الفكرة المثالية، ويؤكد استحالة وجود حداثة مكتملة، أما الكرنفال فهو الماضي المقموع، والمستقبل الثوري ضمن القرون الوسطى من جهة، أما إذا انتزع هذا الكرنفال من سياق القرون الوسطى، فإنه يتحول إلى ممثل للقروسطية في الحاضر من جهة أخرى. وهكذا فإن الغروتسكية لدى باختين تسير ضمن التراث المعروف باعتبار القروسطية نقداً للحداثة.
يقدم مارشال بيرمان Marshall Berman وصفاً مهماً لتجربة الحداثة في كتابه اكل ما هو متماسك يتبخر في الهواء: تجربة الحداثة All that is Solid Melts Into Air: The Experience of Modernityب، فهو يعد التحول الدائم الذي يتخلله التمدن، وبناء المجتمع الصناعي والاقتصاد الرأسمالي، هو النموذج الأول لتعريف تجربة الحداثة، ومع ذلك فلا يمكننا الفصل بين هذه الخطوة، وحالة الحنين المجتمعية نحو مجتمع اشتراكي مُتخيل تمثله القرون الوسطى عادة. أما سي إس لويس، فيؤكد أن الفرق بين القرون الوسطى والعالم الحديث يتجلى بحلول الثورة الصناعية وما صاحبها من افتراض أن كل شيء مؤقت ويمكن استبداله سريعاً.
يتضح لنا أنه في عدد كبير من الفرضيات المتعلقة بالقرون الوسطى راديكالية كانت أو تقليدية، فإنها تطرح جميعاً قضية أزلية القرون الوسطى في مقابل التغيير المستمر في الحداثة. يمكننا أن ننظر إلى قروسطية باختين كذلك من خلال إطار الدراسات القروسطية الروسية، ولاسيما السوفيتية منها، إذ أكدت الرواية الرسمية السوفيتية حول العهد الإقطاعي منذ الثلاثينيات استبعاد التاريخ الاجتماعي، والتشديد فقط على الحالة الفلاحية، غير أن الفترة التي سبقت الثورة وتبعتها مباشرة شهدت محاولات نقدية أدبية لاستخدام أدوات تاريخية للتنبؤ بالتطورات اللاحقة، فقد عمل عدد من الباحثين بطرق جديدة تستلهم منهجية مجلة أنال للدراسات التاريخية، لتعريف العقلية السائدة في تلك الفترة، غير أن هذه الطرق والمنهجيات ظلت تراوح مكانها طوال الفترة ما بين الثلاثينيات والستينيات من القرن العشرين حتى وصول خرتشوف إلى الحكم في الاتحاد السوفيتي، حين عادت تلك الطرق لتزدهر من جديد، وهنا بدأت مدرسة تارتو Tartu السيميائية بتثبيت أقدامها كذلك.
ومع أن سيميائية تارتو تختلف مع باختين في بعض كتاباته حول اللغويات، فإنها واصلت ما بدأه باختين في أبحاثه، وانضم إليها كذلك أعظم الباحثين القروسطيين الروس آرون غورفيتش Aron Gurevich على الرغم من أن أفكار آرون حول القروسطية كانت أقل صداماً من أفكار باختين.
في النهاية، لا بد أن نعترف بأن خير استفادة من أفكار باختين، لا تتأتى بالضرورة من تطبيقها تطبيقاً مباشراً على النصوص الأدبية، وإنما من استلهام نظرياته وتطبيقاتها في مجالات التاريخ والأنثروبولوجيا والدراسات الكولونيالية وما بعدها، لكننا نأمل أن يكون التحليل الذي عرضناه مفيداً في بعض جوانبه؛ لإلقاء بعض الضوء على صورة القرون الوسطى لدى باختين وموقفه النظري منها، الذي يفتح آفاقاً جديدة ربما لم تكن مستكشفة بعد في هذا المجال.