الأربعاء 2 يناير 2013 / 06:25
لا تبدو الكتابة بالنسبة للروائي المصري محمد عبد النبي عملا عاديا، بل هي مشروع حياة، يعمل عليه في محبة وتؤدة وصمت. يكتب القصة والرواية ويترجم نصوصا، ويشرف على ورشة للتدريب على الكتابة، وحصد عددا كبيرا من الجوائز، يعتبر أن خط الكتابة مواز لخط العمر.
صدر له عدة أعمال منها "شبح تشيخوف"، "بعد أن يخرج الأمير للصيد"، "أطياف حبيسة"، "وردة للخونة"، أما روايته الأخيرة "رجوع الشيخ"، فقد وصل بها إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2012.
وتدور الرواية، التي لقيت استحسان النقاد، حول شخصية أحمد رجائي الشيخ يستعيد صباه ومحطات حياته كلها من خلال كتابته لروايته الأولى والأخيرة
24 التقته وكان الحوار الآتي.
* تتماس روايتك، مع ما يطلق عليه البعض "روايات المثقفين"، خاصة أن بطلها مثقف يكتب رواية، ألا ترى أن هذه النوعية من الكتابة تبدو نخبوية قليلا؟
ـ قد يكون هذا صحيحاً، فهي رواية تدور في الأساس حول كتابة الروايات تحديداً ومن هو الروائي، هذا سؤال أساسي تتم الإجابة عنه بتعريفات مختلفة للروائي خلال صفحاتها. حينما اكتشفت شخصية أحمد رجائي، كنتُ أعلم تماماً أنه نمط جاهز تمت كتابته كثيراً، ولذلك كان عليّ أن أحاول الخروج به من أسر تلك الصورة الجاهزة وإعادة إنتاجه، بما يتيح لي طرح أسئلتي الخاصة حول الكتابة والعزلة وسجن الذات. لا أخشى مما يسمى بالكتابة النخبوية، ومع هذا كنت حريصاً على أن أقدم للقارئ حكاية (أو ربما حكايات صغيرة) إنسانية ومشوقة طوال خط الرواية جنباً إلى جنب هواجس وتساؤلات أحمد رجائي.
*صدرت لك روايتان، لماذا تعتبر "رجوع الشيخ" روايتك الأولى؟
- لأن الرواية الأولى (أطياف حبيسة) لم تكن أكثر من قصة طويلة، وتمرين كتابة للتدرب على النَفَس الطويل نسبياً، ولم أعد أراها معبرة عني حتى في تلك المرحلة (أيام الجامعة)، أضف إلى ذلك أنها لم تنشر إلا في نطاق ضيق للغاية ولم تطرح للبيع أو توزع على المكتبات، وهذا من "ستر ربنا". كنتُ متأثراً فيها على مستوى الشكل بكتابات إدوار الخراط السردية، فاستعنت ببعض تقنياته دون مواربة. أعتبر أن الكتب التي ما تزال تعبر عني هي: وردة للخونة (قصص) وبعد أن يخرج الأمير للصيد (متتالية قصصية).
*تفضل دوما الخروج من البنى التقليدية للسرد، ما مقدار التجريب الذي يجب على الكاتب اتباعه؟
- صحيح، من ناحية أعتقد أن الحكاية بصورتها التقليدية لم تستنفد بعد جميع إمكاناتها وقد لا تستنفدها، ومع هذا فإن طرق حكيها هي ما يجب إعادة اكتشافه واللعب به دائماً وأبداً. ليست هناك جرعة مسموح بها من التجريب، وبالتالي فلا نصيحة هنا من أي نوع، أميل إلى أن كل نص تجربة ومغامرة من نوع مختلف، وبالتالي تفرض التجربة نفسها حداً واضحاً في اللعب والتجريب، فيرجع هذا لعشرات الأسباب والظروف، مثل مساحة النص نفسه، موضوعه.
*تبدو مغرما بالتناص في نصوصك، أو ما سماه البعض "معارضات قصصية" في مواضع أخرى، لماذا؟
- أؤمن أن كل كتابة هي نوع من إعادة الكتابة، فلا نستطيع أن نتجاهل محيطا لا نهائيا من الكتابة السردية السابقة. كل فكرة مهما بدت فريدة من نوعها ستجد لها سلفاً غامضاً في موضع ما من تراث الأدب في الشرق أو في الغرب. التحاور مع هؤلاء الأسلاف القريبين أو البعيدين جزء من مغامرتي الأدبية.
*ما تزال تكتب القصة القصيرة، على الرغم من اتجاه جل كتابها إلى الرواية، هل أزمة القصة في انصراف القارئ عنها أم في كتابها الذين لم يعمدوا إلى تجديد؟
- لا أميل إلى اعتبار القصة القصيرة في مصر أو العالم في أزمة لمجرد أنها لا تباع جيداً مثل الرواية أو لقلة الجوائز الموجهة لها، وإلا لكان الشعر نفسه في أزمة كبيرة. تحوّل الرواية إلى سلعة رائجة قد يكون مهددا لها أكثر من تهديد عدم الرواج لفنون أخرى كالقصة والشعر. ما نزال نقرأ قصصا جميلة كل يوم وفي كل مكان، وبعض الكتاب الكبار مثل محمد المخزنجي والكتاب الشباب مثل محمد أبو الدهب وأنيس الرافعي من المغرب مخلصون لهذا الفن حتى اليوم. أظن أن القصة ملعب حر للتجديد والمغامرة وليست مجرد فترة تدريب للروائي الجديد. ودائماً تكون عندي مشاريع جديدة لمجموعات قصصية أود كتابتها، لأني صرت أفكر في المجموعة القصصية ككتاب متكامل.
*أصبح العالم العربي ينتظر قائمة المرشحين للبوكر ليقرأ، إلى أي مدى تكون الجوائز حكما على جودة النصوص؟
-الجوائز الأدبية تشجيع رائع، ودفعة معنوية ومادية للكاتب والناشر على السواء. لكنها لم تكن بالنسبة لي حكماً مطلقاً بجودة عمل ما، رغم فوزي في الكثير من المسابقات منذ بدايتي، لأنها لا تتجاوز كونها رأي لجنة معينة في عملك، مقارنة ببعض الأعمال الأخرى، لهذا فهي تخضع للكثير من المصادفات، مثل من هم المحكمون وما هي الأعمال الأخرى المتسابقة، إلى آخره من عوامل تجعل الجوائز الأدبية أقرب إلى اليانصيب، ومع هذا تظل فرحة كل جائزة كاملة غير منقوصة، الخوف يبدأ إذا سلمنا بأن الجوائز معيار لقيمة أدبية مضافة إلى العمل.
*تقيم ورشا لتعليم كتابة القصة، ما الذي استفدته من التجربة، وهل يمكن أن يتم "تعليم" الكتابة الأدبية؟
- تجربة ورشة "الحكاية وما فيها" للكتابة القصصية، أضافت لي الكثير إنسانيا وأدبياً، أهمه أن الكتابة لعبة يجب ممارستها بمنتهى الجدية، وأننا يمكن أن نواصل التعلم من بعضنا البعض إلى ما لا نهاية، وأنه بالدأب والمحاولة والحماس يمكن لبعض المبتدئين إنتاج نصوص تستحق القراءة. أجل يمكن تعليم بعض مبادئ الكتابة الأدبية كأي فن آخر مثل العزف على آلة موسيقية أو رقص الباليه، لكن هذا لا ينتج بالضرورة فناناً عظيماً أو كاتباً مهما، ما لم تتوافر فيه الموهبة الكبيرة والشخصية الخاصة والشغف غير المحدود.