الثلاثاء 6 نوفمبر 2018 / 08:18

التصوير الاختزالي للنساء لـ "سيندي شيرمان".. القوة الخادعة ومثل الجمال العليا

24 - الشيماء خالد

تُعنى أعمال الفنانة الأمريكية، سيندي شيرمان، بتحليل التعبير التصويري للنساء، والأفكار الاختزالية للأنثى عموماً، وكثيراً ما تدرج نفسها ضمن لقطاتها الخاصة لتظهر بشخصيات وأدوار متعددة تحلق في الفضاء ذاته، وتُعرض أخيراً في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بعض أعمالها المميزة.

وفي عملها باسم "بدون عنوان 466"، الذي يعرض في جامعة نيويورك أبوظبي، بإذن من الفنانة ومجموعة مقتنيات ديفيد روبرتس من لندن، وهي صورة ملونة، بقياس كبير (246.1 / 162.2 سم)، تستعرض شيرمان ضمن سلسلتها المعروفة "بورتريهات المجتمع"، امرأة تحيطها ركائز الوفرة والرفاه، ضمن محيط يظهر الغنى، كما لو أصبحت رموز المكانة العالية في حياتها أداة واستراتيجية في الوقت ذاته لهزم مرور السنين، وطريقة منها لفرض السلطة، وصرف انتباه الناظرين عن تلاشي المظهر الأصلي في الطبيعة البيولوجية، وحماية من هجوم القسوة والنظرات السطحية المتوقعة.





إعادة النظر
وناقش طلاب وفنانون أمس الأحد، هذا العمل، وتباينت الآراء حوله، فيقول الطالب غيدن إفيرت: "أعتبر أعمال شيرمان الوجه الأجمل والأكثر موضوعية وعمقاً في مناقشة قضايا النسوية، ومثلها يفترض أن يروج له بشكل أكبر في المنطقة، كون صورها تنتقد قيم الجمال العليا للأنثى، وتسخر من تلك التفسيرات والتشكيلات الذكورية المتغيرة دائماً، والغير عادلة على الدوام كذلك، لما يجب أن تكون عليه المرأة".

ويضيف: "أعتقد أن شيرمان تطرح قضايا عدة غير ذلك أيضاً، تتعلق بمدى السيطرة البشعة للصور المعدلة والتجارية على حياتنا، وتنادي بتعميق جدوى الأشياء والقيم، وإعادة النظر في تذوق الجمال بأنواعه".

وتقول الطالبة ناندي زول: "ما يثير احترامي وإعجابي العميق بشيرمان، هو ما نستخلصه من قوة وتفرد في كيان المرأة حين تطرحها، حتى في أكثر المواضع هشاشة أو ابتذالاً، وأعتقد أنها تحاور العالم وتعيد صياغته من خلال معطيات الأنثى بكل ما يتعلق بها، سواء كان عادلاً أم لم يكن، كما أن كشفها لسيطرة الصور في رؤى أغلب البشر، عمل خلاق ببصمة خالصة منها لا تتكرر".

شيء ما
ومن خلال الأجزاء المتجانسة ظاهرياً المتباينة بوضوح في الوقت عينه، أبدعت شيرمان في الإشارة ربما للقوة الخادعة للصور في تحديد وتوجيه مداركنا، وخاصة وبحسب هذا العمل بالذات، في موضوع المثل العليا للجمال الأنثوي.

ويقول القيم الفني، سام برودويل: "شيرمان فنانة استثنائية، تصفعك أعمالها حيناً، وتأخذ بيدك برفق حيناً آخر لتشير لك لشيء ما هناك، ربما لم يكن لكن أن تره من قبل، هذا ما يشعر به الكثيرون إزاء أعمالها".

ويضيف: "في هذا العمل بالذات هنا في أبوظبي، استقطبت شيرمان الأنظار، أو بالأحرى هذه الصورة الفوتوغرافية، حين تنظر لهذه المرأة الرفيعة أو الحذرة أو المتوجسة، هناك الكثير من الاحتمالات، هناك شيء في طريقة تعبير عينها المحدقة في الكاميرا، وذلك الخف الوردي المنزلي في قدم مغطاة بجراب سميك بلون الجلد، ما لمقصود هنا يا ترى من أمر لا يتسق ومجوهراتها وتسريحة شعرها الأبيض الملكية، وأقراطها الذهبية الكبيرة ووقفتها الفخور؟، تبدو وكأنها توجه سؤالاً للمشاهد، كيف تراني حقاً، ويكمن غموض ما في مشهدها وكأن ما تخفيه لا متناهي، لكن يوشك على الانبثاق من هدوء واتزان ورزانة حركة الجسد المسربل بالثياب الفضفاضة المزخرفة".

ممددة على الأرض
وتركز شيرمان في صورها على تعبير الوجه، من خلال استخدام الماكياج المبتذل الذي يظهر بصورة عدائية ودائماً تحددت الشفاه لتعكس ابتسامة مبهمة وغامضة.

وتعد شيرمان أحد كبار ممثلي فن التصوير الفوتوغرافي في العالم وتعد أعمالها الأكثر مبيعاً في هذا المجال، كما تعتبر لوحاتها الأغلى سعراً حيث تم بيع إحدى صورها التي تظهر فيها الفنانة ممددة على الأرض في وضع بائس مجسدة المرأة الحزينة، حيث بيعت في مزاد علني بحوالي ثلاثة ملايين يورو ضمن مجموعة من الصور تحت عنوان " لقطات فيلم بلا عنوان".

وفي مجموعة أخرى كاملة لشخصيات نسائية متعددة كتلك التي نراها في الأفلام السينمائية، فنجد المرأة الهاربة من المجتمع وربة المنزل الملولة والعاهرات ومصففة الشعر والمهرجة، جميعها قد خلدت في صور فوتوغرافية ضخمة الحجم ، صورت في الفترة بين عامي 1977 و 1980 والتي تعتبر باكورة أعمال شيرمان منذ ثلاثة عقود وكان عمرها في ذلك الوقت 23 عاماً.

الفانتازيا
واستوحت شيرمان وجوهها من أفلام هوليوود السينمائية في الفترة بين الخمسينيات والستينيات، حيث أظهرت الكاميرا أنماطاً مختلفة من السيدات في ذلك الوقت من ربة منزل مذعورة إلى نوع من النساء الذي يمثل قنبلة إثارة، ونمط من النساء البائسات التي تقضي وقتها في حالة انتظار في إحدى غرف فندق بائس.

وبدأت شيرمان أعمالها بالأبيض والأسود ثم واصلت وجوهها التي يبدو عليها المعاناة والألم والحزن في مجموعتها التالية التي ظهرت عام 2000 والتي تضم صورا لشخصيات تعاني من الفشل والإحباط .
واحتفت العديد من المتاحف بأعمال شيرمان، واستحضرت المراحل التي مرت بها في عالم الصورة الفوتوغرافية في إطار الفانتازيا الخاصة التي جعلتها تعمل على تركيب شخصيات معينة وتصويرها وصولاً إلى أبرز اللقطات لها في الإعلان السينمائي وفي تصوير النجوم.

تهكم ومرارة
ويعتبر كثير من النقاد شيرمان، أكثر من مجرد مصورة بكثيرة، بل هي صانعة صور تصيب بعمق حاد ما ترمي إليه من أفكار ومشاعر مختزلة في لقطات.

وتبدو أعمال شيرمان متهكمة بمرارة، فروح اللعب تطفو على كثير من صورها، لكنها ما إن تستوقف المشاهد حتى يشعر بالحزن الكامن هناك، وربما أكثر ما يثير الاهتمام هو قلب الطاولة على المفاهيم النمطية، وتعتبر شيرمان من أكثر المناضلات النسوية ثباتاً وتميزاً، وتعالج المسافة بين ما هو ذكوري وأنثوي وصولاً للكائن الواحد، وتناقش بكل السبل المبتكرة في جعبتها الظاهر والخفي، والمسافة بين الواقع والحلم، والأوجه المتعددة للحقيقة.