الإثنين 25 نوفمبر 2019 / 13:13
يتقطع صوت السودانية حليمة ثم تتوقف عن الكلام، عيناها اللتان هما بلون شعرها الأسود القصير تأخذان بالاحمرار، فتشد عليهما لتحبس دموعها كما فعلت قبل تسعة أعوام، عندما حكم عليها القاضي بمئة جلدة، لكنهما تخذلانها، كما خذلتها عائلتها يومها.
اليوم، وبعد "الثورة" التي أطاحت بالرئيس عمر البشي،ر وأرست بداية مسار ديمقراطي في البلاد، تأمل حليمة أن يتغيرالقانون والذهنيات أيضاً.
وتقول حليمة عبد الله، اسم مستعار، إن عقوبة الجلد "تكسر شيئاً في داخلك، أصبحتُ أكثر عدوانية وأكثر عنفاً، صار لدي جانب عنيف في شخصيتي وسببه ما حصل لي".
حليمة 41 عاماً،ناشطة نسوية متحدّرة من أسرة يسارية وتحمل درجة ماجستير في "دراسات الجندر والتنمية"، اعتقلت في 2010 بتهمة شرب الخمر، فعلمت على الفور أن عقوبتها ستكون 40 جلدة.
عقوبة مضاعفة
لكن ما لم تكن تعلمه، حسب ما قولها، هو أن شخصيّتها القوية التي ورثتها عن والدتها، وشعرها القصير غير المستور، ولباسها الغربي المختلف عن هندام عموم السودانيات، سيستفز القاضي لدرجة أن يشدد العقوبة إلى مئة جلدة وأن يصر على أن تنفذ أمامه.
وتسترجع حليمة ذات الشعر الأجعد ما حدث لها يومها، فتقول: "جُلدت مئة جلدة أو ربما أكثر، فبعضها أُعيدَ وأنا لم أكن أعدها".
وتضيف "القاضي كانت لديه مشكلة شخصية معي، مع شكلي.. حتى أنه قال لي نحن الإسلاميين في الحكم منذ أكثر من عشرين عاماً ولسه في بنات كده؟".
وتتابع "قال لي القاضي: "أنا هنا محلّ ربّنا"، وقال لي أيضاً: "قولي لي إنك غير مسلمة لأعطيك ردة". وعقوبة الردة، هي الإعدام. وأدانها القاضي بتهمة إضافية لم تكن في القرار الاتهامي، هي "الزي الفاضح"، وحكم عليها بمئة جلدة، وغرامة.
وسرعان ما أمر القاضي بإخلاء قاعة المحكمة لتنفيذ العقوبة أمامه، بينما أصر محامي حليمة على أن تنفذ الجلد امرأة مستعيناً بمادة في القانون تنص على ذلك.
وكان القاضي يأمر بإعادة الجلدات الخفيفة، ليسمع من بعيد صوت السوط يلسع بعنف ساقي المدانة، كما تروي الأخيرة.
قانون النظام العام"
وحسب منظمات حقوقية، تعرضت آلاف من النساء للجلد بموجب "قانون النظام العام" في السودان منذ 1996 والذي يقيد الحريات العامة والفردية، خاصةً حرية المرأة، وينص على عقوبات مشددة مثل الجلد والسجن لفترات تصل لخمسة أعوام، وغرامات مالية ثقيلة.
وتقول المديرة العامة لـ"وحدة مكافحة العنف ضدّ المرأة والطفل" في السودان، سليمى إسحق شريف: "نحن لدينا أصلاً عنف كثير ممنهج ممارس على النساء للحد من مشاركتهن السياسية والاجتماعية. ولدينا حتى قوانين تلزم أو تحث على العنف ضد النساء، بالقانون".
وتوضح أن "قانون النظام العام" لا يتضمن "ثوابت معروفة معمولاً بها، وليس قانوناً واضحاً بل يطبق وفق مزاج من ينفّذه".
وقالت حليمة: "حتى لو كان ما تقوله الدولة مجرد كلام لجهة أن هذا القانون سيلغى بكامله، وكل القوانين المقيدة للحريات ستلغى، وسنصبح جزءاً من المجتمع الدولي، والمواثيق الدولية، حتى لو كان هذا مجرد إرادة سياسية من الدولة، أعتقد أنه انتصار لنا".
إسقاط النظام
وشاركت آلاف النساء في التظاهرات التي اندلعت ضد نظام البشير في ديسمبر(كانون الأول) 2018 احتجاجاً على ارتفاع سعر الخبز، ثم تحولت إلى مطالبة بسقوط النظام الذي أطاح به الجيش.
وتواصلت الحركة الاحتجاجية بعد ذلك حتى الاتفاق بين منظميها والمجلس العسكري الذي استلم الحكم بعد البشير، في إطار مرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات وحكم مدني.
وتزامناً مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي يصادف الإثنين، يعلق كثيرون آمالاً على تغييرات سياسية واجتماعية في هذه المرحلة.
ما آلم حليمة أكثر من الجلد في ذلك الوقت هو "المحاكمة الثانية" التي خضعت لها أمام أسرتها، وهي "أصعب وأقسى".
وتقول: "ما آلمني هو أن المجتمع، ومن ضمنه الأسرة أو الأهل، لا يفهموننا. نحن لدينا حقوق، نريد أن نعيش"، قبل أن تتقطع كلماتها قائلة: "هم لا يفهمون، أو أنهم يحبونك بشروطهم"، ثم تجهش بالبكاء.
وتسارع المرأة الصلبة لمسح دموعها، تستعين بتنهيدة عميقة وتقول: "أن تكون مختلفاً في مجتمع مثل المجتمع السوداني، وأن تكون امرأة في هذا الاختلاف.. تصبح حياتك صعبة جداً... عليك أن تكون قوياً طوال الوقت لتأخذ حقك، أو تتنازل وتتنازل فتخسر نفسك".
الدولة المدنية
بعد جلدها، فقدت حليمة الأمل في إمكانية التغيير في السودان، فسافرت إلى الخارج أين كانت تعتزم الاستقرار نهائياً، لكن الحراك الشعبي الذي أطاح بالبشير في أبريل (أبريل) 2019، أعاد لها الأمل في إمكانية أن يصبح السودان دولة مدنية، فأعادت فتح مركز للدراسات النسوية، اضطرت لإغلاقه في 2014.
وتعتبر بائعات الشاي اللواتي ينتشرن في معظم أنحاء الخرطوم، أين يبعن الشاي والأطعمة على الأرصفة بدورهن من أبرز ضحايا قانون النظام العام، لأن الشرطة تستخدمه لملاحقتهن.
وتؤكّد عوضية محمود كوكو 56 عاماً، التي تنشط في الدفاع عن حقوق بائعات الشاي والأطعمة، أن حملات الشرطة لا تزال مستمرة ضد "ستّت الشاي" اللواتي رفعن قضيتهن لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك.
وتقول الناشطة التي منحتها واشنطن في 2016 "جائزة المرأة الشجاعة": "لغاية الآن هناك حملات أمنية وبالأمس اشتكينا لحمدوك أن الشرطة ما زالت تطارد ستّات الشاي، لماذا؟ ألم نقل إن السلطة أصبحت مدنية؟ ألم نقل إن الحملات وهذه الأمور انتهت؟".
وتضيف "ماما عوضية"، كما يناديها الناشطون الشبان، بينما تسكب لمراسل فرانس برس الشاي من إبريق ضخم تحت شجرة تقيها شمس الخرطوم الحارقة: "هناك جذور، وهذه الجذور يجب أن تُقتلع، يجب أن نقتلعها نحن. هذه الثورة ملكنا نحن النساء".