الإثنين 1 يونيو 2020
موقع 24 الإخباري

الواشية

رجلا شرطة يقومان بدورية في مطار برلين .(أرشيف)
رجلا شرطة يقومان بدورية في مطار برلين .(أرشيف)


بصراحة، علينا أن نعترف بأن "واشية 2020" كانت محقةٌ تماماً في تبليغها للسلطات، فجيرانها ارتكبوا زلة فادحة بتعريض صحة الجميع للخطر من أجل بضعة قطعٍ من السجق
انبعثت روائح لذيذة في الحي الواقع في مدينة شويرن الألمانية، مترافقة مع أصوات دردشة ولهو. تتبعت المواطنة الصالحة آثار الجريمة بكامل حواسها، وربما بزقزقة العصافير الجائعة في بطنها، ليتبين لها أن "وكر المجرمين" لم يكن سوى فناء الجيران، حيث كانوا يقيمون حفلة شواء ممنوعة في ظل التعليمات الصارمة بالتباعد الاجتماعي.

راقبت المواطنة الصالحة بشماتةٍ اقتحام رجال الشرطة للفناء، وقيامهم بإيقاع الغرامات الباهظة على جيرانها المخالفين. وفي لحظة امتلاء صدرها بالزهو من مواطنتها الصالحة، لجأت بعفويةٍ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتفتخر بقيامها بالتبليغ عمن يعصون الأوامر في زمن كورونا.
إلا أن النتيجة جاءت عكسية تماماً.
لقد صارت كلمة "واشية" باللغة الألمانية موضوعاً شائعاً، أو "تريند"، في "تويتر"، وذلك للتشنيع على هذه المواطنة الصالحة، والتي ربما كانت أكثر صلاحاً مما يجب.

إن أجساد الألمان تقشعر ريبة وتوجساً من فكرة الهرع لتقديم البلاغات إلى السلطات، واستعدائها ضد المخالفين، وإيقاعهم في المشاكل القانونية.

ولا لوم عليهم في شعورهم هذا. ففي زمنٍ ما، كانت "الوشاية" إلى السلطات تكاد تكون فريضةً وطنيةً.

إبان العهد النازي، كانت همسات قليلة من المواطن الألماني إلى "الغيستابو"، أو البوليس السري، كفيلة بأن تؤدي بجاره اليهودي، الغجري، المثلي جنسياً، الشيوعي، أو أي معارض سياسي على الإطلاق، إلى "ما وراء الشمس".

واستمرت الفظائع مع "الشتازي"، أو البوليس السري، في ألمانيا الشرقية بين 1950 و1990، حيث كان الوشاة من المواطنين يترصدون حتى لرغبة بعضهم في الهرب إلى خارج الحدود!

بصراحة، علينا أن نعترف بأن "واشية 2020" كانت محقةٌ تماماً في تبليغها للسلطات، فجيرانها ارتكبوا زلة فادحة بتعريض صحة الجميع للخطر من أجل بضعة قطعٍ من السجق.
ولكن ردة فعل الألمان الكاسحة عليها تمثّل درسا مجانيا لنا، وإن كانت في "خطٍ زمنيٍ" آخر من "تويتر" بعيدٌ عن خطنا الزمني المتشبّع بالفعل بالبلاغات والشكاوى، والمطالب إلى السلطات بإلقاء القبض على كل من تسوّل له نفسه التنفس.

إننا نشي بمن ينتقدون ويتذمرون.
نشي بمن يعقدون المقارنات.
نشي بمن يخونهم التعبير.
نشي بمن يلقون النكات.
نشي بمن يضحكون على هذه النكات.
ثم نشي بمن لا يضحكون على هذه النكات، لأنهم غالباً يضحكون على نكاتٍ أخرى لا نعلم بشأنها.

ودونما شكٍ، فأنا لا أقارن بين حساسيتنا المفرطة كشعوبٍ خليجيةٍ، ونزعتنا الدراماتيكية بعض الشيء إلى تبليغ السلطات بأدنى المخالفات، بما كان يفعله شياطين الإنس ببعضهم خلال ألمانيا النازية –مثلًا-.

بيد أني لا أتمنى مستقبلاً نشير فيه إلى الخطأ –كما فعلت المواطنة الألمانية الصالحة-، فلا نجد إلا مجتمعاً لم يعد يثق بنوايانا، أو يأخذنا على محمل الجد.

كلمة أخيرة: تذكروا مصير الراعي حينما استمر في الصراخ "الذئب، الذئب"، فربما ينتهي بنا المطاف فريسة للذئب الذي صنعناه في أوهامنا.
T+ T T-