الثلاثاء 4 فبراير 2014 / 16:39
على هامش هذا المقال هناك أمنية يبدو تحقيقها نصف مستحيل، وسؤال فشلت في الإجابة عنه.
أما الأمنية فهي أن يصل هذا المقال إلى أحمد فكرون، لكنني لا أعرف على وجه الدقة أين هي أراضيه الآن، الأمر الذى يضفى على حضوره بعداَ يجعل الأسطورة تكتمل، يقولون إنه عاد إلى ليبيا بعدما اعترف له النجاح بفشله في أن يقدم له جديداً كموسيقى عربي رجت موسيقاه أوروبا لكنه تعرض لحصار النظام الذى رفض أن يغنى له، بل إنهم اقتحموا منزله وحطموا أجهزته الموسيقية فتوقف عن إنتاج الجديد، وهناك من يقول إنه شارك في الثورة، أحاول أن أدقق المعلومة فيقولون أن حضوره كان عبر أغنيته "يا بلادي حبك موالى" التي كانت تذاع عبر سماعات كبيرة في شوارع بني غازي على هامش مقاومة أهلها لمرتزقة النظام السابق، يقولون إنه عاد إلى أوروبا حيث بدأ.
كان صعباً بالنسبة لمراهق لم يتجاوز الثانية عشر محاط بهزال موسيقى أن يستوعب بهدوء تجربة أحمد فكرون وهى تصل إليه عبر شريط كاسيت أسود مكتوب عليه "شوارع المدينة"، موسيقى غريبة، شرقية الروح لكنها ملبوسة بعفريت عابر للجنسيات والثقافات، كلمات صعبة على من هم في مثل سنى: "في جامع الفناء .. عجوز بقيثارة.. يروى أشعاره.. نغمة أوتاره.. آلام وأحزان" وموسيقى تتفوق شكلاً وروحاً على أغاني الخواجة الشائعة وقتها، أحزان صادقة ورصينة و بشارات لا تنتهى عن وجع سيكبر يوماً ببلاغة أصفى من بلاغة "سيكبر حزنك حتى يصبح أشجاراً"، ما لي و مال الأشجار، الحزن سيكبر في شوارع المدينة كما قال لي فكرون: "وجوه بالفرحة تنعم .. فيها وجوه حزينة"، باختصار كان فكرون يقودني إلى الجنون والقفز فوق سنوات قادمة منطلقاً من غرفة صغيرة في جنوب مصر إلى رحابة بعرض آلات الكمان التي ترافق فكرون كلما نطق، لكن أين هو الآن، بل أين أنا؟
عند ظهور اليوتيوب كانت شهوة التفتيش عما ضاع في الطريق في أوجها، بحثت عن تترات مسلسلات لم يكن هناك مجال للعثور عليها قبل ذلك إلا بعرض المسلسل نفسه أو بتسجيل رديء يوجد مصادفة عند صديق كان مجنوناً بتسجيل المسرحيات والأفلام على شرائط كاسيت، إلى أن سألني صديق على استحياء "فاكر أحمد فكرون"، على استحياء لأنه في كل مرة كان يسأل السؤال نفسه لشخص آخر كان يبدو واضحاً أنه يستمع للاسم لأول مرة إلى أن فقد صديقي الأمل لكنه تعشم فيّ خيراً، بدا واضحا لي ساعتها أن فكرون وصل لناس بعينها، عندما ظهر في مراهقتنا لم يكن هناك كثيرون يمتلكون الجرأة الكافية للإنصات له، كانت المسألة تحتاج إلى شخص أكبر منا سنا ليأخذ بأيدينا باتجاه هذه التجربة، سألني الصديق فغرقت أياماً بعدها أفتش في اليوتيوب عن كل جملة موسيقية لفكرون مكللاً بالنجاح برفقة مراهق الأيام الخوالي، أكاد أشم رائحة بيجامته الشتوية في كل مكان مسترجعا بالمللى قفزاته مع الموسيقى عندما تكون صاخبة أو شروده كلما أخبره فكرون سراً من أسرار حياة الكبار .
عندما وقعت في يدى تجربة فكرون كنت في السن التي بدأ فكرون عندها ينعزل في منزله بالعود، كان يفتش عن الموسيقى في كل مكان حتى عندما كان يزور الإسكندرية مع أهله لقضاء الصيف، فصادق عازفي الفرق الصغيرة المنتشرة في المدينة، ثم كبر وأرسله أهله إلى بريطانيا لدراسة اللغة والأدب، نسى الموسيقى لكنها لم تنسه، بعد عام تقرر أن يقيم في ضيافة أسرة بريطانية كان أحد أبنائها يعزف الجيتار، اصطحب فكرون إلى الاستوديو لأول مرة في حياته، ومن يومها لم يخرج فكرون من الاستوديو الذى دخله مصادفة (هل كانت مصادفة حقا؟)، بمرور الوقت أنتج ألبومه الأول وكان مفتاحه إلى العالمية، لهثت خلفه شركات انتاج فرنسية وإيطالية وإنجليزية، ووقف على أهم مسارح أوروبا يقدم تجربته التي صارت موضة، ثم بدأت أخبار نجاحه تصل إلى الوطن العربي، فعاد نجماً كبيراً بعد أن قال عنه أكبر منتجي الموسيقى في فرنسا "لقد مر بنا فكرون مثل الحلم ".
كانت العودة أقرب إلى استراحة محارب، لكنها كانت الحرب من جديد ضد نظام القذافي الذى أراد أن يحتكر شهرته ونجاحه ليغنى باسمه، قطعوا اليد التي كان يود أن يمدها لشباب الموسيقى الليبية وأفسدوا موقعه الإليكتروني الذى يضم رحلته وأغنياته وحطموا آلاته الموسيقى لكنه لم يرضخ، استطاع أن ينجو من هذا الهلاك الفني بعناد يليق بالصورة التي رسمها له المراهق إياه في خياله، آثر فكرون أن يبتعد عن الموسيقى فلم نسمع له جديداً وإن كان قديمه لازال طازجاً، أين هو الآن؟
كل من استمع إلى فكرون في منتصف الثمانيات من مراهقي وأطفال هذا الجيل وأخلصوا في احتضان رسالته ستجدهم الآن أشخاصاً مختلفين تماماً عمن يحيطون بهم ، كانت تجربة فكرون اختباراً من نجح فيه يقترب الآن من سن الأربعين وهو (جايب آخرها) بعد أن امتلك مبكراً هضبة أعلى من التي يقف عليها أصدقاؤه، فرأى مشقة الأيام القادمة قبل أن يعيشها و لمست أطراف أصابعه المدى قبل أن يعرف الآخرون أن هناك مدى، اليوم أرى أن سؤال "سمعت أحمد فكرون" أقرب لاختبار الشخصيات التي تحلل نفسية الآخرين، سؤال يوفر على الواحد حوارات كثيرة ويجعل الصمت مع أشخاص استمعوا إليه قديما صمتاً مليئاً بالكلام الذى يعرفه السائل والمسئول جيداً.
الأمنية كانت أن تصل رسالتي إلى فكرون لأقول له إن رسالته قد وصلت .
أما السؤال الذى فشلت في الإجابة عنه : كيف ارتاح شريط الكاسيت الأسود هذا في يدى ومن الذى حمله إلى غرفة مراهق متوحد لم يكن مصروفه يسمح بشراء واحد، في بلدة كان يندر أن يصل إليها تجارب مشاهير المطربين فما بالك بتجربة شبه سرية مثل تجربة فكرون؟