الأحد 6 يناير 2013 / 05:44
كيف يمكن زيارة هذا الفتى الشاعر الرجيم، المجنون، المدان، الأسطوري؟ من أي باب بمكن أن أدخل إلى عالمه، بعيد عن العواطف وشوائبها، وقدرتها على تلوين الحالات التي تشبه حالتي؟ أي كلمات سأقدم عليها لأقول إني زرت قبر آرثر رامبو؟ كيف يقرأ في هذا العصر؟ هل يمكن تصنيفه أو على الأقل إعطائه صفة ما، ليسهل هضم سنوات حياته السبعة والثلاثين؟ هل حياته هي المهمة لجعله حاضراً في مخيال من عرفه، أم أن ما كتبه هو الأهم؟ قال عنه هنري ميلر في كتابه المضيء " رامبو وزمن القتلة " من تكلم عن حياته ظلم شعره ومن تكلم عن شعره
أخبرنا عن " الأزعر الرائع " " الصوفي المتوحش" النيزك " العابر الهائل " الملاك المنفي"
بعد سبع ساعات بالطائرة وصلنا مطار شارل ديغول ومنه إلى سان ميشيل الحي اللاتيني نبحث عن أثر ما لهذا الولد الأزعر. نزلنا في فندق الغرباء، حيث قطن بضعة أسابيع حين كان يريد أن يكون ابنا للشمس ويخرب الحواس ليصبح رائياً. هنا عند التقاء نهاية شارع راسين مع شارع كلية الطب. أقمنا ليلة واحدة فيه واستعدينا للذهاب إليه.
بعد أسبوعين من دفن آرثر رامبو يوم 10-11-1891 بدون ساقه اليمنى التي قطعت في مرسيليا، كانت أخته إيزابيل تتصفح جريدة (رسول الأرديين) فوجئت بمقالة مطبوعة على عمودين ونصف مخصصة لرامبو، بكت من الفرح، فأخوها ليس تاجرا أمينا وحاذقا فحسب بل وشاعرا يكتبون عنه في الصحف.
وبعد عام على وفاته، همد الجسد المشبع بالهزائم والنبذ والسرطان، وانبلجت الأسطورة لحياة هذا الشاعر الغريب الذي هزّ الشعر الفرنسي من جذوره وهو المراهق الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة، لينصَّب شاعرا طازجا على مرِّ العصور.
شيء ما من باريس رامبو مازال يدل عليه "إن في نفسي ذعراً من جميع المدن"، هكذا قال الولد الشارد الضال الذي لم تروضه باريس ولم ترضه. فنال على ما أراد، نقمة جماعية، حتى من أكثر المتحمسين له ولم يمض على وجوده بينهم سوى أسابيع.
تجرأ على البرناسيين –الانطباعيين- الجدد، حتى أنكروه.
الشهاب الذي انطفأ، عبقرية جوفاء، الفاسد قليل التربية، التافه والسخيف.
هذا بعض مما رشقوه به من نعوت، تبدو طازجة تنال كل المتشبهين به من بعده، ممن عشقوا تقليد الصورة وابتعدوا عن الأصل.
مسّ "بول فاليرين" بلوثة شعر" وحرفه إلى دروب الشعراء التي تودي إلى الجحيم. عاث فسادا في المشهد الثقافي البرجوازي وكشف نفاقه. كل هذا بمئة صفحة لا غير، خطها على مدى ثلاث سنوات وهو دون التاسعة عشر.
ثم قطع علاقته مع الجميع، حتى مع رفيقه الضال فاليرين بعد أن خرّب حياته البرجوازية الهادئة، وشرخ علاقته الزوجية و تركه في السجن يتعذب بالذنب، فالرصاصة التي أطلقها على رامبو لم تصب سوى يده. ربما كان عليه أن يجيد التصويب ويصيب مقتله، فوجود شاعر بهذه الطاقة يخلخل اتساق الوجود.
على كل حمل المراهق أزرق العينين يده المثقوبة برصاصة الصديق، وقلبه المشبع بالخسارة وروحه المغموسة بالظِلال وعاد ليكتب الفصل الأخير من جحيم الشعر.ليرتد فاليرين إلى الإيمان المسيحي، ويصبح مبشرا بالمسيحية الجديدة. ويخرج رامبو من كل تصنيف وينكر الأدب والشعر والثقافة إلى الأبد، حارقا النسخ التي لديه من كتابه الوحيد الذي طبعه في حياته " فصل في الجحيم" مع كل إشعاره. لكنه أبقى على دفتر "الإشراقات".
في الفصل الأخير قبل صمته الذي مازال يحير كتّاب سيرته يقول :" فلنتقدم ! لنحمل العبء ونسير نحو الصحراء والسأم" فخورا بالتجرد من كل الأوطان والأصحاب، ثم يصيح "لا شيء عبثيٌّ فإلى العلم وإلى الأمام"هجر الشعر بعد أن وصل به وأوصله إلى قحل المطلق، واستذأب في الحياة، وفرّ من أوكار أوروبا الباردة الخضرا،ء إلى قحل عدن وصحراء هرر، لربما تذيب الحرارة جليد روحه المتجلدة.
أمام اندياح ما قرأته عنه في رأسي، كنت أعد الوقت كحبات مسبحة أود الوصول إليه. من محطة (غاردوليس) إلى (راميز) بدأت رحلتنا باتجاه إقليم الآردن على حدود بلجيكا، خبّ القطار وأنا أراقب الحقول بهدوء متشح بالفرح الغامض. إذن كان يمر بهذه البلدات والسهول ماشياً، جائعاً مهترئ الملابس. تسع مرات فعلها وهو يعود خائباً أو هارباً من باريس إلى شارلفيل. أحاول أن اقتنص بقايا أنفاس رامبو في هذا الريف المضجر، وأتسأل هل تستحق شارلفيل التضحية بأيام الإجازة بدلا من إغواء باريس.
أنقّل نظري بين النافذة وكتاب "رامبو الشاعر والإنسان" أجده مخاطباً البرناسيين ساخراً من رومنسيتهم، ساكباً سمّاً على أزهارهم يقول لهم:
"سلحة طير بحري تساوي كل الزهور المبثوثة في قصائدكم"
حبذا لو فعلتم ما هو نافع . أكتبوا شيئا عن آفة البطاطا""
تلك الصرخة التي سيجلد بها شعراء عصره، تبدو أنها صالحة لكل العصور وخاصة للكثير من شعراء هذا الوقت.
بدلنا القطار في راميز. الخضرة تزداد غماقة، وفضولي يقودني إلى هذا اللامنظور، طيفه الذي ألمحه في السهول العابرة من خلف النافذة.
إنه في عامه السادس عشر، حيرة تلو أخرى، نزق مغموس بالتوق للمجهول عطش للكتب، قراءة تقرب حد الالتهام، قسوة إسبارطية على النفس، وتوق ذاتي للعقاب، والمشي ثم المشي ثم المشي. في كل اتجاه ولأي سبب،علّ أفقا ما ينفتح ويأخذ بهذا الأفاّق عديم القلب.
كل قصائد رامبو بعد عام 1871. يستحيل أن يكون منبعها القلب، فقد تحصن عن العدالة المشبوهة، والعواطف الرخيصة، سمّى الأشياء بأسمائها الأولى، دون تورية ولا مواربة، بعد أن غطّسها بحبر الخفاء (الرمزية) التي ستدين له بكل شيء لاحقا. يقول: "أفلحت في أن أزيل كل رجاء أنساني وخنقت كل فرح"
وصلنا محطة بلدته "شارلفيل" نزلنا من القطار، كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة. أمام المحطة توقف قطار قديم خرج عن الخدمة منذ أيامه على ما يبدو، قطار بخاري قديم، شيء من الماضي الأليف لو أنه يملك القدرة على نقل أحاديث ركابه لربما أخبرنا عن " الأزعر الرائع " " الصوفي المتوحش" النيزك " العابر الهائل " الملاك المنفي"، الذي أوقفه الرهبان هنا قبالة هذه المحطة، وأعطاه أحدهم عشر سنتيمات. وقال له: خذ يا صغيري وقص شعرك، وضع رامبو القطعة النقدية في جيبه، وهش بوجه الراهب: شكرا لأنك وفرت لي التبغ اليوم.
حين وصلت أخبار بداية الكوميونية (أول ثورة اشتراكية في العصر الحديث) القادمة من باريس، سار ساخراً من طلاب اللاهوت والبرجوازيين الذين شلّهم الرعب، كان يتحدث بعربدة وأيمان عن عصر العلم والشعر الذي سيخلف عصر الدجل والمال والحرية المنتظرة تحت تصرف الجميع.
صارت أفكار روسو وبرودن ولويس بلانك أسراباً من الطيور الكاسرة تنقض على رمم البرجوازية المتعفنة وأتباعها من المتدينين. دمغ شارلفيل بالرعب وهي ترى تلك العبارة التي خطها على باب الكنيسة "فليسقط الرب" طفل في معهد ديني في مدينة متدينة يفعل ما لا يمكن تخيله. من أين جاء بهذه الشجاعة؟
قبل موته بأيام استدعت أخته الكاهن ليأخذ اعترافاته، خرج ممتقع اللون، قائلاً لها: أخوك لا يحتاج إلى الاعتراف، لديه إيمان أعمق من كل ما رأيت!!
الكنيسة ما تزال مكانها وساحة شارفيل تحتفظ بنفسها، والبشر هنا مسترخون أكثر من باريس، يبدو أنه امتص كل قلق من هذه البلدة وللأبد.
تقدمنا باتجاه مدرسته التي أصبحت معهداً باسمه. فيها كتب ساخراً من كل أشكال التدجين "يجب أن لا تبلى سراويلنا فوق المقاعد" صرخة تبنتها فرقة "البنك فلويد" في الثمانينيات من القرن العشرين. فقام طلاب المدارس بتكسير المقاعد رافضين أن تبلى سراويلهم فوقها.
كشط الصدأ عن الروح البشرية جعلها مَهُولى، و"الجسد كنز للتبذير" و"الديك الذهبي سيفتح سموات تهطل نبيذاً"، والشاعر الرائي يخرج الكلمات مكتنهة بالأصوات والروائح والأشكال، ليصل إلى ذلك، كان عليه أن يعطب الحواس و مجسات العقل البارد، يدمر المنظومات السائدة في كل شيء، بلا أي رجاء، فكحّل عينه بماء الرؤية، وشطبها بشفرة حادة، فزّر سوائلها اللزجة، فصد الدم الملوث بالأيمان، مثل مشهد (بونيول ودالي) في فلمهما الصارخ (الكلب الاندلسي) قال نصوصه بلغته الحادة، ناقش أراء باسكال بمزاج تهكمي وسخرية فادحة وأبقى غرامياته موؤده في قفره المتسع. فكلما أحب دفن جثة حبيبته عميقًا من دون شاهدة، فأفردت الكتب الثلاثمائة التي كتبت سيرته، مئات الصفحات عن البنت ذات العينين البنفسجيتين التي شاركته المحاولة الثانية للوصول إلى باريس، بعد أن باع كتب أستاذه وساعته.
كان يتسكع بلا اكتراث بالحرب، يبحث عن الكتاب والفنانين من دون جدوى، فمزاج باريس الجائع لا وقت لديه للوثة الشعراء صرخ بها "ما باريس إلا معدة"رحلة العودة من باريس الجاحدة كانت طويلة عاد ماشيا، ليصل إلى أسوأ مكان يمكن أن يعود إليه، منزل الوالدة " فم الظل " كما كان يسميها، البيت رقم 5 بجوار المطحنة. بثياب ممزقة وسعال مخرش، وقد خسر بضعة كيلو غرامات وحلمه بالكوميونية وشغفه بباريس.
أصعد الدرج إلى غرفته العلوية العارية، أفتح الشباك على نهر "مُوز" ثمة مركب قديم يتهادى. هنا استمد قصيدته الأبهى " المركب السكران " ومطحنة لم يكن يعرف يوما إنها ستكون متحفا خاصا به.
صدم أبناء الآردن المحافظين بمظهره العاق، فكان أطفالهم يرمونه بالحجارة. تمثاله وهو مرتكي على يده اليمنى في شارلفيل مازال يرجم حتى اليوم بالقصاص نفسه، على جبينه طبع حرفان دامغان بقلم أزرق عريض ( PD) وتعني اختصارا لوطي كبير، مدينته ما تزال تحمل هذا الاجحاف بحقه، مثلما يختصره بعضهم بعلاقته الحميمية مع "فاليرين".
بقي أن نلقي سلاما عليه في قبره نزلنا الطوابق الثلاثة من المتحف إلى الساحة الكبيرة اتخذنا طريقاً يصعد قليلا على جانبيه محلات تبيع تذكارات خاصة به، اقتصاد بلدته الأول مازال يعتمد عليه، وأكثر من مائة ألف زائر سنويا يقصدون المكان بسببه.
على مواقف الباص قصائد رامبو مرقوشة على الجدران، يتسلى بها المنتظرون. بوهيمتي، أوفيليا، النائم في الوادي، شعراء السابعة، كيمياء الكلمة، المناولات الأولى، ملهاة العطش ..إلخ
في كل مكان يرى شيء منه، تمثالا أو قصيدة، متحفا أو صالون حلاقة يحمل اسمه. ندخل المقبرة المرتبة على اليمين مباشرة، صندوق بريد خاص به لمن يودُّ إرسال الرسائل إليه في عتمته الباهرة، وإلى الأمام مقعد أمام قبره المتشح بالكثير من الزهور الجافة، أضفنا إليها باقة، جلسنا قبالته. تساءلت شريكتي في الرحلة، لماذا ابتسم هذه الابتسامة الكبيرة؟ قلت لها : ساقه خارج هذه القبر، مازال يمشي؟
من بعيد صوت الكنيسة يقرع، الكنيسة ذاتها.