الأربعاء 28 فبراير 2024 / 12:11

خطة إيران لتجنّب الحرب مع أمريكا

بذلت إيران جهوداً منسقة لكبح جماح الميليشيات في العراق وسوريا، بعدما انتقمت الولايات المتحدة بسلسلة من الغارات الجوية لمقتل 3 من جنودها في وقت سابق من هذا الشهر.

سياسة إيران عموماً تقوم على إبقاء الغليان على جبهات عدة

وجاء في تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أنه في بادئ الأمر، ساد قلق إقليمي من أن يؤدي العنف المتبادل إلى تصعيد في نزاع الشرق الأوسط.

لكن منذ الضربات التي شنتها الولايات المتحدة في 2 فبراير (شباط)، لم تحدث هجمات من قبل الميليشيات المدعومة إيرانياً، على القواعد الأمريكية في العراق باستثناء حادثين ثانويين في سوريا، وفق ما يقول مسؤولون أمريكيون.

وأفاد مسؤولون في البنتاغون، أنه قبل ذلك، سجل الجيش الأمريكي على الأقل 170 هجوماً على قواته في 4 أشهر.

ويعكس الهدوء النسبي قرارات من قبل الجانبين، ويفترض أن إيران تتمتع بنوع من السيطرة على الميليشيات.

وكانت إدارة جو بايدن أوضحت بجلاء، أن طهران ستحاسب عن سوء في الحسابات وعن عمليات ينفذها وكلاؤها، لكنها تفادت أي هجوم مباشر على إيران.

وقال قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق الجنرال المتقاعد كينيث إف. ماكنزي إن الرد الأمريكي: "ربما أحدث بعض التأثير، إن السؤال هو هل تنفذ الميليشيات هجمات أم لا؟ على الأقل في الوقت الحاضر لن تقوم بذلك".

معركة أوسع

كما أن التهدئة تشكل تحولاً من قبل إيران، وعلى مدى أشهر، أمرت طهران وكلاءها الإقليميين في العراق وسوريا بمهاجمة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط. 

وعندما تكثفت هجمات الوكلاء لتتوج بقتل ثلاثة جنود أمريكيين، شعر القادة الإيرانيون بأن مستوى الاستقلالية الممنوحة للميليشيات بدأت تحدث رداً عكسياً، وأن من الممكن أن تدفعهم إلى الحرب، وفق ما أفاد مسؤولون إيرانيون وأمريكيون.

وبحسب سينا أزودي المحاضر في جامعة جورج واشنطن والخبير في الأمن القومي الإيراني: "هم يخافون من مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويعرفون أنه في حال مقتل أمريكيين آخرين فإن هذا سيعني الحرب، أي عليهم كبح جماح الميليشيات وإقناعها بأن الحرب مع الولايات المتحدة قد تؤذي طهران أولاً ومن ثم المحور بكامله".
وتمول إيران وتسلح وتوفر دعماً تقنياً وتدريباً لشبكة من الميليشيات في المنطقة.
وبدأ الجهد الإيراني لكبح الميليشيات فور مقتل الجنود الأمريكيين الثلاثة في هجوم بمسيّرة على قاعدة في الأردن في 28 يناير (كانون الثاني)، في وقت تعهدت واشنطن برد قوي.

خطط تتفادى الحرب

واستناداً إلى إيرانيين قريبين من الحرس الثوري، فإن قائد فيلق القدس في الحرس إسماعيل قاآني، ترأس اجتماعات في أواخر يناير (كانون الثاني)، في طهران وبغداد مع استراتيجيين وقادة بارزين من الحرس ومع قادة بارزين في الميليشيات، من أجل إعادة رسم خطط تتفادى حرباً مع الولايات المتحدة. 

وفي بغداد، عقد قاآني اجتماعاً مطولاً مع ممثلين عن الميليشيات الشيعية، وتبنت هذه الميليشيا عشرات الهجمات على القواعد الأمريكية، وتوجهت واشنطن باللوم إلى هذه المجموعة على مقتل جنودها الثلاثة.
وأبلغ قاآني المجتمعين بأن إيران ومجموعة الميليشيات قد حققت ما يكفي من المكاسب في الضغط على الولايات المتحدة، لأن الرئيس بايدن يواجه انتقاداً حاداً بسبب دعمه القوي لإسرائيل وبأن خلافات تظهر بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وبأن حرباً بين طهران وواشنطن من الممكن أن تعرض للخطر الهدف البعيد المدى بطرد القوات الأمريكية من المنطقة.
وأول الأمر، عارضت كتائب حزب الله وحركة النجباء بقوة مطلب قاآني بوقف الهجمات ضد الأمريكيين، معتبرتين أن قتال القوات الأمريكية جزء لا يتجزأ من هويتهما.
وانضم سياسيون مؤثرون في العراق بمن فيهم رجال دين يتخذون من النجف مقراً لهم، إلى الجهود من أجل إقناع الميليشيات بوقف الهجمات.

كما اضطلع رئيس الوزراء العراق محمد شياع السوداني بدور، حيث أبلغ إلى قادة الميليشيات وقاآني بأن استمرار الهجمات على القوات الأمريكية يعقد المفاوضات بين بغداد وواشنطن من أجل سحب القوات الأمريكية من بلاده، وفق ما كشف مسؤولون إيرانيون وعراقيون. 

مشاورات قاآني

وامتثل قادة الميليشيات. وأعلنت كتائب حزب الله أنها ستعلق الهجمات على القواعد الأمريكية وبأن قرارها مستقل عن إيران.
وكانت حصيلة المشاورات التي أجراها قاآني وضع استراتيجية جديدة تدعو الميليشيات العراقية إلى وقف الهجمات على القواعد الأمريكية في العراق بما في ذلك منطقة كردستان في الشمال، والسفارة الأمريكية في بغداد.

وفي سوريا، أوعز إلى الميليشيات بخفض التصعيد في مهاجمة القواعد الأمريكية من أجل تفادي سقوط قتلى، حسبما قال مسؤولون إيرانيون وتقويمات للاستخبارات الأمريكية.

وبحسب الاستراتيجية الجديدة، فإن نشاط المجموعات ضد إسرائيل في لبنان واليمن سيستمر. 

وبعدما توقفت الهجمات على الأمريكيين، امتنعت الولايات المتحدة عن استهداف قائد بارز في الميليشيات في 2 فبراير (شباط)، من أجل تفادي عرقلة التهدئة وإثارة المزيد من الأعمال العدائية، وفق ما قال مسؤول عسكري أمريكي.
وسياسة إيران عموماً تقوم على إبقاء الغليان على جبهات عدة ضد إسرائيل بواسطة وكلاء، طالما الحرب مستعرة في غزة، حتى ولو تجنبت الميليشيات المرتبطة بإيران ضرب القواعد الأمريكية.
ويتبادل حزب الله في لبنان النار مع إسرائيل يومياً، بينما يهاجم الحوثيون في اليمن السفن في البحر الأحمر، محاولين منعها من الوصول إلى الموانئ الإسرائيلية.
ووفق الإيرانيين القريبين من الحرس الثوري، فإن هجمات حزب الله والحوثيين ستتصاعد في حال هاجمت إسرائيل مدينة رفح التي تضم أكثر من مليون مدني عالقين فيها.
ويقول مدير السياسة والأبحاث في مجموعة صوفان الاستخباراتية والاسشتارية للشؤون الأمنية كولن ب. كلارك: "تتمتع إيران بقدرة خارقة على السير مباشرة إلى الخط وعدم تجاوزه، لكن الوضع لا يبدو مستقراً، ولا يبدو أننا تجاوزنا الحد الأقصى، ويمكن أن تتغير الأمور في أي لحظة".